شارون فتح المعركة إلي حدود يصعــــب التكهن بها!!
زياد عبد الفتاح
بقلم: زياد عبدالفتاح
سوف أذهب بعيدا قبل البدء في قراءة المستقبل بعد رحيل الزعيم الروحي والمؤسس لحركة المقاومة الإسلامية حماس داخل البيت الفلسطيني ومدي تأثير هذا الرحيل علي الأوضاع الفلسطينية والإسرائيلية بل وحتي الأوضاع في كامل المنطقة والعالم الإسلامي. لقد حمل العراقيون الأمريكيين مسئولية اغتيال الشيخ الشهيد أحمد إسماعيل ياسين فور تلقيهم نبأ اغتياله ولم تمض سوي أيام قليلة حتي اندلعت مواجهات دامية بين المقاومين العراقيين وقوات الاحتلال الأمريكية تجلت علي الصعيد العراقي بمواجهات مدروسة وعلي الصعيد الأمريكي بردود فعل مجنونة وعشوائية ذهب ضحيتها عشرات العراقيين المدنيين. ونظن أن الموضوع في العراق جري علي النحو التالي: ثار العراقيون لاغتيال الشيخ ياسين لارتباطهم بالقضية الفلسطينية ولأن إسرائيل أسهمت في الحرب الأمريكية الملفقة عليهم من خلال أجهزة استخباراتها وإعلامها وتحريضها الذي ظل ينمو يوما بعد يوم طيلة التحضير للحرب ولكنهم في الوقت نفسه استثمروا الحدث للنهوض بالمقاومة ضد المحتل الأمريكي الذي راح يؤيد شارون في كل مخططاته الإرهابية وفي الوقت نفسه يحول العراق رويدا رويدا إلي منطقة محتلة محاطة بالقواعد العسكرية ومستباحة أمام فرق النهب الاقتصادي الأمريكي وبخاصة نهب البترول وكل ما ينام عليه العراق من ثروات أخري. وهكذا شهدنا في توقيت واحد ثورات ومواجهات في كل من الفلوجة وتكريت وقصف فعال بالصواريخ لما يسمي بالمنطقة الخضراء داخل بغداد وهي منطقة القصور الرئاسية أيام صدام والتي حولها الحاكم الأمريكي إلي مقار يتحصن بها كبار الجنرالات وضباط المخابرات المركزية وأعضاء مجلس الحكم الانتقالي. ولم يخف أهل المقاومة العراقية سواء الذين واجهوا بالسلاح الحي قوات الاحتلال الأمريكي أم الذين خرجوا بالآلاف احتجاجا علي اغتيال الشيخ أحمد ياسين رافعين الأعلام الفلسطينية. إن تصعيد مقاومتهم المسلحة والشعبية يؤججه احتلالان هما: الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين والاحتلال الأمريكي في العراق. وإذن فإن مقاومة الاحتلال الأمريكي هو حجر الزاوية والانتصار لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي هو الحجر الآخر. وهكذا بعد أن كان الدفاع عن فلسطين مجرد خطاب عراقي أصبح باتحاد الاحتلال مقاومة تربط بين الاحتلالين الأمريكي والإسرائيلي فلا فصل بينهما. لقد كان الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية آخر احتلال في العالم في ترتيب الحقب التاريخية فإذا بالاحتلال الأمريكي للعراق ينتزع الصفة ويتفوق فيها وحشية متعلما من دروسها وماضيا علي نهجها. ذات يوم أثناء الحرب الأهلية في لبنان والتي استمرت سبع سنوات قبل أن تبدأ القوات الإسرائيلية في اجتياح لبنان وقع الرئيس اللبناني الأسبق' جدا' كميل شمعون أسيرا في قبضة القوات الوطنية في لبنان في دارته علي الطريق الساحلي المؤدي إلي جنوب لبنان في' السعديات'. في تلك الواقعة التاريخية شوهد الزعيم اللبناني الدرزي كمال جنبلاط وهو زعيم وطني بارز يقف في مقدمة الصفوف في المواجهة مع القوات اللبنانية وقوات شمعون, وجميع القوات الأخري الطائفية, شوهد وهو يقتحم مقر القيادة الوطنية الفلسطينية اللبنانية ووجهه غاضب وممتقع وتكاد تأكله الوساوس والقلق. قال بلا مقدمات: - أطلقوا سراح الرئيس شمعون فورا. أرجوكم اضمنوا أمنه قبل أن يقتله الذين لا يعلمون! وبما أن أعضاء القيادة من المحترفين قد فهموا وأدركوا فإن الاتصالات الساخنة بدأت مشوارها الخاطف وفي مدي أقل من ساعة كان في الجبهة المقابلة فوق أرض الميدان في السعديات من يهتف بأن التدابير اتخذت لتأمين خروج شمعون عن طريق البحر ولكن بسرعة حتي لا يحدث تطور يقلب الأمور. لحظتها اتصل جنبلاط بشمعون وانتهي الأمر إلي نجاته وتنفس جنبلاط الصعداء فلقد كان يدرك أن المساس بالقادة خروج علي الخط الأحمر وعلي المتعارف في كل الحروب وبخاصة في الحروب القذرة. قال شارون عندما تلقي الخبر في مزرعته في بئر السبع فجر ذلك اليوم لمن أبلغه خبر نجاح عملية الاغتيال:
مقاومة الاحتلال الأمريكى هو حجر الزاوية والانتصار لمقاومة الاحتلال الإسرائيلى هو الحجر الآخر
- هذا انتصار عظيم تحقق اليوم. ومضي إلي هاتفه ثم إلي اجتماع عبر فيه عن تهانيه لأجهزة الأمن الإسرائيلية' أذرع الأمن' كما يسمونها. وكأن الجيش الإسرائيلي حقق معجزة أو كأنه حقق إنجازا هائلا في معركة متكافئة! لقد كان الكل يعلم أن الشيخ ياسين موجود أبدا بين مريديه وأنه لا يتخلف عن صلاة في مسجده القريب من بيته وأن إصابته لا تحتاج إلي بطولة كذابة أو استعراض فهو مقعد يتحرك به مرافقوه فوق كرسي. ومن قبل أساسا كان في سجونهم وبين أيديهم ولا يشفع لهم الادعاء بأن التقاليد لا تسمح بالتصفية داخل السجن. فالتقاليد أيضا لا تسمح ومن باب أولي التصفية داخل المسجد أو علي أبوابه ووسط مدنيين دفع بعضهم حياته ثمنا ليس له ما يقابله. وإذن فإننا نعتقد أن هذه البداية وضعت شارون ومعه بشكل خاص موفاز ويعالون رئيس الأركان في خانة خاصة وفي الصفوف الأولي للإرهابيين قصيري النظر. لقد فتحوا المعركة حتي حدود يصعب التكهن بها وأصبح المس بالقيادات محتملا وواردا مثلما لم يكن في يوم من الأيام. ربما يكون من الصعب الدخول في مناطق القيادات الإسرائيلية بسبب الاحتياطات الأمنية المحكمة وقبل ذلك بسبب اختلال أسباب وموازين القوة والقدرة إلا أنه ليس من المستحيل تحقيق ذلك بل يمكن القول بأنه حتي في ظل اختلال موازين القوة فإن العلم والاتصال وانفتاح العالم علي بعضه سوف يتيح أسبابا هائلة للقدرة التي لا تحتاج إلي إمكانات فائقة لقد كان السلام أملا فإذا بشارون الذي يناور بخريطة الطريق والانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستعمرات يفصح عن حقيقة نواياه الدفينة ويفتح الإرهاب والعنف علي آفاق لم يصلها قبل اغتيال الشهيد الشيخ. قبل شهور جري استفتاء علي السلام وعلي الهدنة ووقف العنف وقد اختار الفلسطينيون بأغلبية واضحة نبذ الإرهاب والعنف. ونجح الهدوء الذي أراده الكل ليفتح الطريق أمام الحلول السلمية. ولم يتوقف شارون بل بدا كما لو أنه مطارد بالزمن فراح يضرب بلا هوادة. في كل يوم اقتحامات وتوغل واغتيالات وإرهاب دولة وتوسيع مستعمرات وتعزيزها بدل إزالتها! وفيما كان يتحدث بالانسحاب من قطاع غزة راح يطلق آلته الدعائية مصورا أن الفلسطينيين وبخاصة حركة حماس سوف يعتبرون الأمر هزيمة إسرائيلية. هذا الرجل الذي يفكر بمثل هذه الآلية لا يمكن أن يكون سويا ذلك أن المسألة لا تتعلق بهزيمة أو انتصار وإنما بإرادة وتوجه نحو الحل والانتقال إلي التعايش بطريقة سلمية وهو وجنرالاته وضعوا المجتمع الإسرائيلي في مأزق. يكفي أن نمعن النظر بما حدث في إسرائيل وفي أكبر مدنها يوم الاغتيال الإرهابي المجنون: خلت الشوارع من المارة والأتوبيسات كانت فارغة والنشاط التجاري وحتي الحركة الاجتماعية شلت وتحولت المدن إلي مدن أشباح. الأمر إذن لا يتعلق بمجرد وهم أو اعتقاد فيه هوس بل هو حقيقة قد تأتي اليوم أو غدا أو في أي وقت آخر وعلي الجميع أن يتحسسوا رءوسهم وما علي الجمهور المدني سوي الانتظار! ماذا بعد ستمضي دوامة العنف والإرهاب. وبمزيد من قتل أو اغتيال الرموز ستنطلق الفوضي من عقالها. لقد انتخبت قيادة حركة حماس أو لنقل توافقت علي خلافة الشيخ أحمد ياسين بالدكتور عبد العزيز الرنتيسي وهو أحد أبرز الصقور في الحركة. وهذا يعني أن المرحلة القادمة ستشهد تشددا واندفاعا نحو العنف وربما نحو العمليات التقليدية أو العمليات النوعية مع عدم استبعاد محاولة اصطياد أحد القيادات الإسرائيلية ليصبح رأسا برأس. وعلي الرغم من أن قائد حماس الجديد الرنتيسي قد أعلن منذ البداية بأن حماس لن تنجر إلي عمليات اقتتال داخلي وأنها تمد يدها للوحدة الوطنية إلا أن الأمر أصبح بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين أكثر تعقيدا. ماذا لو أن أحدا من الفصائل أو التنظيمات أو حتي السلطة تصدت لحماس لمنعها من ممارسة عنف تراه حماس الآن أكثر مشروعية من أي وقت مضي! هل تذعن حماس أم أنها ستتصدي لكل من يحاول منعها ودفعها خارج دائرة رد الفعل أو الثأر! وفي اعتقادنا فإن الإسرائيليين اختاروا رأس الزعيم الروحي ومؤسس حماس لتحقيق هدف طالما سعوا إليه وهو إتاحة الفرصة لأكبر قدر من الفلتان ولإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية ولكسر حلقة الأمان الاجتماعي الذي حافظت عليه بمسئولية كبري جميع الفصائل والأحزاب والتنظيمات. وعلي الرغم من ضعف السيطرة المركزية للسلطة إلا أن الكل تعامل معها بالتزام وسعي نحو تفويت الفرصة علي الإسرائيليين جر الفلسطينيين إلي الاقتتال. ومع أن اغتيال الشيخ ياسين بهذه الطريقة البشعة والإرهابية يبدو في ظاهره كما تصوره الحكومة الإسرائيلية عملية أمنية هدفت إلي تدمير أو الإطاحة بالرءوس القيادية المسؤولة عن العمليات الانتحارية إلا أنه في حقيقته تعبير فاضح عن الفشل وعدم القدرة علي تحقيق تقدم ملموس في مجال الأمن الإسرائيلي. فاغتيال الرؤوس لا يربك بقدر ما يولد. وما دام شارون والقيادة الإسرائيلية ماضين في سياسة القتل والتدمير والتجريف والإرهاب فإنهم لن يتوصلوا إلي أمن مطلقا ولن يجلبوا الاستقرار للشارع الإسرائيلي الذي خلا من كل حياة يوم الاغتيال الإجرامي ومازالت الحياة لم تعد إليه كاملة بعد.. هل هناك أهداف أخري.. نعم هناك حزمة أهداف داخلية إسرائيلية تبدأ من إحداث انفجارات وإثارة زوابع وغبار يحجب الرؤية عن قضايا أصبحت ساخنة في إسرائيل مثل فضائح شارون وولديه ونائبه وأحد وزرائه المقربين. ومثل التغطية أو إشاعة الصمت من حول جدار الفصل العنصري الذي تواصل حكومة شارون بناءه بسرعة وثبات. ومثل الانسحاب من قطاع غزة ومن المستعمرات والذي يلاقي معارضة ضخمة من اليمين الإسرائيلي ومن المستعمرين. لقد رمي شارون باغتيال الشيخ أحمد ياسين بكل هذه القضايا وقضايا أخري غيرها من وراء ظهره. لقد انشغل وشغل العالم بعمل إرهابي يستحق معه أن يوصف بأنه مجرم حرب ويستحق الذين يغطون جرائمه في البيت الأبيض بأن يوصفوا بأنهم أعداء الحرية وأعداء الاستقرار والسلام*