لم يكن اغتيال الشيخ أحمد ياسين معضلا علي إسرائيل.. كانت تستطيع تنفيذ هذه العملية وقتما تشاء بل إن الجميع في إسرائيل وخارجها كانوا يعلمون أن قرار اغتيال زعيم حماس أقر بالإجماع وكان الخلاف الوحيد حول توقيت التنفيذ. ولأن حكومة إسرائيل كانت تهدف تصفية حماس نهائيا أكثر من مجرد اغتيال قائدها انتهجت نهجا لم يدركه الكثيرون إلا مع توالي عمليات تصفية قيادات حماس الذين يلون الزعيم أحمد ياسين في ترتيب القيادة فيما يسمي عمليات خلخلة التراتبيات بما يؤدي في النهاية إلي تفريغ هرم القيادة.. فلا يعد أمامهم إلا الشيخ أحمد ياسين. وظلت إسرائيل علي هذا النهج التصفوي لدرجة أنه لم يعد أمامها من قياديي حماس الكبار سوي عبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهار في الداخل وخالد مشعل في الخارج. والغريب أن إسرائيل حاولت اغتيال ثلاثتهم لكنهم نجوا بأعجوبة. كان هناك رهان إسرائيلي آخر علي الوقت الذي قد يخدمها أثناء انشغالها بتصفية القيادات بموت الشيخ أحمد ياسين الذي يعاني جملة أمراض أهمها الشلل الرباعي والعمي في عينه اليسري وضعف الأبصار في عينه اليمني وتيبس في العمود الفقري وارتفاع في ضغط الدم. لكن مع توالي الأيام وثبات الشيخ ياسين وظهور مشروع إسرائيلي بتسليم غزة للأمن المصري وظهور أصوات تؤكد استحالة إتمام هذا المشروع في ظل سيطرة حماس علي قطاع غزة بدأت إسرائيل تعيد ترتيب أوراقها. وهكذا قررت القيادة الإسرائيلية التعجيل باغتيال الشيخ أحمد ياسين ظنا منها أن قطع الرأس سيؤدي ـ حتما ـ إلي موت الجسم. لكن هذا الاعتقاد لا يسري إلا في عالم الثعابين وليس مع حركة فلسطينية تربي كوادرها بطريقة معينة يصعب استيعابها من قبل الموساد أو جواسيس إسرائيل داخل غزة. ومرة بعد مرة تثبت القيادة الإسرائيلية العدوانية قصر نظرها ورفضها تقديم مسوغات قبولها لدي الرأي العام. فهي أولا لم تكسب شيئا باغتيال الشيخ ياسين حيث استنكرت أغلب دول العالم هذه الجريمة خاصة أن الرجل كان خارجا لتوه من المسجد بعد أدائه لصلاة الفجر بما يفضح خسة القيادة الإسرائيلية, كما أنه جاء قبل وصول وفد برلماني مصري بساعات جاء يمد يده لمواصلة مسيرة السلام مما شكل إحراجا كبيرا لمصر التي تتعهد عبر وفدها الأمني بإعادة عربة السلام إلي الطريق. كما جاء الاغتيال الخسيس قبل أيام من انعقاد القمة العربية في تونس التي كانت تضع القضية الفلسطينية في ترتيب متأخر من جدول أعمالها فأعاد اغتيال الشيخ ياسين ترتيب الأولويات لتظل القضية الفلسطينية هي الهم الأول الذي لا يبدو أنه سيصادف حلا في يوم من الأيام. نعم خابت كل حسابات إسرائيل, فقد أدي اغتيال زعيم حركة حماس إلي انصهار كل حركات المقاومة الفلسطينية في بوتقة واحدة بعد أن ثبت للجميع صحة رأي الشيخ ياسين الذي لم يمل من تكراره حتي أمام الوفد المصري الذي كان يسعي إلي عقد هدنة ووقف عمليات الاستشهاد ضد الإسرائيليين, قال لهم سننفذ الهدنة من أجل خاطركم وأقول لكم من الآن إن إسرائيل هي التي ستمزقها لأنها لا تريد السلام.. ولأنها خائفة من استحقاقات السلام التي لا تقدر عليها. والسؤال الآن: ما مستقبل حماس بعد اغتيال قائدها ورمزها؟ وهل ستضعف الحركة أم تختفي؟ وهل سيحدث صراع علي القيادة أم سيبايعون أحد الثلاثة الكبار الدكتور محمود الزهار والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والمهندس خالد مشعل؟ دون استباق للأحداث يمكن القول إن حركة حماس ستتضاعف قوتها بصورة لم تخطر علي بال إسرائيل أبدا إذ سرعان ما سيتضاعف أعداد الشباب الفلسطيني الذي سيطلب الانضمام إلي الحركة علي اعتبار أنها الفصيل الوحيد الذي يقض مضاجع إسرائيل. هذا علي مستوي القاعدة أما علي مستوي القمة فالأرجح أنه لن تحدث نزاعات علي القيادة لعدة اعتبارات أهمها علي الاطلاق أن قوة حماس تكمن في الجناح العسكري وكتائب عز الدين القسام, والقادة العسكريون هنا وهناك غير معروفين بالاسم والشكل بدليل أن إسرائيل اغتالت طوال السنوات الماضية عشرات الكوادر كانت تزعم في كل مرة أنهم قادة الجناح العسكري لحركة حماس في غزة أو رام الله أو بيت لحم لدرجة أن الكثيرين كانوا يسخرون من زعم إسرائيل بقولهم إن إسرائيل نصبت كل أعضاء حركة حماس قادة أجنحة عسكرية. والشاهد أن عمل الجناح العسكري سينشط جدا في الأيام المقبلة ومن المتوقع أن يحدثوا نقلة نوعية في طبيعة عملهم دونما اعتبار للجدار الواقي الذي شيده شارون, فقد أثبت الفلسطينيون أنهم قادرون علي عبور كل المواقع. وما لم تحسبه إسرائيل أيضا وكان مفاجأة لها أن حركة حماس وإن كان مقرها الرئيسي في غزة فإنها ـ في النهاية ـ مجرد فرع لتنظيم عالمي منتشر في كل دول العالم وظهر هذا واضحا في ردود فعلهم بعد اغتيال الشيخ ياسين. وإذا كان عموم المسلمين في شتي بقاع الأرض صلوا صلاة الغائب علي روح الشهيد أحمد ياسين فإن دعواتهم له بالرحمة وبالجنة كانت مشفوعة بدعوات أخري لعل الله يستجيب لها*