366‏السنة 123-العدد2004مارس27‏6 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

ابتعد‏..‏ حتي أراك

فاروق جويدة


لماذا لا ندرك قيمة الأشياء إلا بعد رحيلها‏..‏ حينما يحتوينا ظلام الليل نقول لأنفسنا كم كان النهار جميلا وعندما تحملنا رياح الخوف نقول لأنفسنا كم كان الأمان جميلا‏..‏ وعندما تعصف بنا ليال البعد نقول‏..‏ كم كان اللقاء جميلا‏.‏
إننا عادة نكتشف قيمة الأشياء في أعماقنا بعد أن تتسلل من بين أيدينا وتمضي‏..‏ نعرف كم كانت أهميتها في حياتنا‏..‏ ومن أكثر ما يندم عليه الإنسان حب رحل خاصة إذا كان قد وضع نهايته وأسدل الستار عليه‏..‏ ولهذا نبكي كثيرا علي كل ما ضاع منا فهل من الضروري أن تضيع الأشياء حتي نشعر بأهميتها؟ وهل من الضروري أن يبتعد الأحباب حتي يري كل منهم الآخر بصورة أوضح؟ إن الحب كما يقول الناس أعمي‏..‏ ومراية الحب عمياء‏..‏ وليس معني ذلك أننا لا نري من نحب ولكن لأننا نتوحد فيه ونصبح شيئا وكيانا واحدا فلا يري منا الآخر‏..‏ إنك تري الشخص مادام أمامك فإذا توحد معك أصبحت لا تراه بل تري نفسك فيه‏.‏
وفي الحب لا نشعر أننا نعيش وفي داخلنا إنسان آخر‏..‏ إننا نتعارف‏..‏ ثم نقترب‏..‏ ثم نتوحد‏..‏ ثم نذوب‏..‏ ثم نتلاشي‏..‏ وفي هذه المرحلة من الإحساس يصعب أن تري العيون أو تتلامس الأيدي‏..‏ وفي الحب ننتقل من تلامس الأشياء إلي توحدها ثم إلي ذوبانها وتلاشيها في نهاية الأمر‏..‏ والتلاشي أن يتحول الإحساس إلي نقاط من الضوء‏..‏ ونسمات تحلق في الأفق‏..‏ ويصفر الكون داخلنا حتي نحتويه رغم أنه في الحقيقة يحتوينا‏..‏ ويكبر الحب داخلنا حتي نصبح جزءا منه‏..‏ رغم أنه جزء منا‏.‏
وأنا الآن أراك بعد أن فصلت مدارك عني وبدأ بريق عينيك يتسلل خلف السحب الرمادية وكأنني صحوت من حلم طويل واكتشفت أن أقدامي التي كانت تحلق في السماء عادت إلي الأرض مرة أخري‏.‏
كان النجمان قد تعانقا في لحظة شوق وأصبحا نجما واحدا‏..‏ وبعد أن طال بهما السفر انشطرا مرة أخري وعاد كل منهما يحلق وحيدا في مداره‏..‏ ولكن في ساعة انشطارهما تساقطت منهما أجزاء كثيرة أخذت مكانها في مدار الكون لتكون قناديل عشق تهدي الحائرين من البشر وهم يبحثون عن مكان آمن في ساحة العشاق‏.‏
كان من الضروري أن نبتعد حتي يري كل منا الآخر بصورة أوضح‏..‏ كان غبار الأيام قد أخفي الكثير من ملامحنا وكان تلا شينا في بعضنا البعض قد حجب عنا تفاصيل ملامحنا ودقات قلوبنا وصوت مشاعرنا‏,‏ كان من الضروري أن نرحل حتي يشعر كل منا وهو يجمع سنوات عمره ورصيد ذكرياته أن هناك أشياء كثيرة جمعتنا وأن هناك تفاهات صغيرة فرقتنا‏.‏
كان من الضروري أن يعود الحلم إلي الأرض مرة أخري لكي نراه حقيقة‏..‏ وأن تهدأ العواصف قليلا حتي نري ضوء الشمس وأن يتساقط الغبار عن عيوننا حتي أراك جميلة كما كنت‏,‏ شامخة كما كنت‏..‏ كنت أريد أن أري صورتك أنت بلا رتوش تركها الزمن أو تشوهات خلفتها الأيام‏.‏
وابتعد كل منا عن الآخر‏..‏ واكتشفنا حجم خسائرنا بعد أن هدأ الصراخ‏..‏ واختفت الزوابع وجلس كل منا مع نفسه يراجع الأحداث والصور‏..‏ في لحظات الغضب لا نري ولا نسمع‏..‏ وبعد أن يهدأ كل شيء تعود الصور إلي عيوننا ويعود الكلام إلي مسامعنا ونعرف أخطاءنا‏.‏
والآن أنت هناك‏..‏ وأنا هنا لا شيء يجمع بيننا غير أطياف ذكري تزورك أحيانا وتزورني في معظم الأحيان‏..‏ وكم سألت نفسي ما الذي جعل الطيور تهرب والمياه تجف‏..‏ والحديقة الجميلة يحتويها الصمت والسكون‏.‏
من فينا أخطأ‏..‏ ومن منا أساء‏..‏ ومن يتحمل مسئولية الرحيل‏..‏ في بعض الأحيان نفعل الأشياء ونحن ندرك نتائجها بمعني أن الإنسان قد يفعل شيئا وهو يعلم أنه سيصل إلي نتيجة ما قد لا يراها الآخر‏..‏ في الحب توجد جرائم سرية لا يعاقب عليها القانون وإذا قتلت شخصا فإنك تقع تحت طائلة القانون ولكن إذا وصلت به إلي قرار الانتحار فليست عليك مسئولية‏..‏ وهذا يحدث في الحب أيضا أن تجعل من تحب يكون صاحب القرار في الرحيل وتدفعه إلي ذلك بكل الوسائل وما أسهل أن يتحول الحب إلي شيء آخر‏.‏
ما بين الغيرة والشك خيط رفيع اقطع هذا الخيط تصبح الغيرة شكا‏..‏ ويسقط جدار من جدران الإحساس الجميل‏.‏
ما بين الاهتمام واللامبالاة شيء بسيط‏..‏ اترك سحب اللامبالاة تجتاح حصون الاهتمام والرعاية‏.‏ يسقط جدار آخر‏.‏
وما بين الرغبة واللارغبة كلمات قليلة تقال‏..‏ وما بين عناق الأيدي وبرودة المشاعر تفاصيل قليلة‏..‏ وهنا يبدل الإحساس وتغيب اللهفة وترحل عصافير الأشواق‏..‏ وتتقطع خيوط الحرير التي جمعت القلوب ووحدت نبض المشاعر‏.‏
وتسقط التماثيل‏..‏ وتعلو أكوام الغبار‏..‏ وتختفي الصور‏..‏ وتخبو الملامح‏..‏ وتسأل نفسك ماذا حدث‏..‏ لا شيء يبدو أمامك من آثار الجريمة كل ما هناك أن الأصوات ارتفعت‏..‏ والحكايات تناثرت‏..‏ وهناك منها ما أصاب وما جرح ويحمل كل منكما أشياءه ويرحل‏..‏ وعندما يهدأ الكون تراجع نفسك وتكتشف أن هناك من حرك الزوابع وأعمي العيون وجعلك ترتكب حماقة ربما تندم عليها عمرك كله‏..‏ وتحاول أن تعرف حقيقة ما حدث ولكن كل ذلك يأتي بعد فوات الأوان وهنا لا تملك شيئا غير أن تحزن‏.‏
لا أقول وداعا

أسوأ الأشياء في حواء
أن تجعلك تدمن الغضب
فتقول ما لا يقال
وتفعل ما لا تحب
وتجد نفسك قاتلا بلا جريمة