367‏السنة 123-العدد2004ابريل3‏13 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الأحلام أيضا‏..‏ تخون

فاروق جويدة


كانت ليلي مراد تشدو بصوتها العبقري‏..‏ يامسافر وناسي هواك‏..‏ لم أكن علي سفر‏..‏ ولم يكن أحد منا يومها قد قرر أن ينسي الآخر‏..‏ فليس في الحب سفر‏..‏ وليس في البلاد قرار‏..‏ إن الهروب من الحب لا يمكن أن يكون بالسفر‏..‏ فكم سافرنا وابتعدنا وافترقنا وبقي الحب أكبر من البعد والسفر والنسيان‏..‏ وقد يكون السفر هروبا‏..‏ وقد يكون اختبارا للمشاعر‏..‏ وقد يكون تأكيدا لها‏..‏ لكننا كنا نحلق مع الأغنية الجميلة وشعرت بأننا يوما سنسمع هذه الأغنية وكل واحد منا في طريق‏..‏
كانت أحلامنا تتراجع كأنها جيوش مهزومة وفي كل موقع كنا نترك أطلالا ودمارا وبقايا أيام متعبة‏..‏ لم أستطع أن أبني لك الحلم الذي تريدين كانت عواصف الأيام قد تركت في القلب جراحا كثيرة‏..‏ وأولي خطوات النهاية في الحب أن ينسحب أمام تراجع الأحلام‏.‏
إن الحلم هو الأساس الذي يقوم عليه أي بناء ابتداء بناطحات السحاب العملاقة وانتهاء بالأكواخ الصغيرة‏.‏
وناطحات السحاب الضخمة شيدها خيال مهندس بارع قبل أن تصبح جدرانا وأعمدة خرسانية والكوخ الصغير علي شاطئ نهر أقامه إحساس جميل في لحظة إبداع متوهجة‏..‏ وكذلك الحب نبنيه في قلوبنا جدارا جدارا‏..‏ والأحلام هي الحرير الذي ننسج منه قصص الحب الجميلة‏..‏ ففي كل يوم نضيف لها خيطا‏..‏ وفي كل ساعة نرسم من الخيوط جسورا‏..‏ وتمتد هذه الجسور وتتعانق مع بعضها البعض حتي تصنع لوحة زاهية الألوان والملامح‏..‏ وكلما ازددنا قربا ازدادت خيوط الحرير قوة‏,‏ وكلما شيدنا حلما امتدت بيننا جسور من التفاهم والتواصل والمودة‏..‏
كنت يومها أسمع معك أغنية ليلي مراد وأتوقف عند كلمة السفر‏..‏ ثم النسيان‏..‏ وما بينهما الإحساس الضائع ما بين الرحيل والبعد‏,‏ وفي آخر الرحلة يأتي شبح النسيان‏..‏ في رحلة السفر‏..‏ قررنا النسيان‏..‏ وتقطعت جسور الأحلام واختفي طيف الحب‏..‏ لم أكن أتصور ساعتها وأنا أحلق مع صوت ليلي مراد أنني يوما سأردد الأغنية وحدي‏..‏ وأنت تعلمين كم أحب صوت ليلي مراد وأري فيه صوتا سماويا لم يعرف طريقا للأرض‏,‏ ولم يطارده غبار البشر‏.‏
عدت أغني وحدي أغنية رددناها معا‏..‏ لقد سافرت‏..‏ لكنني لم أنس‏..‏ وابتعدت وبقي طيفك في خيالي ضوءا لا يغيب و لا يخبو‏.‏
هل يمكن أن تكون الأغنية مجرد نبوءة تحققت حتي ولو بعد سنوات‏..‏ إن ما حدث لم يكن بسبب النبوءة‏,‏ لكنه الحلم الغائب‏..‏ أعرف أن أحلامنا خذلتنا‏..‏ أو أنها كانت أكبر من قدرتنا علي تحقيقها‏..‏ إذا كان الحلم جميلا فليس من المطلوب أبدا أن نسرف في أحلامنا‏..‏ إذا كنت أستطيع أن أزرع حديقة صغيرة فقط‏,‏ فينبغي ألا أحاول ذلك مع مساحات شاسعة من الأرض يمكن أن تصبح مع الإهمال خرابا‏..‏ إنني أفضل مساحة صغيرة خضراء عن آلاف من الأفدنة الخاوية‏..‏ إن لون الصحراء من أكثر الأشياء التي تترك في النفس إحساسا بالخوف والرهبة‏..‏ إنها المجهول الذي لا نعرف عنه شيئا‏.‏
وفي الحب توجد مساحات صغيرة‏..‏ تمثلها الأحلام الصغيرة‏..‏ وهناك أيضا من يحب المساحات الشاسعة حتي لو ضاع فيها‏..‏ وما أكثر الذين ضاعوا لأنهم أسرفوا في أحلامهم أو لأن أحلامهم كانت أكبر بكثير من قدراتهم في صياغة الحياة‏..‏ كنت دائما أحب الأحلام الممكنة وأهرب من الأحلام المستحيلة‏..‏ وكان من الممكن أن تكون لنا أحلام صغيرة‏,‏ لكن المشكلة أن أحلامك كانت أكبر من قدراتنا وربما كانت ممكنة لو أنها جاءت في زمن آخر‏..‏ كل الأحلام التي خذلتني أو خذلتها جاءت في التوقيت الخطأ‏..‏ وهذا عبء آخر‏.‏
كنت أسمع أغنية ليلي مراد وعادت إلي خيالي صورة ليلة جميلة كنا فيها معا نغزل بالحرير حلما صغيرا يبدو أنه لم يتحمل عواصف ليلة رعدية فتواري بين أيدينا‏,‏ ولم نعد نراه وجلست أسترجع ملامح هذا الحلم‏..‏ أن أحبك دائما‏..‏ وأن أراك في كل شئ‏..‏ وأني ألقاك في كل لحظة‏..‏ وأن يكون حبك البداية والنهاية‏.‏
كان حلمي أن أحبك وفي أي مكان وكان حلمك أن يدخل العصفور قفصا ذهبيا يغني فيه‏..‏ كان العصفور يريد حديقة يشدو فيها لكل الناس‏..‏ وكان حلمك أن يغني لك وحدك كلما أردت منه الغناء‏..‏ كان يقول لك إن الأفضل أن يبقي ريشي حتي أطير‏.‏ كنت تقولين له لن أترك لك ريشة واحدة‏..‏ كانت سعادته أن يحلق معك في أعلي نقطة في السماء‏,‏ وكانت سعادتك أن يظل دائما علي الأرض‏..‏ كانت الأحلام بيننا قد اختلف لونها وزمانها وإحساسنا بها‏..‏ إن العصفور لا يحب القفص حتي لو كان من الذهب‏..‏ وكان يشعر بحزن شديد والقضبان تحيط به من كل جانب وأنت تراقبينه من بعيد ولا تفعلين شيئا يفك أسره‏..‏
ويوما بعد يوم بدأ صوته يغيب‏..‏ وبدأت ملامحه تتغير‏..‏ واختفت كل ألوانه الجميلة‏..‏ واكتشف أنه لم يعد يغني‏..‏ لقد فقد القدرة علي الغناء‏.‏
وكم كان يرجوك لو أنك فتحت له باب القفص يوما حتي يعود إليه الغناء‏,‏ كان علي يقين أنه سيعود مرة أخري باختياره وليس بقرار سجنه‏..‏ ولم يكن أمام العصفور غير أن يختفي ليلة خلف جدران سجنه ورآك تفتحين الباب وفر هاربا من سجانه‏..‏ هناك فرق كبير بين حب في الزنزانة‏..‏ وحب في حديقة واسعة‏..‏
وعاد العصفور يغني وحيدا يامسافر وناسي هواك‏..‏ لقد سافر‏..‏ ولكنه لم ينس‏.‏
لا أقول وداعا

كنت أراك نقطة ضوء
تسقط أحيانا علي الأرض لتصبح زهرة
ولم أكن أصدق أن من النساء
من لا تحب الزهور
وتعشق الأشواك