قديما قال الشاعر حافظ إبراهيم: أنا البحر في أحشائه الدر كامن.. فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي. أما الآن فلم يعد الحديث عن البحر وجماله وقفا علي مخيلة الأدباء والشعراء والعشاق وهواة الغطس!! ولا تتوقف جهود وبحوث العلماء عن الكشف عن تلك الصدفات والدرر والكائنات البحرية والمشاهد الجميلة للحياة الأخري في أحشاء البحر. ولأن يد الإنسان لم تترك طبيعة إلا وعبثت بها, ونالت من جمالها فإن التلوث البيئي واستخدام الوسائل المحرمة في الصيد قد نال من جمال تلك المخلوقات والكائنات الدقيقة التي أثرت بدورها علي حياة الإنسان وسببت له قائمة طويلة من الأمراض منها الخلل الهرموني وأمراض المناعة ومتاعب الجهاز الهضمي والكبد بسبب تلوث الأسماك. وإذا كانت البحوث العملية قد أكدت أن البحر الأبيض المتوسط هو أكبر تجمع مائي للكائنات البحرية النادرة والدقيقة فإن ذلك قد دفع برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتنظيم ندوة دولية لإنقاذ الجمال القابع في قاع البحر الأبيض المتوسط. ويقطن تلك المنطقة424 مليون نسمة منهم150 مليون نسمة علي الخط الساحلي, ويبلغ النمو السكاني%1.3 سنويا. كما تعتبر من أشهر المناطق السياحية في العالم وبها40 مليون سرير في الفنادق المنتشرة بها, ومن ناحية أخري نجد أن%30 من حجم التجارة العالمية يتم عبر موانيء البحر المتوسط كما أن%28 من حاملات البترول في العالم تمر من خلاله. وتتجدد مياه البحر المتوسط ما بين150-80 عاما من جبل طارق والدردنيل. ويبلغ حجم صيد السمك فيه سنويا حوالي مليون و500 ألف طن.
ويفسر باهر كمال ـ المدير الإعلامي لخطة عمل المتوسط أن الخطة عبارة عن مجهود تعاوني موجه يضم21 دولة تطل علي البحر الأبيض المتوسط. وهي تهدف إلي توفير بيئة أفضل صحيا في المنطقة منذ عام.1975 وتعتبر ورشة عمل التنوع الحيوي التي تم تنظيمها أخيرا بقبرص جزءا من سلسلة من الندوات التي تعمل الخطة علي تنظيمها والتي تخصص لوسائل الإعلام في المنطقة. وهي تركز الآن علي ناحية جديدة من الأنشطة ذات3 مكونات وهي الإعلام وذلك بتزويد أكبر عدد ممكن من المهتمين بالمعلومات الخاصة عن مشاكل البيئة في البحر الأبيض المتوسط و الحلول. والتوعية من خلال تلك الوسائل الإعلامية ويشارك فيها بصورة خاصة المنظمات الأهلية. وهناك حوالي90 شريكاPARTNER في خطة عمل المتوسط. أما المكون الثالث فهو المشاركة وهي مادة صريحة في اتفاقية برشلونة والتي تنص علي أن جميع الدول المتعاقدة تضمن إتاحة المعلومات والترويج أو الدعوة إلي مشاركة الأطراف المعنية في إعداد الخطط واتخاذ القرار. ويذكر باهر كمال أن فكرة خطة عمل المتوسط بدأت منذ عام1972 حيث تم عقد مؤتمر قمة وزاري في استكهولم بالسويد وقرروا إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئةUNEP باعتباره منظمة متخصصة في البيئة. وبعد3 سنوات أي في عام1975 قررت16 دولة في البحر المتوسط بالإضافة إلي الاتحاد الأوروبي إنشاء منظمة لتناول مشاكل البيئة البحرية وتلوث المياه في البحر المتوسط بعد أن تفاقمت المشكلة وتزايدت مع مرور الوقت, وبموجب ذلك نشأت الخطة التي ظلت علي مدي20 عاما تركز علي التلوث البحري.
ومع تزايد الوعي والمعلومات أصبح هناك اهتمام بمشاكل أخري من بينها التنوع الحيوي والذي يعد الموضوعات الجديدة في مجال البيئة لذلك اهتمت الخطة بإقامة ورشة عمل ودعوة حوالي20 صحفيا من دول البحر المتوسط من بينها مصر وسوريا ولبنان والمغرب وتونس وتركيا وإيطاليا واليونان ومالطا وكرواتيا وصربيا وسلوفينيا. ويفسر شاذلي الريس وهو خبير في التنوع الحيوي البحري أن من بين تعريفات التنوع الحيوي أنه التغير ما بين الكائنات الحية من كل المصادر التي تتضمن الأرضية والبحرية والأنظمة البيئية المائية الأخري والتركيبات البيئية التي تعتبر جزءا منها ويتضمن ذلك التنوع فيما بين الكائنات الحية والنظم البيئية. ويري الريس أنه مقارنة بالمحيط الأطلنطي تتفرد المجتمعات البحرية في البحر المتوسط بالكائنات الحية التي من بينها كائنات أصغر تكون دورة حياتها قصيرة. كما أن توزيع الكائنات الحية علي امتداد البحر المتوسط غير متجانس. فهو أكبر في المنطقة الغربية عما في المنطقة الشرقية. ويلفت الانتباه إلي حقيقة مهمة وهي وجود تنوع في الكائنات الحية وفقا لعمق المنطقة. فعلي عمق50 مترا يوجد%63 من الكائنات الحية في البحر المتوسط في حين علي عمق500 متر يوجد%18 فقط أي أنه كلما زاد العمق قلت نسبة الكائنات الحية وعلي بعد2000 متر لا يوجد سوي%3 فقط من الكائنات الحية, كما يشتهر البحر المتوسط بكائناته المستوطنة التي لا توجد في أية منطقة أخري في العالم. فعلي سبيل المثال يحتوي علي638 نوعا من الأسماك من بينها117 نوعا مستوطن. كما تتمتع الدول التي تطل علي البحر المتوسط بنظم بيئية رئيسية مثل الغابات والسهول والصحاري والواحات, وأشار الريس إلي أن مروج البوسيد ديناPOSIDONIA تشكل أهم نظام بيئي بحري في البحر الأبيض المتوسط. وهي خزان للتنوع الحيوي. يعتبر موطنا للعديد من الكائنات الحية. ويتم استخدام الأوراق الميتة للبوسيدونيا في الزراعة وفي بناء أسطح المنازل كما أنها تلعب دورا مهما ضد تآكل السواحل. وحول المخاطر التي تهدد التنوع الحيوي من البحري في البحر المتوسط وتعرضه للخطر يقول الريس: نقص الأكسجين في الماء والترسيبات وانتشار الطحالب والمد الأحمر. واستخدام الصيادين المواد الكيماوية لتسهيل عملية صيد الأسماك والتي تعتبر من الملوثات الخطيرة التي قد تؤدي إلي تغييرات وراثية في الأسماك. فعلي سبيل المثال حدث تغير هورموني في سمكة أبو سيف أو سياف البحر الذكر إذ تعاني من تحول في الجنس بنسبة%14 هذا بالإضافة إلي تعرض الأطفال والبالغين إلي ضعف الجهاز المناعي ومجموعة كبيرة من الأمراض في الجهاز التناسلي والكبد والمعدة والإصابات في الغدة الدرقية وبعض الأمراض الجلدية مثل الطفح الجلدي وحب الشباب. والمخاطر البيئية البحرية ليست وقفا علي ذلك فأنصار البيئة يحذرون من تعرض كائنات بحرية أخري للانقراض منها كما يقول أندرياس ديمتربولوس تعرض حيوان الفقمة و السلحفاة الخضراء وكبيرة الرأس إلي الأنقراض بسبب الطلب المتزايد في أوروبا علي حساء السلاحف والاستخدام المكثف للشواطيء للأغراض السياحية والترفيهية وتعرضها للغرق أو القتل عند تعلقها بشباك الصيادين. ولذلك تم اعتبار منطقة لارا في شبه جزيرة أكاماس بقبرص محمية طبيعية. بالإضافة إلي أول مشروع في البحر الأبيض المتوسط لحماية السلاحف أطلقته وزارة المصايد والثروة السمكية عام1978, ومنذ عام1989 تقوم الوزارة ومؤسسة الحياة البرية في قبرص التي تساعد في إدارة المشروع بإعداد دورات تدريبية فيما يتعلق بالنواحي الفنية للحفاظ علي السلاحف وإدارة الشواطيء للعلماء في البحر المتوسط في منطقة لارا. كما أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة يقوم برعاية المتدربين في هذه الدورات, كما أشار ديمتربولوس إلي قصة الأنواع الدخيلة الغازية التي تشكل خطرا يهدد التنوع الحيوي في البحر المتوسط الذي دخلته عن قصد أو غير قصد. وهي تمتلك القدرة علي أن ترسي أنفسها وتغزو وتتفوق علي الأنواع الأصلية وتسيطر علي البيئات الجديدة. وتصل الأنواع الدخيلة إلي المتوسط عبر سبل مختلفة, فقد وردت العديد من الأنواع في إطار أنشطة تربية الأحياء البحرية وعلي رأسها المحاريات مثل محار المحيط الهادي. علي أن الطريق الأكبر الذي تعبر منه الأنواع الدخيلة إلي المتوسط هو قناة السويس فيما يعرف الآن باسم الهجرة الديلسبسية. ويسجل دخول من5 إلي10 أنواع مهاجرة جديدة كل سنة. كما تشكل الآن الأنواع القادمة من المحيط الهندي أكثر من%12 من الحيوانات البحرية في شرق المتوسط و5 من هذه الحيوانات في حوض المتوسط بأكمله. وتقول د. زينب بلجيز مديرة المركز إن الهدف من المناطق المتمتعة بحماية خاصة هو توفير الوقاية والحماية للأنواع الممثلة للنظم البيئية الساحلية والبحرية وحماية المواطن والمناطق المعرضة لخطر الاختفاء أو خطر البقاء علي قيد الحياة والتوالد وتحسن الكائنات الحية المعرضة للخطر وكذلك حماية المواقع ذات الأهمية الخاصة من الناحية العلمية والجمالية والثقافية والتعليمية. وقد وضع المركز العديد من خطط العمل لحماية العديد من الكائنات الحية في البحر المتوسط مثل الفقمة والسلاحف والحيتان وبعض أنواع الأسماك والحياة النباتية والطيور وذلك بتقديم المساعدة المباشرة لدول البحر المتوسط في تنفيذ المناطق المحمية وصياغة التوصيات وتوضيح الخطوط العريضة وإقامة وتحديث قواعد البيانات المتعلقة بالبروتوكول وإعداد التقارير والدراسات التقنية الضرورية لتنفيذ بروتوكول المناطق المحمية وإقامة الورش التدريبية وزيادة الوعي العام والمعلومات والتعاون مع المنظمات الحكومية الأهلية والدولية ومساعدة7 دول في البحر المتوسط لتطوير المناطق المحمية البحرية والساحلية وخطط الإدارة المتكاملة بالإضافة إلي مشروع المناطق المحمية الخاصة الحيوي الذي يهدف إلي حماية التنوع الحيوي البحري والساحلي في البحر المتوسط*