
|
رسائل غـــامضة فجـرت قـمـة تـونـس
|
 | |
مهدي مصطفي كانت الساعة التونسية تدق العاشرة مساء, بينما كان وزراء الخارجية العرب مجتمعين في استغراق حول صياغة البيان الختامي, الذي سوف يعرضونه علي القادة العرب القادمين إلي تونس لحضور القمة العربية الدورية الرابعة. فجأة غادر عبدالرحمن شلقم, وزير الخارجية الليبي مقر الاجتماع, لم يلتفت أحد من المجتمعين إلي هذه الإشارة, وواصلوا نقاشهم الساخن حول إصلاح الجامعة العربية, والإصلاح العربي علي مستوي الأقطار, وظلت القضايا المزمنة في فلسطين والعراق تتطاير بين وقت وآخر, ولم يكن هناك جديد, فالملفات معروفة, والجدل حولها معروف أيضا. غير أن ضيفا مهما دخل إلي الاجتماع, وترك ورقة علي الطاولة أمام الحبيب بن يحيي, وزير الخارجية التونسي, فغادر بعد أن قرأها علي الفور, ثم عاد إلي الوزراء المنتظرين, قائلا في حسم: لقد تأجلت القمة العربية!! نزل الإعلان علي رءوس المجتمعين كأنه صاعقة, لم يصدق أحد في بداية الأمر, ولم يستطع وزير الخارجية التونسي أن يشرح لهم أي أسباب, خاصة أنهم لم يختلفوا, حد القطيعة, حول المبادرات المطروحة وللحظة من الزمن أحس وزراء الخارجية العرب بأنهم غير مرغوب فيهم, فغادروا قاعة الاجتماعات علي عجل, يضربون أخماسا في أسداس, ويقولون بلسان واحد: اسألوا التوانسة عن سبب التأجيل. الحبيب بن يحيي, قال للوزراء المصدومين: إن هناك خلافات جوهرية في مسألة الإصلاح العربي, خاصة في ملفات الديمقراطية, وحقوق الإنسان, وإصلاح وضع المرأة العربية, فرد عليه عمرو موسي: هل معني ذلك أننا نؤجل القمة العربية من أجل المرأة, كنت أفهم دوافع التأجيل غير المبررة, لو أننا اختلفنا مثلا علي الموقف من إدانة أمريكا في مجلس الأمن, عندما استخدمت الفيتو لصالح إسرائيل بعد اغتيالها الشيخ أحمد ياسين, لكن أن نؤجلها بسبب أحوال المرأة فإن هذا ما لا أفهمه قط. أما أحمد ماهر ماهر وزير الخارجية المصرية, فقد رد علي الوزير التونسي بأن ما جاء في البيان التونسي مأخوذ من وثيقة الإسكندرية, التي صاغتها مكتبة الإسكندرية في مؤتمر شهده الرئيس حسني مبارك, وما تقوله يعني أنك تريد أن تشير إلي أنكم زعماء الديمقراطية, بينما العرب الآخرون لا يرغبون فيها, وكأنكم تقدمون شهادة براءة لقوة دولية تدعي أنه لا توجد ديمقراطية في الشرق الأوسط.
|
 | | أحمد ماهر وزير الخارجية المصرى ود. محمد عيسى وزير خارجية المغرب |
اللافت أن عمرو موسي, وأحمد ماهر انتبها إلي تعبير قرار سيادي الذي قاله عفوا الحبيب بن يحيي, وأشارا إليه بأن: تونس لم تصبح بعد رئيس القمة العربية, إنما الرئيس مازال دولة البحرين, وبالتالي أنتم تقصدون أنكم أخذتم أمرا سياديا بفض الاجتماعات علي أرضكم. دبلوماسي عربي, كشف لـ الأهرام العربي أن الحوارات السابقة جاءت عفوا, بعد أن وقف الوزير التونسي مترددا أمام سيل التعليقات من وزراء الخارجية العرب, فالدكتور مصطفي عثمان, وزير الخارجية السوداني قال إن ما جري يذكرني باجتماع مجلس قيادة الثورة المصري عام54 عندما اختلفوا علي الديمقراطية, فغابت طوال عقود, ومازلنا نبحث عنها, أما أطرف التعليقات فجاءت علي لسان فاروق الشرع, وزير خارجية سوريا, الذي قال إن تونس تريد تنظيم كأس العالم, وتأجيل القمة لا علاقة له بحقوق المرأة أو الديمقراطية, فالجميع بدرجة أو أخري مرحبا بهذه القضايا, وإن بشكل متفاوت. كان يوسف بن علوي, وزير خارجية عمان, قد انتظر بعد مغادرة الوزراء العاصمة التونسية للقاء الرئيس التونسي زين العابدين بن علي, لكنه لم يتمكن من ذلك, وعاد إلي بلاده بعد أن أدرك أنه لن يحصل علي تفسير معقول لقرار التأجيل المفاجئ. بعض الدبلوماسيين العرب, الذين حضروا الاجتماعات في تونس, قالوا إن قرار الإلغاء أو التأجيل إلي أجل غير مسمي, نزل علي العرب وكأنه الصدمة والرعب اسم المعركة الأمريكية علي العراق, فلم يتخيل أحد منهم أن تقدم تونس علي هذا القرار الاستثنائي في اللحظات الأخيرة, خاصة أن اجتماعات الوزراء العرب, تواصلت في العاصمة التونسية, ووضعت اللمسات النهائية علي كل قرار سوف يتخذه القادة العرب عند حضورهم إلي تونس. لكن لماذا فعلتها تونس, وهل أدت الخلافات حول الديمقراطية والإصلاح إلي ذلك, أم أن هناك ضغوطا وحسابات خارجية كانت وراء القرار, وما معيار القمة العربية الناجحة التي رغبت فيها تونس؟ |
 | | هوشيار زيبارى وزير خارجية العراق ويوسف بن علوى وزير خارجية عمان |
أسئلة طرحتها الأهرام العربي علي بعض الذين شاهدوا واقعة تونس ولكنهم رفضوا أن يكون السبب هو الديمقراطية أو الإصلاح, أو حتي الضغوط الخارجية, خاصة الأمريكية, كما تردد في العواصم العربية, لأن قمة شرم الشيخ الماضية عقدت في مصر, قبل الغزو الأنجلو- أمريكي للعراق بثلاثة أسابيع, واتخذت تلك القمة قرارا عربيا جماعيا برفض الحرب, ولم تستطع واشنطن أن تمنع عقد القمة أو التأثير في موقفها من الحرب التي كانت علي الأبواب في ذلك الوقت. إذا كان بعض الذين اقتربوا من نقطة تونس الساخنة يرفضون وجود عنصر خارجي ضاغط لإلغاء القمة العربية, فإن هناك من يري أن إقدام تونس علي هذه المغامرة, يعود إلي أسباب متراكمة سبقت القمة, وتزامنت مع وجود وزراء الخارجية في تونس, وهذه الأسباب لن نعرفها قبل أن تكشف عنها الدولة التونسية بنفسها. أما السفير هشام يوسف, مدير مكتب الأمين العام للجامعة العربية فيقول: إن قرار تونس ليس سهلا, فقد أقدمت عليه وهي تعرف أنها سوف تواجه النقد في الشارع العربي, قبل القادة العرب, وبالتأكيد وضعت ذلك في حسبانها, وقد تكون قد رأت أن تأجيل القمة أفضل لها من انعقادها في هذه الظروف. ويري يوسف أنه ليس معقولا أن تقرر تونس تأجيل القمة في الوقت الذي أنفقت فيه جهدا كبيرا للتحضير لها, وقد يكون من ضمن الأسباب عزوف بعض القادة العرب عن حضور القمة, ومع ذلك لا أستطيع القطع بالأسباب الكامنة وراء هذا القرار الخطير. ولكن يوسف يقول إنه رب ضارة نافعة, فقرار تونس انعكس إيجابيا علي العالم العربي, وجعل المسئولين العرب يتحركون لتفادي الموقف التونسي خاصة الرئيس حسني مبارك, الذي أصدر بيانا دعا فيه إلي عقد القمة العربية في القاهرة في أسرع وقت, كما أن آخرين تظاهروا لرفض انعقاد القمة, مما يعني أن هناك حالة عربية صحية, أدركت الخطورة في حالة انهيار المؤسسة العربية الوحيدة الجامعة للشعوب العربية. أحد الدبلوماسيين العرب قال لـ الأهرام العربي, حتي لو كانت هناك أجندة أمريكية خفية للعرب, فإنهم لا ينبغي عليهم أن يساعدوا علي إشاعتها, والحل هو أن نعقد القمة قريبا, ولا ندع الفرصة تفلت من بين أيدينا, والمسألة ليست خلافا بين القاهرة وتونس, إنما في ضرورة الإسراع بعقدها خلال الأيام المقبلة, حتي لا نكسر دورية القمة, وتصبح هذه المسألة قانونا ثابتا في العلاقات العربية ــ العربية. قبل أن ينهي هذا الدبلوماسي, رفيع المستوي, حواره معي قال بصوت واضح, إن قدر مصر أن تقود العالم العربي بالفعل, لأن بعض الأقطار الصغيرة اعتقدت أن اللحظة الراهنة مثالية للانقضاض علي سياسة الدول الكبيرة في المنطقة, وهو انقضاض سوف يجعلنا جميعا عرضة لما جري في العراق ويجري في فلسطين, والحل هو أن نأتي إلي مقر الجامعة ونتفادي الشرك الموضوع لنا بعناية علي جانبي الطريق*
موضوعات الملف وقائع الدراما العربية فى تونس !!قمة تصبحوا على خير |
|
 |
|
|
 |
|
|