
|
في مديح البلاغة الحوارية! |
 | |
نبيل عبد الفتاح ازدادت أهمية الحوار بين أطراف مختلفة خلال العقود الأخيرة, وذلك بعيدا عن تحولات عديدة في البيئة الدولية, وفي مواقف بعض المؤسسات الدينية والمذهبية الكبري, وذلك كتعبير عن حاجة موضوعية للفهم المشترك, وإدارة التناقضات والمنافسات من خلال المعرفة بالآخر, وبالأحري الآخرين, والمغايرين سياسيا وفلسفيا وثقافيا ودينيا ومذهبيا, وقوميا وعرقيا ولغويا. إن الحوار كالسجال والجدل والمناظرة ليست ظواهر حديثة أو معاصرة, وإنما لها تاريخها في بنية الثقافات المختلفة تاريخيا. بيد أن الظواهر الحوارية المعاصرة والآنية, هي انعكاس لبروز تناقضات مستجدة علي مستوي النظام العولمي, وعلي العلاقات بين الثقافات وأنساق القيم, والمتغيرات العديدة التي طرأت علي ساحاتها المتعددة حتي في ظل التحول العولمي وتشكيلاته وصيروراته. إن الحوار كقيم وشروط وآليات, بات أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية من تطور عصرنا, ويرجع ذلك إلي اعتبارات عديدة منها: 1ـ انهيار الأنساق الفلسفية والفكرية الكبري والشمولية وهو ما يطلق عليه ليوتار نهاية عصر الحكايات الكبري, أو بالأحري السرديات الكبري في مجال الإنتاج المعرفي والأيديولوجي في العالم ما بعد الحديث والمعولم. تعزز هذا الانتقال بعد انهيار الأيديولوجية الماركسية, وتجسيداتها الدولية, بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية منذ نهاية الثمانينيات وأوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي. 2ـ صعود سلطة النسبيات ـ إذا جاز التعبير ـ في العالم, والإنسان, والقيم والثقافة, وبدء التغير في نظرة الإنسان علي الأيكولوجيا فلسفيا واجتماعيا. 3ـ إدارة عمليات الانتقال من الأنظمة الشمولية إلي الأنظمة الديمقراطية, والليبرالية, والمذاهب الفردية في ظل مجتمعات عاشت في ظل أنظمة شمولية وتسلطية في أوروبا الشرقية, وبعض دول جنوب العالم, وهو ما فرض أنماطا من الحوارات الداخلية السياسية والفلسفية والاقتصادية والاجتماعية, بين قوي ومؤسسات جديدة نشأت مع عمليات التحول, وبعضها قديم.. إلخ ولا شك أن الحوارات داخلتها سجالات, فضلا علي المناظرات. 4ـ المناظرات الكبري في نهاية القرن الماضي, وبداية القرن الحالي حول العولمة, ومستقبل العالم والإنسان عند الألفية الجديدة, فضلا علي بروز قضايا حوار الثقافات والحوارات الذي تبنته بعض الدول وقادتها من قبيل محمد خاتمي ـ رئيس إيران ـ ومبادرة الحوار الأوروبي مع العالم الإسلامي التي طرحها فيشر أحد رؤساء ألمانيا السابقين, أيا كانت نتائج هذه المبادرات, لكنها تعبير عن احتياج موضوعي, ظهر من بين ثنايا عمليات التحول العولمي. 5ـ بروز التشظي, والتجاور, والمحاكاة الساخرة كأحد سمات الشرط ما بعد الحديث ـ بالإصطلاح الليوتاري الذائع ـ الأمر يدعم الحاجة الموضوعية للحوار لإدارة التناقضات, والتغايرات والمنافسات والتجاوزات الثقافية والقيمية اليومية داخل المجتمعات والعالم المعولم, وفي الواقع التصوري. 6ـ الدو المتعاظم والمتجدد للدين في العلاقات والمنازعات الدولية, والعولمية ـ الآن ـ والتوظيفات السياسية في الحروب الساخنة والباردة, أو بتعبير آخر الحروب الرمزية والمذهبية واللاهوتية والفقهية, وحروب الفتاوي الفضائية في المنطقة العربية علي نحو يتسم بالحدة وأحيانا القسوة واللدد في الخصومات. 7ـ انهيار الكتلة السوفيتية, وحروب البلقان, والنزاعات العرقية والقومية فيها, فضلا علي بوروندي في إفريقيا أدت إلي بروز حروب ونزاعات الهويات المتصادمة والمتقاتلة ماديا ورمزيا علي نحو جماعي, أو فردي. 8ـ تشكل عالم ما بعد أحداث11 سبتمبر2003 التي كانت ذروة تحول العنف والإرهاب ذي الأقنعة الدينية, إلي المرحلة العولمية من حيث جغرافيا العنف الديني, وأهدافه, وأدواته علي نحو ما قامت به شبكة القاعدة الإرهابية, إن السياسة الأمريكية الوقائية في المجال العسكري ـ وبروز اليمين الجمهوري المحافظ ونزعته الإمبراطورية, وأيديولوجية المسيحية الصهيونية ـ أدت إلي إنتاج تناقضات جديدة بين الأديان والمذاهب, ومن هنا برزت أهمية الحوار نتاجا لانهيار تاريخ من المقولات عن الحركات الإسلامية السياسية. 9ـ دفعت حربا أفغانستان, والعراق, إلي بروز الحاجة إلي الحوار المتبادل بين الإسلام والغرب التي لاتزال تسيطر عليها السجالات العنيفة وإعادة إنتاج الصور النمطية, وتاريخ المواجهات منذ المراحل الكولونيالية وإلي ما بعدها. إن الحاجة الموضوعية للحوار ليست قاصرة فقط علي الجوانب الخاصة بالعلاقات العولمية بين الثقافات والأديان علي اختلافها, ولا فقط علي المستوي الإقليمي من حيث العلاقة بين الأكثريات, والأقليات ـ علي أسس دينية ومذهبية التي برزت مخاوفها وتوتراتها العديدة منذ عقود ـ وإنما علي الصعيد القومي, حيث الحاجة إلي الحوار تبدو ملحة وضرورية, ولا سيما في ظل ميراث ثقافي يؤكد علي الإجماع القومي, أو الإجماع علي أسس قبائلية, وعشائرية وعرقية.. إلخ, أكثر من الحوار, والمشاركة السياسية علي أسس مواطنية متكافئة بين مواطنين أحرار. الإرث الثقافي الطغياني والتسلطي السياسي, هو الذي أدي إلي إضعاف الحوار لصالح السجال والهجاء في القضايا العامة السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية القومية والمناطقية, الأمر الذي يبرز دوما أن ثمة حاجة للحوار وآلياته لتنظيم قائمة الأعمال القومية( الأجندة القومية والبحث عن المشتركات والتوافقات بين المدارس الفكرية والحزبية المختلفة. أدت الحركة الإسلامية السياسية الراديكالية, والعنف الذي مارسته طيلة ثلاثة عقود ويزيد إلي إضافة شروخ جديدة في الموحدات القومية التكاملية بين المصريين علي اختلافهم في الانتماءات الدينية والمذهبية والفكرية.. لا شك أن مشكلات النظامين السياسي والاجتماعي في مصر, اسهمت في إنتاج الفجوات والتوترات في ظل دعاوي بعض الجماعات لإقامة دولة دينية, مما أدي إلي نشوء حساسيات وتشرنقات, وبناء حدود نفسية وفكرية في ضوء تغيرات البيئة السياسية والدينية طيلة أكثر من خمسة عقود سلفت, وتفاقمت منذ عقد السبعينيات حتي نهايات القرن الماضي. من هنا برزت الحاجة إلي الحوار سواء علي المستويات السياسية أم الدينية أم المذهبية, لتنظيم الخلافات والتناقضات والمنافسات علي المستوي الشعبي والقومي من ناحية, ثم السعي إلي إعادة فهم المصريين وصفوتهم السياسية الحاكمة والمعارضة والجماعة الثقافية لبعضهم. إن التوترات الدينية والطائفية كشفت وبوضوح عن معرفة مشوشة ومبتسرة وغامضة بين المصريين بعضهم وعن أديانهم ومذاهبهم, تكرست الفجوات من خلال الخوف المتبادل من أشباح التبشير الديني, أو الدعوة الدينية ومخاطرها, من هنا شكلت الحواجز النفسية والخوف المتبادل من التعرف إلي بعض الأمور البسيطة عن ديانة الطرف الآخر في أخوة الوطن والأمة, والأمة, أو المواطنين يقولها تجاوزا وفي حدود المعني الشائع ـ المصريون لبعضهم البعض. إن الحوار الديني أيا كانت مبادراته وبعض جمعياته وأشخاصه في الإطار المصري, كانت سابقة علي موجات العنف ذي الوجوه الدينية والطائفية والمناطقية في مصر, إلا أنه لم يسهم بفعالية في تفعيل الحوار, وتجديد القواسم القومية المصرية المشتركة, وإزالة الالتباسات, وتخفيض الشكوك المتبادلة, وبناء الثقة, والتحرر من الخوف.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|