كانت ليلي مراد تشدو بصوتها العبقري.. يامسافر وناسي هواك.. لم أكن علي سفر.. ولم يكن أحد منا يومها قد قرر أن ينسي الآخر.. فليس في الحب سفر.. وليس في البلاد قرار.. إن الهروب من الحب لا يمكن أن يكون بالسفر.. فكم سافرنا وابتعدنا وافترقنا وبقي الحب أكبر من البعد والسفر والنسيان.. وقد يكون السفر هروبا.. وقد يكون اختبارا للمشاعر.. وقد يكون تأكيدا لها.. لكننا كنا نحلق مع الأغنية الجميلة وشعرت بأننا يوما سنسمع هذه الأغنية وكل واحد منا في طريق.. كانت أحلامنا تتراجع كأنها جيوش مهزومة وفي كل موقع كنا نترك أطلالا ودمارا وبقايا أيام متعبة.. لم أستطع أن أبني لك الحلم الذي تريدين كانت عواصف الأيام قد تركت في القلب جراحا كثيرة.. وأولي خطوات النهاية في الحب أن ينسحب أمام تراجع الأحلام. إن الحلم هو الأساس الذي يقوم عليه أي بناء ابتداء بناطحات السحاب العملاقة وانتهاء بالأكواخ الصغيرة. وناطحات السحاب الضخمة شيدها خيال مهندس بارع قبل أن تصبح جدرانا وأعمدة خرسانية والكوخ الصغير علي شاطئ نهر أقامه إحساس جميل في لحظة إبداع متوهجة.. وكذلك الحب نبنيه في قلوبنا جدارا جدارا.. والأحلام هي الحرير الذي ننسج منه قصص الحب الجميلة.. ففي كل يوم نضيف لها خيطا.. وفي كل ساعة نرسم من الخيوط جسورا.. وتمتد هذه الجسور وتتعانق مع بعضها البعض حتي تصنع لوحة زاهية الألوان والملامح.. وكلما ازددنا قربا ازدادت خيوط الحرير قوة, وكلما شيدنا حلما امتدت بيننا جسور من التفاهم والتواصل والمودة.. كنت يومها أسمع معك أغنية ليلي مراد وأتوقف عند كلمة السفر.. ثم النسيان.. وما بينهما الإحساس الضائع ما بين الرحيل والبعد, وفي آخر الرحلة يأتي شبح النسيان.. في رحلة السفر.. قررنا النسيان.. وتقطعت جسور الأحلام واختفي طيف الحب.. لم أكن أتصور ساعتها وأنا أحلق مع صوت ليلي مراد أنني يوما سأردد الأغنية وحدي.. وأنت تعلمين كم أحب صوت ليلي مراد وأري فيه صوتا سماويا لم يعرف طريقا للأرض, ولم يطارده غبار البشر. عدت أغني وحدي أغنية رددناها معا.. لقد سافرت.. لكنني لم أنس.. وابتعدت وبقي طيفك في خيالي ضوءا لا يغيب و لا يخبو. هل يمكن أن تكون الأغنية مجرد نبوءة تحققت حتي ولو بعد سنوات.. إن ما حدث لم يكن بسبب النبوءة, لكنه الحلم الغائب.. أعرف أن أحلامنا خذلتنا.. أو أنها كانت أكبر من قدرتنا علي تحقيقها.. إذا كان الحلم جميلا فليس من المطلوب أبدا أن نسرف في أحلامنا.. إذا كنت أستطيع أن أزرع حديقة صغيرة فقط, فينبغي ألا أحاول ذلك مع مساحات شاسعة من الأرض يمكن أن تصبح مع الإهمال خرابا.. إنني أفضل مساحة صغيرة خضراء عن آلاف من الأفدنة الخاوية.. إن لون الصحراء من أكثر الأشياء التي تترك في النفس إحساسا بالخوف والرهبة.. إنها المجهول الذي لا نعرف عنه شيئا. وفي الحب توجد مساحات صغيرة.. تمثلها الأحلام الصغيرة.. وهناك أيضا من يحب المساحات الشاسعة حتي لو ضاع فيها.. وما أكثر الذين ضاعوا لأنهم أسرفوا في أحلامهم أو لأن أحلامهم كانت أكبر بكثير من قدراتهم في صياغة الحياة.. كنت دائما أحب الأحلام الممكنة وأهرب من الأحلام المستحيلة.. وكان من الممكن أن تكون لنا أحلام صغيرة, لكن المشكلة أن أحلامك كانت أكبر من قدراتنا وربما كانت ممكنة لو أنها جاءت في زمن آخر.. كل الأحلام التي خذلتني أو خذلتها جاءت في التوقيت الخطأ.. وهذا عبء آخر. كنت أسمع أغنية ليلي مراد وعادت إلي خيالي صورة ليلة جميلة كنا فيها معا نغزل بالحرير حلما صغيرا يبدو أنه لم يتحمل عواصف ليلة رعدية فتواري بين أيدينا, ولم نعد نراه وجلست أسترجع ملامح هذا الحلم.. أن أحبك دائما.. وأن أراك في كل شئ.. وأني ألقاك في كل لحظة.. وأن يكون حبك البداية والنهاية. كان حلمي أن أحبك وفي أي مكان وكان حلمك أن يدخل العصفور قفصا ذهبيا يغني فيه.. كان العصفور يريد حديقة يشدو فيها لكل الناس.. وكان حلمك أن يغني لك وحدك كلما أردت منه الغناء.. كان يقول لك إن الأفضل أن يبقي ريشي حتي أطير. كنت تقولين له لن أترك لك ريشة واحدة.. كانت سعادته أن يحلق معك في أعلي نقطة في السماء, وكانت سعادتك أن يظل دائما علي الأرض.. كانت الأحلام بيننا قد اختلف لونها وزمانها وإحساسنا بها.. إن العصفور لا يحب القفص حتي لو كان من الذهب.. وكان يشعر بحزن شديد والقضبان تحيط به من كل جانب وأنت تراقبينه من بعيد ولا تفعلين شيئا يفك أسره.. ويوما بعد يوم بدأ صوته يغيب.. وبدأت ملامحه تتغير.. واختفت كل ألوانه الجميلة.. واكتشف أنه لم يعد يغني.. لقد فقد القدرة علي الغناء. وكم كان يرجوك لو أنك فتحت له باب القفص يوما حتي يعود إليه الغناء, كان علي يقين أنه سيعود مرة أخري باختياره وليس بقرار سجنه.. ولم يكن أمام العصفور غير أن يختفي ليلة خلف جدران سجنه ورآك تفتحين الباب وفر هاربا من سجانه.. هناك فرق كبير بين حب في الزنزانة.. وحب في حديقة واسعة.. وعاد العصفور يغني وحيدا يامسافر وناسي هواك.. لقد سافر.. ولكنه لم ينس.
لا أقول وداعا
كنت أراك نقطة ضوء تسقط أحيانا علي الأرض لتصبح زهرة ولم أكن أصدق أن من النساء من لا تحب الزهور وتعشق الأشواك