
|
الكاتب الشاب خالد إسماعيل بعد روايته الجديدة العباية السودا:
لسـت رائـدا لأدب الانـتـقام |
 | |
أجري الحديث- سيد محمود حسن تصوير- موسي محمود عرفته قبل عشر سنوات في المقهي الذي كان ملتقي الأدباء والفنانين, وقتها كان يملأ الدنيا بالصخب والحماس الذي يليق بموهبة جاء صاحبها من الصعيد ليعلن عن نفسه. وقتها كان خالد إسماعيل يكتب شعرا بالعامية المصرية ليتواصل مع بسطاء الناس ويتحدث عن أحلامه في دراسة الأدب الشعبي, خارج رؤي المستشرقين وحين جاءتني روايته الجديدة العباية السودا تذكرت السنوات التي مرت بسرعة, ونجح خالد في أن ينجز فيها مجموعتين قصصيتين, هما( درب النصاري97), و(غرب النيل2003), وعقد الحزون, إلي أن جاءت العباية السودا لتضيف إلي عالمه المتخم بالحكايات تفاصيل جديدة عن بشر أسطوريين في قري مشرعة علي القسوة ولا يملك أبطاله إلا الحيلة والمقاومة واحتراف الشكوي. وفي الحوار التالي يبدو خالد إسماعيل أقرب إلي روح أبطاله محترفي الشكوي, لكن نظرة أشمل إلي الحوار تكشف عن روح صاحبه المغتربة الساعية إلي مواجهة الإنكار والإهمال والوصول إلي مرحلة ما بعد الاعتراف. لماذا يشعر البعض بأن كتاباتك الإبداعية محملة بروح انتقامية تستهدف أشخاصا معروفين في الوسط الثقافي؟ يجب التفرقة بداية بين الكتابة عن أشخاص والكتابة التي تنطلق من أشخاص وتري فيهم نماذج درامية مغرية بالكتابة, وللأسف الذين يتهمونني بمثل هذا الاتهام نشأوا وتربوا علي روايات ترصد لهم حيوات أخري, عن أولئك الذين يعيشون في المدينة, هي كتابة معلقة بالخيال, لذلك من الطبيعي أن يصابوا بالرعب والدهشة وهم ينظرون إلي أنفسهم باعتبارهم أبطال روايات. رغم تفهمي لما تقول إلا أن روايتك كحل حجر يسهل فيها الربط بين ملامح أبطالها وأشخاص متعينين في واقع الحياة الأدبية بل في حياتك الشخصية كذلك؟ شخصيات هذه الرواية بالذات ينطبق عليها ما قلته لك, فبطلها جورج إبسخرون, وبطلتها هناء عارف, هما نموذجان روائيان بامتياز, فالنموذج الأول يرصد ظاهرة الشاب المبدع المثقف المسيحي المستفيد من حالة الاحتقان الديني والسياسي التي يعيشها مجتمعنا, ومثل هذا النموذج موجود في الوسط الثقافي, وكوني كتبته فإنه من الطبيعي أن تثور عليه مئات النماذج التي تتشابه مع الشخصية الروائية, ومن سمات جورج إبسخرون أنه أناني النزعة, ساع إلي تحقيق أحلامه الفردية علي رقاب وجثث الأقارب والزملاء, وأنت تعرف أن نجيب محفوظ حين كتب روايته المرايا حاول البعض القيام بعملية إسقاط فاشلة تحدد النماذج الروائية فيها, وتقول إنه كتب هنا عن مصطفي عبدالرازق أو سلامة موسي وسيد قطب, وهذه القراءات كلها تفسد الأدب. وعندما كتبت ملامح هناء عارف كنت أركز علي نموذج شائع في الصحافة, لفتاة تقع ضحية لطموحها غير الواعي, وأستطيع الآن أن أشير إلي مئات الفتيات اللواتي يشبهن هناء عارف ولهن نفس شروط حياتها الواردة في الرواية. ما ينطبق بشأن سيادة روح الانتقام في كتاباتك الإبداعية ينطبق كذلك علي مقالاتك الصحفية المليئة بالنقد الحاد؟ أعتقد أن هذه الحدة هي تركيبة شخصية داخلي, وأنا نفس الشخص الذي يكتب الإبداع ويكتب في الصحافة ومنطلقاتي وانحيازاتي واحدة, لكن تفسير ما أكتب بهذه الطريقة فيه ظلم وتعسف لأن أعمالي الإبداعية تحتاج إلي من يقرأها بعيدا عن مؤلفها. وللأسف البعض يقرأها وكأنها الكتاب الأسود. الذي يسعي للنيل من أسماء معروفة, ويؤسفني أن بعض المثقفين تعامل معها بمنطق اللي علي رأسه بطحة. لكن لماذا نال الكاتب الكبير إدوار الخراط الجانب الأكبر من الهجوم في مقالاتك التي تنشرها في بعض الصحف المعارضة والمستقلة؟ إدوار الخراط بالذات نال مني ما نال, لأنني أعتقد أنه وراء فساد كثير طال الحياة الأدبية, فقد فشل في التحقق ككاتب في حياة الكاتب الكبير يوسف إدريس, لكنه استفاد إعلاميا ووظيفيا من وجوده إلي جوار يوسف السباعي, جنرال الثقافة المصرية, وطوال حياته لم يستطع الخراط أن يكون وحده, لأنه يشعر دائما أنه مستهدف وأحيانا أشعر بأن الخراط هو امتداد لطبقة الموظفين الأقباط الذين التحقوا بالوظائف العليا في بداية الفتح الإسلامي لمصر, وبالتدريج شكلوا طبقة لها امتيازاتها الخاصة, والخراط خلق لنفسه بالمعني نفسه امتيازات طبقية في الأدب, وأعتقد أن ريادته الأدبية الزائفة التي حاول الترويج لها وفريق من تلامذته وأصدقائه هي ذاتها فترة السيولة والميوعة محليا ودوليا, وهي التي شهدت نهاية الحرب الباردة والتحول إلي الخصخصة, وللأسف حاول أن يعطي شرعية لمواهب كانت تناضل فقط من أجل ذكرها في طابور المبدعين, وهناك شاعر متواضع صدق بفضل كتابات الخراط, أنه مبدع لا تقل شاعريته عن المتنبي, وبمثل هذه الطريقة حاول أن ينال الحسنيين, زعامة في الأدب وزعامة في السياسة. لكن ما تقوله هو حكم خارج تقييم قيمته الإبداعية والتي أهلته للفوز بجوائز محترمة في مصر وخارجها؟ كلنا يعرف كيف يحصلون علي الجوائز وأنا إلي الآن كلما قرأت خبرا عن الخراط أتذكر مقالا كتبه الراحل يحيي حقي في كتابه أنشودة للبساطة يصف أوجاعه وهو يقرأ قصة واحدة من قصص الخراط. ولماذا يكون يحيي حقي وحده هو المعيار وتتجاهل مقالات لمبدعين ونقاد كبار مثل بدرالديب وجابر عصفور؟ يحيي حقي هو مجرد دليل علي صحة ما أقول, وهو دليل كاف بالنسبة لي, لأنه قامة إبداعية وإنسانية لا يستهان به, وبالنسبة لي فإدوار الخراط ليس أديبا علي الإطلاق, وحكمي هو نتاج تصوري عن الأدب.
|
 | | أبطال يحترفون الشكوى |
وما هذا التصور الذي يحكم رؤيتك؟ الكتابة ليست مباراة في اللغة ولا ينبغي أن تكون مفارقة للواقع والمفروض أن أحس فيها بصدق التجربة. ووفق هذا التصور من هم أسلافك في الكتابة؟ أنحاز بشدة إلي كتابات يحيي حقي وإبراهيم أصلان ويحيي الطاهر عبدالله. وإلي من تنحاز من أبناء جيلك؟ تعجبني كتابات حمدي أبوجليل وحسن عبدالموجود ومنصورة عزالدين وأحمد أبوخنيجر. وماذا عن كتاب آخرين في الجيل نفسه باتوا معروفين ولا يمكن تجاهلهم علي خريطة الكتابة الجديدة في مصر مثل مصطفي ذكري ومنتصر القفاش؟ أقرأ كتابات ذكري والقفاش من باب الإطلاع والرغبة في التعرف إلي نوع آخر من الكتابة لا يمكن تجاهله أو نفيه وإنكاره, هم كتاب موهوبون لكنهم في مساحة إبداعية لا أقترب منها وأعترف أن تجاهلهم مسألة صعبة رغم ذلك. ولماذا تري أن أمثال هؤلاء الكتاب يكتبون في مساحة مختلفة؟ أرجو إعفائي من ذكر التفاصيل, لكنني أعتقد أنهم وبحكم كونهم أبناء مدن يكتبون عن عالم لا أعرفه, ومن ثم فإن نظرتهم إلي التراث والعالم تخالف نظرتي إلي حد كبير. وهل تعتقد أنهم لهذه الأسباب نالوا قدرا من الشهرة والوجود لم يتوافر لأمثالك من الكتاب الذين ينظرون لأنفسهم نظرة المستبعدين من علي الخريطة الرسمية علي الأقل؟ مسألة الاستبعاد من حسابات المؤسسة مسألة لا علاقة لها بهؤلاء الكتاب, وإنما ترتبط بخيارات المؤسسة ذاتها, ورأيي أن الزملاء الذين ذكرتهم كانوا هم الأقرب للتصور الذي ساد عن الكتاب في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات بفضل اعتماد إدوار الخراط عليهم, وأنا بطبيعة الحال لا أحملهم مسئولية ذلك إلا فيما يتعلق بـ التواطؤ لأنهم وافقوا علي اختصار الكتابة الجديدة في أسماء معينة وحدها التي تدعي إلي المؤتمرات والمحافل الأدبية في مصر وخارجها. في روايتك الجديدة العباية السودا هناك استمرار للكتابة عن الصعيد كمكان, لكنه اتسع قليلا وشمل أماكن أخري مثل المقطم والإسكندرية, ورغم اتساع المكان إلا أن عالم البطل لايزال كما هو محددا بأزماته التي حكمت أزمات أبطالك السابقين؟ لا أوافقك علي هذا الرأي إلا في الشق الأول. ومع ذلك في الرواية الجديدة يتأكد لدي القارئ إحساسه بأن الكتابة لديك ليست إلا جدرانا للحماية من صور الاغتراب. دعنا أولا نتحدث عن الاغتراب وهو عندي الشعور بالاختلاف بأن ما تملكه أو ما تعلمته أفضل وأثمن مما لدي المحيطين أو العكس, وهذا الأمر له أسبابه فيما يخص العالم الذي أكتب عنه, فأنا أكتب شيئا من تاريخي المسكون بهاجس الترحال وبفكرة التنقل, فعائلتي عاشت انتقالات كثيرة معظمها كان بسبب لقمة العيش وربما بحثا عن الأمان. ولذلك سعيت إلي كتابة شئ من تاريخها في كتاباتي خوفا من أن تفقد بقية مصادرها الشفاهية. وهل الكتابة عندك نوع من التمسك بالهوية؟ جزء منها كذلك, ربما لأنني ابن ثقافة شفاهية اتجهت إلي تذويب العالم الذي أعرفه والناقد الكبير فاروق عبدالقادر في المقالة التي كتبها عن روايات الجيل الجديد أشار إلي هذا المعني, وقال إنني ابن العالمين, الأول هو حكايات الكبار والثاني الذي عاشها, وأنا نشأت في ظل مصدرين من مصادر التعرف علي العالم وتأريخه, الأول جدي الذي توفي عن84 عاما, وهو يحمل حكايات عن شخص أسطوري اسمه عطية شنودة, وله حكايات تشبه ما قرأته في كليلة ودمنة, وألف ليلة وليلة, وهذا الجد والأب من بعده كانا موهوبين في الحكي, وأعتقد أن مسألة الموقع الاجتماعي مهمة جدا لأن بيتنا كان هو دوار العمدة لا بالمعني الإقطاعي, وإنما بالصورة التي تجعله ساحة للأفكار وللعلاقات والخبرات الاجتماعية التي انعكست في رواياتي بعد ذلك وشكلت الخميرة الأساسية لها. يلاحظ كذلك أن روايتك العباية السودا فيها ظلال لبطل يساري مثقف بدأ واعيا بالتناقضات الاجتماعية ثم تفتت هذا الوعي في ثنايا الحكايات ولم يعد هناك أي أثر له.. هل هي مرثية ذاتية؟ أتصور أنه بطل أراد تأمل لحظة الانهيار الكبري, وهو يتابع محاولاته الذاتية لتحقيق أفكاره عن العدالة والتحرر, لكن عليك أن تدرك أن شخصية هذا البطل عباس كيلاني فيها مبررات هذا الانهيار, فهو تلخيص لمثقف الطبقة الوسطي الذي يعيش الآن محنة جديرة بالتوقف والتأمل الروائي. القارئ لروايتك ربما يلاحظ أن المرأة دائما في موقع متقدم في الحكاية ومتخلف اجتماعيا؟ هذا صحيح, فنحن في بنية اجتماعية صعيدية بطلها هو الذكر واهب الخصوبة, والمرأة لا تملك إلا الحكاية كوسيلة للتعبير عن الشكوي والتوازن مع قهرها باحتراف الحكاية. أعرف أن الصعيد الذي تكتب عنه ليس هذا الصعيد الأسطوري الكامن في كتابات يحيي الطاهر عبدالله, ورغم ذلك أشعر بأنك تكتب لتتشبث بعالم علي وشك الاندثار؟ أكتب عن لحظة ذهبية مفقودة وأحاول استعادتها لكي أتوازن في مواجهة المدينة, ولحظات الانسحاق الاجتماعي, ففي القرية عشت تحققي الكامل* |
|
|
 |
|
|
 |
|
|