367‏السنة 123-العدد2004ابريل3‏13 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

في مديح البلاغة الحوارية‏!‏

نبيل عبد الفتاح


ازدادت أهمية الحوار بين أطراف مختلفة خلال العقود الأخيرة‏,‏ وذلك بعيدا عن تحولات عديدة في البيئة الدولية‏,‏ وفي مواقف بعض المؤسسات الدينية والمذهبية الكبري‏,‏ وذلك كتعبير عن حاجة موضوعية للفهم المشترك‏,‏ وإدارة التناقضات والمنافسات من خلال المعرفة بالآخر‏,‏ وبالأحري الآخرين‏,‏ والمغايرين سياسيا وفلسفيا وثقافيا ودينيا ومذهبيا‏,‏ وقوميا وعرقيا ولغويا‏.‏ إن الحوار كالسجال والجدل والمناظرة ليست ظواهر حديثة أو معاصرة‏,‏ وإنما لها تاريخها في بنية الثقافات المختلفة تاريخيا‏.‏ بيد أن الظواهر الحوارية المعاصرة والآنية‏,‏ هي انعكاس لبروز تناقضات مستجدة علي مستوي النظام العولمي‏,‏ وعلي العلاقات بين الثقافات وأنساق القيم‏,‏ والمتغيرات العديدة التي طرأت علي ساحاتها المتعددة حتي في ظل التحول العولمي وتشكيلاته وصيروراته‏.‏
إن الحوار كقيم وشروط وآليات‏,‏ بات أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية من تطور عصرنا‏,‏ ويرجع ذلك إلي اعتبارات عديدة منها‏:‏
‏1‏ـ انهيار الأنساق الفلسفية والفكرية الكبري والشمولية وهو ما يطلق عليه ليوتار نهاية عصر الحكايات الكبري‏,‏ أو بالأحري السرديات الكبري في مجال الإنتاج المعرفي والأيديولوجي في العالم ما بعد الحديث والمعولم‏.‏ تعزز هذا الانتقال بعد انهيار الأيديولوجية الماركسية‏,‏ وتجسيداتها الدولية‏,‏ بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية منذ نهاية الثمانينيات وأوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي‏.‏
‏2‏ـ صعود سلطة النسبيات ـ إذا جاز التعبير ـ في العالم‏,‏ والإنسان‏,‏ والقيم والثقافة‏,‏ وبدء التغير في نظرة الإنسان علي الأيكولوجيا فلسفيا واجتماعيا‏.‏
‏3‏ـ إدارة عمليات الانتقال من الأنظمة الشمولية إلي الأنظمة الديمقراطية‏,‏ والليبرالية‏,‏ والمذاهب الفردية في ظل مجتمعات عاشت في ظل أنظمة شمولية وتسلطية في أوروبا الشرقية‏,‏ وبعض دول جنوب العالم‏,‏ وهو ما فرض أنماطا من الحوارات الداخلية السياسية والفلسفية والاقتصادية والاجتماعية‏,‏ بين قوي ومؤسسات جديدة نشأت مع عمليات التحول‏,‏ وبعضها قديم‏..‏ إلخ ولا شك أن الحوارات داخلتها سجالات‏,‏ فضلا علي المناظرات‏.‏
‏4‏ـ المناظرات الكبري في نهاية القرن الماضي‏,‏ وبداية القرن الحالي حول العولمة‏,‏ ومستقبل العالم والإنسان عند الألفية الجديدة‏,‏ فضلا علي بروز قضايا حوار الثقافات والحوارات الذي تبنته بعض الدول وقادتها من قبيل محمد خاتمي ـ رئيس إيران ـ ومبادرة الحوار الأوروبي مع العالم الإسلامي التي طرحها فيشر أحد رؤساء ألمانيا السابقين‏,‏ أيا كانت نتائج هذه المبادرات‏,‏ لكنها تعبير عن احتياج موضوعي‏,‏ ظهر من بين ثنايا عمليات التحول العولمي‏.‏
‏5‏ـ بروز التشظي‏,‏ والتجاور‏,‏ والمحاكاة الساخرة كأحد سمات الشرط ما بعد الحديث ـ بالإصطلاح الليوتاري الذائع ـ الأمر يدعم الحاجة الموضوعية للحوار لإدارة التناقضات‏,‏ والتغايرات والمنافسات والتجاوزات الثقافية والقيمية اليومية داخل المجتمعات والعالم المعولم‏,‏ وفي الواقع التصوري‏.‏
‏6‏ـ الدو المتعاظم والمتجدد للدين في العلاقات والمنازعات الدولية‏,‏ والعولمية ـ الآن ـ والتوظيفات السياسية في الحروب الساخنة والباردة‏,‏ أو بتعبير آخر الحروب الرمزية والمذهبية واللاهوتية والفقهية‏,‏ وحروب الفتاوي الفضائية في المنطقة العربية علي نحو يتسم بالحدة وأحيانا القسوة واللدد في الخصومات‏.‏
‏7‏ـ انهيار الكتلة السوفيتية‏,‏ وحروب البلقان‏,‏ والنزاعات العرقية والقومية فيها‏,‏ فضلا علي بوروندي في إفريقيا أدت إلي بروز حروب ونزاعات الهويات المتصادمة والمتقاتلة ماديا ورمزيا علي نحو جماعي‏,‏ أو فردي‏.‏
‏8‏ـ تشكل عالم ما بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏2003‏ التي كانت ذروة تحول العنف والإرهاب ذي الأقنعة الدينية‏,‏ إلي المرحلة العولمية من حيث جغرافيا العنف الديني‏,‏ وأهدافه‏,‏ وأدواته علي نحو ما قامت به شبكة القاعدة الإرهابية‏,‏ إن السياسة الأمريكية الوقائية في المجال العسكري ـ وبروز اليمين الجمهوري المحافظ ونزعته الإمبراطورية‏,‏ وأيديولوجية المسيحية الصهيونية ـ أدت إلي إنتاج تناقضات جديدة بين الأديان والمذاهب‏,‏ ومن هنا برزت أهمية الحوار نتاجا لانهيار تاريخ من المقولات عن الحركات الإسلامية السياسية‏.‏
‏9‏ـ دفعت حربا أفغانستان‏,‏ والعراق‏,‏ إلي بروز الحاجة إلي الحوار المتبادل بين الإسلام والغرب التي لاتزال تسيطر عليها السجالات العنيفة وإعادة إنتاج الصور النمطية‏,‏ وتاريخ المواجهات منذ المراحل الكولونيالية وإلي ما بعدها‏.‏
إن الحاجة الموضوعية للحوار ليست قاصرة فقط علي الجوانب الخاصة بالعلاقات العولمية بين الثقافات والأديان علي اختلافها‏,‏ ولا فقط علي المستوي الإقليمي من حيث العلاقة بين الأكثريات‏,‏ والأقليات ـ علي أسس دينية ومذهبية التي برزت مخاوفها وتوتراتها العديدة منذ عقود ـ وإنما علي الصعيد القومي‏,‏ حيث الحاجة إلي الحوار تبدو ملحة وضرورية‏,‏ ولا سيما في ظل ميراث ثقافي يؤكد علي الإجماع القومي‏,‏ أو الإجماع علي أسس قبائلية‏,‏ وعشائرية وعرقية‏..‏ إلخ‏,‏ أكثر من الحوار‏,‏ والمشاركة السياسية علي أسس مواطنية متكافئة بين مواطنين أحرار‏.‏
الإرث الثقافي الطغياني والتسلطي السياسي‏,‏ هو الذي أدي إلي إضعاف الحوار لصالح السجال والهجاء في القضايا العامة السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية القومية والمناطقية‏,‏ الأمر الذي يبرز دوما أن ثمة حاجة للحوار وآلياته لتنظيم قائمة الأعمال القومية‏(‏ الأجندة القومية والبحث عن المشتركات والتوافقات بين المدارس الفكرية والحزبية المختلفة‏.‏
أدت الحركة الإسلامية السياسية الراديكالية‏,‏ والعنف الذي مارسته طيلة ثلاثة عقود ويزيد إلي إضافة شروخ جديدة في الموحدات القومية التكاملية بين المصريين علي اختلافهم في الانتماءات الدينية والمذهبية والفكرية‏..‏
لا شك أن مشكلات النظامين السياسي والاجتماعي في مصر‏,‏ اسهمت في إنتاج الفجوات والتوترات في ظل دعاوي بعض الجماعات لإقامة دولة دينية‏,‏ مما أدي إلي نشوء حساسيات وتشرنقات‏,‏ وبناء حدود نفسية وفكرية في ضوء تغيرات البيئة السياسية والدينية طيلة أكثر من خمسة عقود سلفت‏,‏ وتفاقمت منذ عقد السبعينيات حتي نهايات القرن الماضي‏.‏
من هنا برزت الحاجة إلي الحوار سواء علي المستويات السياسية أم الدينية أم المذهبية‏,‏ لتنظيم الخلافات والتناقضات والمنافسات علي المستوي الشعبي والقومي من ناحية‏,‏ ثم السعي إلي إعادة فهم المصريين وصفوتهم السياسية الحاكمة والمعارضة والجماعة الثقافية لبعضهم‏.‏ إن التوترات الدينية والطائفية كشفت وبوضوح عن معرفة مشوشة ومبتسرة وغامضة بين المصريين بعضهم وعن أديانهم ومذاهبهم‏,‏ تكرست الفجوات من خلال الخوف المتبادل من أشباح التبشير الديني‏,‏ أو الدعوة الدينية ومخاطرها‏,‏ من هنا شكلت الحواجز النفسية والخوف المتبادل من التعرف إلي بعض الأمور البسيطة عن ديانة الطرف الآخر في أخوة الوطن والأمة‏,‏ والأمة‏,‏ أو المواطنين يقولها تجاوزا وفي حدود المعني الشائع ـ المصريون لبعضهم البعض‏.‏ إن الحوار الديني أيا كانت مبادراته وبعض جمعياته وأشخاصه في الإطار المصري‏,‏ كانت سابقة علي موجات العنف ذي الوجوه الدينية والطائفية والمناطقية في مصر‏,‏ إلا أنه لم يسهم بفعالية في تفعيل الحوار‏,‏ وتجديد القواسم القومية المصرية المشتركة‏,‏ وإزالة الالتباسات‏,‏ وتخفيض الشكوك المتبادلة‏,‏ وبناء الثقة‏,‏ والتحرر من الخوف‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا