367‏السنة 123-العدد2004ابريل3‏13 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

ميلدردا هوارد تخلص لجذورها الإفريقية

صـعايـدة أمــريكـــــا‏..‏ وصلوا‏!‏

تخليد ذكرى الجنود الإمريكين من السود

‏ محمد بركة


باستثناء اسمها الذي قد يقيم بينك وبينها مسافة ما‏,‏ فإن كل ما في ميلدردا هوارد يشعرك علي الفور بأنها واحدة من أمهاتنا الملتفات بالسواد وهن يخمرن عجين الخبز علي ضوء الشمس في الصعيد أو يقفن علي رؤوس الغيط في ريف الدلتا ليباشرن أمور الحقل بعد رحيل الزوج‏!‏
ميلدردا البدينة مثل جذع شجرة طيبة‏,‏ والحميمة مثل أم اشتقت إلي رؤيتها‏,‏ الأمريكية السوداء ذات الخطوات البطيئة وجدائل الشعر الإفريقية والحس الفكاهي الصاخب ستدوي ضحكتها ونحن نتطلع إلي النيل عبر الزجاج السميك بأحد المقاهي‏,‏ وسيلون الشجن نبرتها حين تتذكر ابنها أمير الذي توفي في حادثة سيارة‏,‏ وستدمع عيناها حين تتذكر ضحايا مظاهرات السود في بيركلي ومصافحتها وهي طفلة لمارتن لوثر كنج‏!‏
في أعمالها يتجلي إخلاصها كفنانة تشكيلية إلي جذورها الإفريقية البعيدة حين كان العبيد السود يشحنون في أقفاص حديدية داخل سفن تعبر الأطلنطي لتقذف بهم إلي مزارع القطن في الجنوب الأمريكي‏!‏ لكنها في عملها البديع علي خط النار تقفز خطوة للأمام تعيد الاعتبار إلي إسهام الجنود الأمريكيين السود في الحرب العالمية الثانية فوجئت ـ وهي في مرحلة الصبا ـ بأن كتب المدرسة تخلو من أي إشارة لإسهام هؤلاء ولا توجد صورة واحدة لجندي أسود‏.‏
كما أن لميلدردا عملا آخر معروضا في متحف الفن بسان فرانسيسكو يصور مأساة عدد من التلاميذ السود الأمريكيين احتجوا عام‏1976‏ علي تعليمهم لغة إفريقية بدلا من الإنجليزية‏,‏ فكان أن حصدهم الرصاص‏!‏ هذا العمل المركب المشوب بمسحة جنائزية والذي يبدو أقرب ما يكون إلي شواهد القبور من الأفضل أن نورد عنوانه بالإنجليزية كما هو كي نلاحظ الإيقاع الشعري الفاتر والحزين في نهاية السطر‏:‏
‏tenlittlechildrenstandinginaline(onegotshotandthentherewerenine)‏
البيض .. رمز للأبدية..
والذي يمكن ترجمته علي هذا النحو‏:‏
عشرة أطفال كانوا يقفون صفا واحدا
سقط أحدهم وبقي التسعة
في إيجاز وأسي تقول ميلدردا تعقيبا علي هذا العمل‏:‏ هؤلاء الأطفال ربما كانوا أطفالي‏.‏ لقد تأثرنا جميعا بالعنصرية‏,‏ وبالنسبة لي أجد أنه من الصعب استيعاب كيف يمكن أن تودي بحياة إنسان فكر أن يحتج من أجل أحد حقوقه الأساسية‏.‏
ولدت الفنانة التشكيلية في بيركلي وتفتح وعيها علي الزخم السياسي لحركة الحقوق المدنية التي قادها الزعيم مارتن لوثر كنج للمطالبة بحقوق السود‏.‏
لم أجد صعوبة في فتح شهيتها للحديث حول ذلك‏,‏ تبتسم ميلدردا وتقول‏:‏ كان كل شيء مطروحا للبحث والتساؤل‏.‏ كانت حقا فترة رائعة قابلت مارتن شخصيا وصافحته كنت طفلة صغيرة لكني لم أنس مشهد المصافحة‏!.‏
سألتها عما تبقي أو ما تحقق من أحلام مارتن حيث أطلق صيحته الشهيرة‏(ghaveadream)‏ أو عندي حلم‏,‏ فقالت‏:‏ لم أكن أفكرفي الأحلام‏,‏ كنت أريد التغيير قدر المتاح‏,‏ لم تكن المسألة مسألة سود ضد بيض بقدر ما كانت أزمة جيل يبحث عن ملامح هوية‏,‏ والآن يعنيني أكثر كفنانة التعبير عن ذاتي‏,‏ كما أنني لا أستطيع نسيان الذكريات البعيدة المؤلمة‏,‏ فهذا العام علي سبيل المثال خصصته اليونسكو للتذكرة بالأشخاص الذين أخذوا عنوة من إفريقيا كعبيد‏,‏ وأشعر بأنني أتمزق من الداخل بمجرد أن أفكر في ذلك‏,‏ ولكن هذا لا يعني أن أتعامل مع فكرة السود بمنطلق الضحية والشفقة علي الذات وإنما أتعامل علي نحو إيجابي وأحاول أن أفهم ماذا حدث وكيف حتي نستفيد من دروس الماضي‏.‏
شحن العبيد من أفريقيا إلى أمريكا
وكما توقعت التزمت ميلدردا التحفظ حين أخذ الحوار بعدا سياسيا‏,‏ وإن كانت لاتزال تلك التشكيلية السمراء أفضل حالا من هؤلاء النقاد التشكيليين الأمريكيين الستة الذين زاروا مصر علي هامش بينالي القاهرة في دورته الماضية ويبدو أنني بالغت في تطلعاتي الوردية فأخذت ونحن مجتمعون علي طاولة كبيرة بالنادي اليوناني أسألهم حول فكرة كراهية أمريكا كيف يرونها‏,‏ فإذا بروح عدوانية حادة تسمم جو السهرة اللطيفة لدرجة أن أحدهم شبه سؤالي بأسلوب الدعاية لدي جهاز الاستخبارات الروسي‏K.G.B‏ قديما‏!‏
في محاولة لتغيير دفة الحديث إذ سألتها حول ابنها أمير وابنتها خديجة هل هناك دلالة معينة لاختيار هذه الأسماء العربية المسلمة؟
إنها إشكالية الهوية التي تحدثنا بشأنها والأمر لا يقتصر علي حالتي‏,‏ فكثير من أسر السود لجأوا إلي إطلاق أسماء عربية مسلمة تعبيرا عن رغبتهم في تأكيد الهوية والاعتراف بالمكونات المختلفة البعيدة لجذورهم الإفريقية‏.‏
وتدمع عين ميلدردا حين تتذكر‏,‏ رحيل ابنها أمير في حادث سيارة وأحاول أن أخفف من وطأة اللحظة فأروي لها كيف كانت أولي زوجات النبي محمد صلي الله عليه وسلم تسمي السيدة خديجة‏,‏ فهل يشفع لي ذلك في أن أتعرف علي ابنتها؟ تبتسم وتهز رأسها بأنها تعرف هذه المعلومة‏,‏ كيف سألتها فأجابتني‏:‏ رغم أنني مسيحية وتلقيت دروسي الأولي في الفن التشكيلي بإحدي الكنائس‏,‏ إلا أن المعلومات العامة في الثقافة الإسلامية ليست غريبة عني‏,‏ فالكنيسة كان يشرف عليها أشخاص من ذوي النزعة التقدمية وتستقبل نشطاء سياسيين وتنفتح علي كل الثقافات كما أنني سافرت إلي تركيا وأنا طفلة صغيرة وهذه هي زيارتي الثالثة لمصر ولن تكون الأخيرة‏.‏
ويبدو أن لميلدردا هوارد اهتماما خاصا بالشعر‏,‏ ففي أحد أعمالها تشتغل علي تيمة الزجاجات المحشوة بأوراق مطوية تحتوي علي قصائد سألتها عن ذلك وهل تربطها علاقة خاصة بالشاعر الأمريكي الأسود‏ImmamuAmiriBaraka‏ أمامو أميري بركة وهذا هوا سمه بعد أن أشهر إسلامه وتخلي عن اسمه القديم‏LeRoiGones‏ لوروا جونز تقول ميلدردا‏:‏ أوه‏!‏ لماذا تسأل عن ذلك‏,‏ يبدو لي أن الفنانين ليسوا وحدهم الفضوليين‏,‏ عموما لم أكن أشتغل علي زجاجات بل إن شئنا الدقة قنوات زجاجية‏,‏ إن شعراء مثل بركة وكوينسي وتروب لديهم قدرة خاصة علي تجسيد الواقع وتجاوزه إلي رؤي أكثر إنسانية ورحابة عبر قصائدهم التي حاولت توظيفها تشكيليا‏.‏
وتبقي في النهاية الإشارة إلي أن معرض ميلدردا الذي استضافه جاليري تاون هاوس بوسط القاهرة لم يكن ـ من وجهة نظري ـ مناسبا كبطاقة تعارف بينها وبين الجمهور العربي‏,‏ ففكرة المئات من البيض الموزعة علي الأرض بطريقة هندسية مع وجود مرآه‏,‏ لم تكن الفكرة الأنسب لإثارة اهتمام جمهور ينتمي إلي ثقافة مختلفة لا سيما أن بقية أعمالها الأخري كان من الممكن أن تكون أكثر فعالية وتأثيرا في هذه النقطة‏,‏ مع احترامي البالغ لدلالة هذا العمل المركب الذي يحمل اسم عبور من وجهة نظر صاحبته حين قالت إنه يرمز إلي السكينة والأبدية‏!*‏