
|
المساعي مستمرة لانقاذ الجسد المريض
وقائع الدراما العربية في تونس |
 | | الحبيب بن يحيى وزير خارجة تونس فجر مفاجأة فى الوقت الضائع |
تونس ــ أشرف العشري لن أنسي ما حييت وجه عمرو موسي, الأمين العام للجامعة العربية, في ردهة فندق أبونواس في تونس, والذي كان مقررا لإقامة القادة والزعماء العرب خلال اجتماع القمة العربية, وكان ذلك بعد عشر دقائق في العاشرة والنصف من ليلة الأحد من صدور القرار التونسي المفاجئ بإلغاء عقد القمة العربية وتأجيلها إلي أجل غير مسمي. وبعده بدقائق تبعه أحمد ماهر وزير الخارجية ثم فاروق الشرع وزير الخارجية السوري, كان السواد بلون تراب الأرض يغطي الوجوه وعلامات الغضب والهول تعلو وجوه الجميع, وكأن إعلان ساعة القيامة قد بدأ في التو, وكان الصمت يلف المكان ولا نسمع إلا أقدام المسئولين الثلاثة الذين يصلون تباعا إلي مقر إقامتهم استعدادا لحزم الحقائب والإسراع في المغادرة إلي بلدانهم, وعندما سارعت إلي عمرو موسي ومن بعده ماهر والشرع كل علي حدة, أسألهم عن سبب ما حدث وواقع الحال العربي بعد قرار تونس المباغت ردد الثلاثة في نظرة غضب عارمة: لا تعليق من الآن وعندما ألححت علي موسي بالسؤال عن الاستعداد للاستقالة في مثل هذا الظرف وبعد أن كتب العرب شهادة وفاة الجامعة العربية في تونس, عاد ليكرر في غضب وحدة لا تعليق.. لا تعليق وبعدها بدقائق معدودة بدأت تتكشف خيوط الدراما العربية التي بدأت وقائعها خلال الجلسات الأربع المغلقة لوزراء الخارجية العرب, بعد أن علت الخلافات واشتدت وطأة التلاسن من حين لآخر بين بعض الوفود و الوزراء, وكان في كل مرة ينفي الأمين العام للجامعة والحبيب بن يحيي وزير الخارجية التونسي وجود مثل هذه الخلافات, ويقومون بجهود مضنية أشبه بالجراحات الطارئة لمريض في الإنعاش مبررين طيلة الوقت أن ما يحدث لا يعدو كونه مجرد تباين حيوي في وجهات النظر, ويبدو بعد أن طفح الكيل لم يجد الرئيس التونسي بدا من اللجوء إلي خيار إلغاء الاجتماعات وتجميد عقد القمة العربية قبل الموعد المقرر, لتوافد القادة والزعماء بساعات قليلة إلي تونس. لم يكن غالبية وزراء الخارجية العرب قد عرفوا بقرار تأجيل القمة العربية بسبب خروجهم المبكر من قاعة الاجتماعات بسبب تزايد حدة الخلافات وتباين الرؤي, والمواقف إلا من خلال بيان وزير الدولة التونسي للشئون الخارجية, والذي لم يتجاوز أسطر قليلة, حيث إن الجميع لم يكن يتصور أن تصل الأمور إلي هذا القرار المباغت, وكان يحدوهم الأمل بأن يتمكنوا في صبيحة اليوم الثاني أو مع وصول القادة والزعماء, وخلال الجلسات التشاورية التي تسبق انطلاق القمة بساعات من إنقاذ الوضع وتجاوز هذه الأزمة بحلول وسط, وقواسم مشتركة, ولكن جاء بيان الحكومة التونسية ليسبق السيف العزل. ويبدو أن القرار التونسي قد جاء بعد أن فشلت جميع المساعي في إنقاذ جسد الجامعة والعمل العربي المريض حتي اللحظات الأخيرة, حيث رأت السلطات التونسية أن تضحي بهذه القمة مقابل أن تمنح العرب فرصة أخيرة ربما لا تأتي في الوقت الراهن لإصلاح الوضع العربي, أو الاستعداد للتعامل مع مأساوية الأوضاع العربية القادمة, خاصة بعد أن فشل اجتماع مسبق خلف كواليس فعاليات وزراء الخارجية العرب بمشاركة كل من أحمد ماهر وسعود الفيصل والحبيب بن يحيي واستمر لأكثر من ساعة لإنقاذ القمة وتجاوز خلافات جدول الأعمال, لكن يبدو أن النية كانت مبيتة, حسب تسريبات العديد من الوفود العربية لقتل هذه القمة دون تحديد الجهات والدول منذ اللحظة الأولي لوصول وزراء الخارجية لتونس, بسبب إصرار دول عديدة علي إدخال تعديلات وفقرات وطرح مشاريع جديدة علي جدول الأعمال لم يكن متفقا عليها من قبل خلال الاجتماعات الطارئة والعادية لوزراء الخارجية في القاهرة أوائل مارس الحالي باستثناء قضية اغتيال الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحماس وتردي الأوضاع في الأراضي العربية المحتلة, وبالتالي انتقال القضية الفلسطينية من المرتبة الرابعة في سلم أولويات القمة العربية إلي المرتبة الثانية بعد قضية وثيقة العهد للتضامن وإصلاح الجامعة العربية, إلا أنه يبدو أن القنبلة ذات العيار الثقيل والتي فجرت اجتماعات وزراء الخارجية في اللحظات الأخيرة وحالت دون عقد القمة العربية من وجهة نظر وفود عربية في قاعة الاجتماعات المغلقة, هو قرار تونس المفاجئ بتقديم مشروع جديد يحتوي علي العديد من التعديلات علي مشروع عهد الوفاق والتضامن بين الدول العربية, والمضي في المقام الأول بإصلاحات وتطوير الجامعة العربية وإدخال صيغ الإصلاح و التحديث والديمقراطية في العالم, إذ فور تقديم هذا المشروع تكهرب الجو داخل الاجتماعات, وعلت الأصوات بين الوزراء والوفود للاستفسار عن جدوي هذا المشروع والتساؤل عن توقيت تقديمه في اللحظات الأخيرة, ولماذا الآن, وكذلك لماذا لم تقدمه تونس من قبل في القاهرة أو خلال اجتماعات الجلسات الأولي للاجتماعات التحضيرية علي مستوي المندوبين ووزراء الخارجية فور الوصول, لكن الرد التونسي كان حاضرا في الحال عبر مذكرة تفسيرية قدمتها للاجتماعات وحولت فيما بعد بعض فقراتها إلي بيان توضيحي لأسباب قرار تأجيل القمة علي هذا النحو, وجاء في المذكرة التونسية بالنص أنه في وقت قد لا يحتاج الواقع العربي فيه إلي توصيف بالنظر إلي تعدد الأزمات التي يشهدها والاستحقاقات والتحديات المطلوب رفعها من قبل جميع الدول العربية, وبعدما سخرت تونس كل إمكاناتها السياسية والمادية والبشرية لاحتضان القمة العربية والعمل علي إنجاحها وخروجها بقرارات تستجيب لتطلعات الرأي العام العربي الذي ترنو كل شعوبه إلي أن تحقق قمة تونس منعرجا يحسم نقلة نوعية علي درب تفعيل العمل العربي المشترك. في هذا الوقت أضاع العرب فرصة جديدة للظهور أمام العالم كتجمع إقليمي فاعل قادر علي استيعاب المتغيرات من حوله والانخراط في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة. ولقد حرصت تونس في التعديل الذي اقترحته لمشروع عهد الوفاق والتضامن بين قادة الدول العربية الذي يشكل أول وثيقة يتعهد فيها القادة العرب أمام الله وأمام شعوبهم ويعلنون الالتزام بها علي أن تعلن بوضوح الالتزام بمواصلة الإصلاح الشامل في البلاد العربية في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية, خصوصا تعزيز الديمقراطية إلي جانب حرية التعبير ودعم دور المجتمع المدني ورعاية حقوق الإنسان وتعزيز دور المرأة العربية في بناء المجتمع.
|
 | | الشيخ محمد الصباح وزير الخارجية الكويتى وجان عبيد وزير خارجية لبنان فى اجتماع وزراء الخارجية التحضيرى |
وكانت تونس أكدت في مشروعها علي ضرورة التنصيص علي تمسك العرب بقيم التسامح والتفاهم وبمبدأ الحوار بين الحضارات وتأكيد رفضهم المطلق للتطرف والتعصب والعنف والإرهاب وحرصهم علي التصدي لهذه الظواهر في إطار التعاون والتضامن الدوليين للقضاء علي أسبابها, وأضافت المذكرة التفسيرية التونسية ولئن حازت هذه المقترحات التونسية مساندة عدد من الدول العربية, فإننا نستغرب إصرار البعض الآخر علي استبعاد هذه المسائل الجوهرية والمصيرية والمهمة لعملية التطوير والتحديث والإصلاح داخل مجتمعاتنا العربية التي تري تونس أنه من الضروري إدراجها ضمن وثائق القمة والتوصل إلي توافق بشأنها وهو ما ميز موقف البلدان المساندة للمشروع التونسي, واختتمت المذكرة التونسية بالقول إنه من الغريب ألا نجد في مشروع العهد وصيغته قبل اقتراح التعديل التونسي كلمة الديمقراطية, وهذا التغيب في حد ذاته موقف له دلالات لا تحتاج إلي تفسير ولا غرابة, فعدة مفاهيم ومبادئ أخري غائبة بدورها مثل دور المجتمع المدني وحوار الحضارات والتصدي للإرهاب ولم تنس المذكرة التونسية أن تؤكد أنه وقد أثبتت التجربة التونسية في التغيير والإصلاح مدي شجاعة الالتزام بتلك المبادئ والعمل علي تكريسها واقعا في تحقيق التنمية الشاملة في أبعادها السياسية والاجتماعية, وفي صياغة منوال ناجح وطنيا ومن ثم كان اعتقاد تونس الراسخ من خلال التجربة أن ذات المبادئ قادرة علي صياغة منوال النجاح عربيا. وإلي هنا انتهت المذكرة التونسية ولاذ الجميع من وزراء خارجية ووفود برفض التعليق, وإن كانت تستحق الدراسة بعمق ونظرة فاحصة. إلا أن العديد من الوفود العربية أكد لـ الأهرام العربي بعد الجلسة الوزارية المشئومة أن هذا المشروع التونسي جاء للرد علي حملة الخلافات العربية التي تعددت طيلة يومي الاجتماعات الوزارية, خاصة بين فريقين متعارضين ظلا طيلة الوقت يتقاتلان بالكلمات والاتهامات, الأول كانت تمثله سوريا ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة فاروق قدومي, وكانوا يذهبون إلي رفض تمرير أي مبادرات إصلاح عربية أو القبول بفكرة التعامل مع أية مبادرات أمريكية بحجة أن الأولوية يجب أن تعطي أولا في هذه المرحلة للصراع العربي- الإسرائيلي ومساندة وقف التوتر في الأراضي المحتلة, وإعداد العدة سياسيا ومعنويا وماديا لمساندة المقاومة الفلسطينية, وإنهاء الاحتلال للجولان السوري ومزارع شبعا, وبعدها يأتي الحديث عن دور الإصلاح والديمقراطية, إلا أن الفريق الثاني كان يذهب إلي القول بضرورة أن تسير خطوات الإصلاح منفصلة أو جنبا إلي جنب مع جهود عملية السلام, واستمر الخلاف لأيام, وشكلت لجنة من9 دول عربية لإيجاذ حلول جذرية بشأن هذه القضية وتحديد أولويات الإصلاح أولا أو طرد وإنهاء الاحتلال, وخرجت اللجنة بقرارات تدعو إلي أنه لا مانع من أن يسير الإصلاح بجانب جهود المقاومة والدعم للمسارات العربية, الأمر الذي انعكس بالخلافات أكثر في الجلسة الختامية لوزراء الخارجية, إلا أن الأمر الأبرز والذي كانت تروج له بعض وفود دول المغرب العربي أن المبادرة التونسية جاءت هي الأخري ردا علي سباق المبادرات العربية للإصلاح والتحديث, والتي قدم بعضها بشكل غير معلن ومفاجئ كالمبادرة الأردنية- اليمنية المشتركة, وبهدف خلق نجاحات عربية متعددة السرعات في الإصلاح والتحديث والديمقراطية بدلا من انتظار الضغوط الأمريكية والأوروبية لتمرير مبادرة الشرق الأوسط الكبير وغيرها, ومن هنا رفض البعض المبادرة التونسية استنادا إلي أن مثل هذا التغيير والتحديث متعدد السرعات في المنطقة العربية قد يأتي بنتائج عكسية, ولا يوفر ضمانات من الولايات المتحدة الأمريكية وأطراف الرباعية الدولية الذين يشكلون قوي المجتمع الدولي لحل القضية الفلسطينية أو تحجيم المؤامرة الإسرائيلية, وبالتالي فسيكون العرب في كلتا الحالتين هم الخاسرون ويبدو أن تزايد هذه الخلافات وتوسعها بشكل لافت, أفقدت السلطات التونسية صوابها باعتبار أنها تمثل خروجا علي مجمل الاتفاق الذي كان قد تم التوصل إليه بين الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وعمرو موسي, الأمين العام للجامعة خلال لقائهما التشاوري في تونس في مطلع فبراير للاتفاق علي مكان وتوقيت القمة وتقديم موسي لمجمل الضمانات التي لا تكرر حدوث الخلافات وتوسيع التلاسن كما حدث في قمة شرم الشيخ الأخيرة, وتمنع قصة الخلاف بين العقيد القذافي وولي العهد السعودي, مع توفير تونس الحد الأقصي لإنجاحها هذه المرة, ويبدو أن تونس انتظرت طيلة يومي اجتماعات وزراء الخارجية العرب لوضع حدا للخلافات والاشتباكات الكلامية, لكن دون جدوي خاصة أن كل التسريبات الصادرة في تونس كانت تقول إن القمة كانت مقبلة علي نفس سيناريوهات شرم الشيخ, خاصة في ضوء ما اقترحه البعض بتحويل كل الملفات والقضايا الخلافية لقمة الزعماء والقادة, الأمر الذي استشعرت تونس معه الخطر فقررت استباق وصول القادة والزعماء بقرار الإلغاء والتأجيل بدلا من أن تتفاقم المشاكل وتتكرر مأساة شرم الشيخ. ويذكر البعض في تونس صراحة أن الجميع تجاوز سقف الضمانات التي قدمها موسي للسلطات التونسية بنجاح القمة ووقف المشاكل, فكان قرار الحسم بتأجيل القمة ليتوافق مع تطلعات موسي طيلة الشهرين الماضيين بأنها ستكون قمة الحسم العربي. إلا أن ما يعزز فرضية النية المبيتة من قبل بعض الدول العربية لإلغاء وتأجيل القمة العربية والحيلولة دون انعقادها كان خروج الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة المفاجئ ومع دخول وزراء الخارجية قاعة أول الاجتماعات المغلقة, ليؤكد علي النية لتأجيل هذه القمة, وأن هناك أربع دول عربية اتصلت بالجزائر, وقررت تأجيل القمة, وبالرغم من محاولات الأمين العام للجامعة نفي واستبعاد هذه المعلومات, إلا أنه يبدو أن بوتفليقة كان علي علم مسبق بسيناريو قمة تونس, وكذلك الحال لموقف ليبيا في الاجتماعات التحضيرية, حيث كان يثير الشكوك والغموض في نفس الوقت, فالجانب الليبي عبر وفده في تونس لجأ طيلة الوقت إلي إطلاق بالونات الاختبار, فتارة يؤكدون عدم حضور العقيد القذافي ومقاطعته لهذه القمة, لأنه يعلم مسبقا أنها لن تعقد وعزز هذه المسألة تغيب ومقاطعة عبدالرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي اجتماعات اليوم الثاني لوزراء الخارجية دون إبداء الأسباب, وتارة أخري كان الليبيون يسعون لجس نبض الوفود العربية بأن العقيد القذافي سيحضر القمة العربية علي رأس وفد رفيع المستوي يتكون من92 فردا, وسينصب خيمته في حديقة فندق أبونواس, وأنه سيطلب في جلسة مغلقة منذ بداية القمة ضرورة تراجع العرب عن مواقفهم العدائية لأمريكا وإسرائيل, والقبول باقتراحه الذي قدمه في قمة عمان عام2001 بإقامة دولة إسراطين الكبري وفتح حوار مباشر مع إسرائيل, وقبولها في الجامعة العربية لحل الصراع العربي- الإسرائيلي, كما لن ينسي العقيد القذافي أن يدعو القادة والزعامات العربية للسير علي نهجه بشأن الحوار والتطبيع والتسليم لأمريكا وبريطانيا كما فعلت ليبيا أخيرا كطوق نجاة للعرب وضمانة لحل الصراع العربي- الإسرائيلي, إلا أنه يبدو أن الغياب المبكر لولي العهد السعودي وملك البحرين حمد بن عيسي قد فجر القمة منذ الساعات الأولي إذ استشعر التونسيون الخطر بفشل هذه القمة وخرجت تسريبات عديدة تقول بخطأ هذا الغياب وتتساءل كيف تتغيب السعودية وهي صاحبة مبادرة ووثيقة العهد مع مصر وسوريا, وكذلك البحرين التي كانت تتولي الرئاسة الحالية, ومن سيسلم الرئاسة لتونس. وبالتالي كانت كل هذه المواقف المسبقة كفيلة بانهيار وتراجع قمة تونس منذ البداية, وكأن العرب أرادوا أن يكتبوا هذه المرة وبأيديهم شهادة وفاة للجامعة العربية, لكن هذه المرة للأبد, وهذا ما نجحت فيه الولايات المتحدة الأمريكية, فهل يدركها العرب أصحاب الفرص الضائعة دوما*
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|