367‏السنة 123-العدد2004ابريل3‏13 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

قمة الحد الأدني وقعت فريسة للقراءات الخاطئة

أسامة سرايا


أيام صعبة‏..‏ قضيناها في تونس العاصمة‏,‏ ننتظر القمة المرتقبة‏,‏ وفجأة تفجر الوضع‏,‏ إثر بيان رئاسي تونسي يعلن التأجيل‏,‏ ووقع القرار علي رءوس الجميع فأصابهم بالذهول‏,‏ فلم يكن متصورا أن تنتهي القمة قبل أن يبدأ وصول الرؤساء العرب بساعات قليلة إلي مطار قرطاج‏,‏ لكي تلتئم القمة التي عرفت بقمة الإصلاحين‏:‏ إصلاح الجامعة العربية أو منظومة العمل العربي المشترك‏,‏ ثم إطلاق مبادرة إصلاح عربي علي مستوي قطري تنافس أو تكون بديلا عن المبادرات الأمريكية‏,‏ والأوروبية المطروحة‏,‏ وفي نفس الوقت تأتي القمة ردا علي تردي الأوضاع في الأراضي الفلسطينية‏,‏ الذي وصل إلي حد قتل إسرائيل لزعيم سياسي مسن مقعد هو الشيخ أحمد ياسين‏.‏ ضاربة عرض الحائط‏,‏ ليس بحقوق الفلسطينيين أو بالأنظمة العربية فقط‏,‏ ولكن بالرأي العام العربي ككل‏,‏ باعتباره كما مهملا أو غير مؤثر‏.‏
كنا ننتظر القمة العربية‏,‏ ليس للإصلاح أو للفلسطينيين فقط‏,‏ إنما أيضا لمناقشة أوضاع العراق الذي يعيش في شبه حرب أهلية‏,‏ فالعراقيون يموتون يوميا‏,‏ عبر المجازر البشعة‏,‏ والقتل الجماعي‏,‏ الذي أصبح سمة عامة للوضع في العراق‏,‏ بعد أن عانوا من قبل المقابر الجماعية‏,‏ والتعذيب والديكتاتورية‏,‏ لكن العراقيين كانوا ومازالوا يبحثون عن شرعية إقليمية في الجامعة العربية‏,‏ ودولية في الأمم المتحدة‏,‏ لكي تنتقل إليهم السلطة بشرعية قانونية تضمن لهم الاستقرار والحياة الكريمة‏.‏
وسط كل هذا المناخ كنا نستمع إلي تصريحات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي‏,‏ ورئيس الدورة‏,‏ وزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحيي‏,‏ فتصورنا أن قطار القمة قد بدأ‏,‏ ولن يتوقف إلا في محطة الانعقاد‏,‏ وأنه سوف يصدر القرارات المنتظرة أو يحقق هدفه‏,‏ فإذا بالمفاجأة الصاعقة تعلن عن تأجيل القمة‏,‏ وبدا وكأن القطار وصل إلي المحطة الأخيرة دون سابق إنذار أو تمهيد‏,‏ وانتهت القمة الضائعة بعد أن صدر قرار إعدامها بطريقة أقل ما توصف به أنها مسيئة للجميع‏,‏ تقول لكل المشاركين‏,‏ بما أنكم فشلتم في تحمل المسئولية‏,‏ فاذهبوا غير مأسوف عليكم‏,‏ رغم أن البيان حمل لغة الأسف بعد أن أرجع التأجيل إلي أسباب تبدو منطقية‏,‏ ناعيا الإصلاح الذي غاب‏,‏ وركز علي ضرورة وجود الديمقراطية‏,‏ وظهور المجتمع المدني‏..‏ وكان لافتا للنظر‏,‏ أن البيان صدر مستخدما لغة سيادية ولم يتم التشاور عربيا حوله‏.‏
لكن رغم ما جري في تونس‏,‏ التي كانت سوف تتسلم رئاسة القمة من البحرين‏,‏ شرط أن تصل إلي بر الأمان‏,‏ فإنها لم تعد مسئولة وحدها عن إنجاحها أو فشلها‏,‏ لأن هذه المسئولية أصبحت عربية جماعية‏,‏ كما أن النجاح في عقد القمة هو مسئولية عربية مشتركة‏,‏ واستمرار التشاور بين حميع العرب‏,‏ سيصبح مسألة ذات مغزي للديمقراطية الغائبة‏,‏ التي نكتبها في البيانات‏,‏ دون أن نقصد بها أي معني محدد‏,‏ أو حقيقي‏.‏
فغاب عن القرار المفاجيء التشاور مع الشركاء‏,‏ ليس الزعماء العرب فقط‏,‏ إنما المستشارون السياسيون للدولة المضيفة‏,‏ فمن أذاع بيان التأجيل‏,‏ كان المتحدث الرسمي‏,‏ وليس وزير الخارجية‏,‏ الذي كان يحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب‏,‏ فقد أذاع حاتم بن سالم القرار الرئاسي السيادي‏,‏ بينما كان وزيره جزءا فعالا في مناقشات مستفيضة‏,‏ للوصول إلي تصور نهائي في المبادرات التي كانت قد جرت مناقشتها في الاجتماعات‏,‏ فهناك أكثر من سبع مبادرات إصلاحية مختلفة‏,‏ كان من المفروض أن تترجم إلي ورقة جديدة تضاف إلي البيان الختامي‏,‏ الذي حمل‏46‏ بندا محددا‏,‏ وثلاث أوراق منفصلة‏:‏
الأولي وثيقة العهد أو منظومة تحمل المسئولية في تغيير نظام الجامعة العربية وبنائه وتنفيذ قراراته‏.‏
والثانية هي مبادرات الإصلاح الإقليمي المختلفة والتي كان من المفروض‏,‏ أن تكون جاهزة أمام العالم خاصة أمام قمة مدينة دايتون الأمريكية للدول الصناعية الثماني الكبري في يونيو المقبل‏.‏
أما الثالثة فقد كانت ردا علي مبادرة الشرق الأوسط الكبير‏.‏
لكن قرار التأجيل قطع الحوار المتصل‏,‏ فخرج عمرو موسي وليس علي لسانه إلا كلمة واحدة هي لا تعليق وعندما عاد إلي هدوئه‏,‏ قال إنه لا يحمل التوانسة وحدهم مسئولية التأجيل‏,‏ فهناك تراكمات‏,‏ يجب دراستها أولا‏,‏ ولكنه في نفس الوقت لم يخف انزعاجه‏,‏ قائلا‏:‏ الوضع خطير‏,‏ ويتطلب التدخل العاجل لإنقاذه‏,‏ وراح يركز علي مصر والرئيس حسني مبارك‏,‏ وكل الزعماء العرب‏,‏ ليلعبوا دورا عاجلا لتعود الأمور إلي نصابها الصحيح‏,‏ وإلا سوف تنهار منظومة العمل العربي المشترك‏,‏ ولحظتها لن نحمي دورية القمة باعتبارها مكسبا سياسيا مهما للعرب من المفترض أن نبني عليه التطور المرتقب‏.‏
وما هي إلا ساعات قليلة‏,‏ حتي حدثت المبادرة المصرية بعقد القمة في دولة المقر‏,‏ فكان التجاوب العربي منقطع النظير‏,‏ وراح وزراء الخارجية العرب يتوافدون علي مصر‏,‏ فجاء أولا الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي‏,‏ ثم ملك البحرين حمد بن عيسي آل خليفة رئيس القمة العربية الراهنة‏,‏ ثم الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي‏,‏ والرئيس السوري بشار الأسد‏,‏ وانطلق الأمين العام عمرو موسي في جولة عربية‏,‏ وأيضا وزير الخارجية المصرية أحمد ماهر‏,‏ وعقد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي اجتماعا مع وزير خارجيته الدبلوماسي البارع الحبيب بن يحيي وطالبه بإجراء مشاورات سياسية مؤكدا أن تونس‏,‏ لم تلغ القمة العربية‏,‏ ولكن أجلتها لمزيد من المشاورات لصالح العمل العربي المشترك‏,‏ وأنها مستعدة لاحتضان القمة المرتقبة مرة أخري‏,‏ ويعتبر ذلك تحولا‏,‏ كبيرا ورؤية ناضجة للحكومة التونسية‏,‏ وكان الاتفاق ـ من خلال مشاورات شملت جميع القادة العرب‏,‏ بدءا من الملك محمد السادس‏,‏ ملك المغرب‏,‏ والعقيد معمر القذافي في ليبيا‏,‏ والرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر إلي زعماء الخليج ـ علي ضرورة عقد القمة العربية‏,‏ وكانت دولة الإمارات العربية قد اتصلت بمصر‏,‏ وطالبت بسرعة الاجتماع‏,‏ أما أمير قطر فقد أجري مباحثات مكثفة مع الرئيس بن علي‏,‏ وتفهم السلطان قابوس سلطان عمان الرؤية التونسية‏,‏ وطالب بسرعة الانعقاد أيضا‏,‏ وسار الرئيس اللبناني إميل لحود‏,‏ والملك عبد الله الثاني عاهل الأردن في نفس الاتجاه‏.‏
لقد تفاعل الجميع وصنعوا مزيجا حيا في الحركة السياسية‏,‏ أعاد إلي الذاكرة العربية فترات الحيوية والقوة للنظام العربي مبرزين قوته‏,‏ مؤكدين أنهم يستطيعون تجاوز الأزمة العابرة‏,‏ أو القمة الضائعة‏,‏ وأن رغبتهم في التطوير والبناء‏,‏ لا يمكن أن تكون عن طريق الهدم‏.‏
وإذا نظرنا بعمق إلي ما حدث لأدركنا أنها كانت قراءة خاطئة للرأي العام العربي‏,‏ فالقمة قبل عقدها واجهت نقدا حادا ولاذعا فهذا الرأي العام كله‏,‏ ليس ضد القمة فقط‏,‏ بل ضد النظام العربي برمته‏,‏ كان هذا في الوقت الذي تم الإعلان فيه‏,‏ قبل أيام من القمة عن عدم مشاركة عدد كبير من الزعماء العرب الكبار‏,‏ مما أصاب الدولة المضيفة بالإحباط‏,‏ وإذا كانت الخلافات حادة والمناقشات بطيئة والاجتماعات التمهيدية لم تذلل هذه الحدة المطروحة‏,‏ لعرفنا تأثير ذلك علي متخذ القرار‏.‏
لكن إذا ما دققنا في رؤية الرأي العام المنتقد للقمة والنظام العربي أيضا فإننا سوف ندرك أنه لا يعني ذلك حقيقة‏,‏ بل كان يطالب بمزيد من الفاعلية لتجاوز الوضع الراهن‏,‏ وبالتالي فإن الإعلام مطالب بأن يقدم حقائق الأوضاع ويكشفها برؤية دقيقة دون أن ينافق هذا الرأي العام‏,‏ الذي يدرك بدوره أهمية القمة لصالح النظام العربي‏,‏ ومع كل ما جري فقد خرجنا بحقيقة مؤكدة هي أن الرأي العام تحرك بجدية‏,‏ عندما شعر بصدمة التأجيل‏,‏ وتمسك بالاجتماع‏,‏ وحيا بعمق القادة الذين أعدوا الطريق للخروج من المأزق الراهن والدفاع عن تغيير ضروري في بنية النظام العربي الجماعي‏.‏
لأنه لم يكن هناك مستفيد واحد من هذا التأجيل إلا إسرائيل التي تصورت‏,‏ أن غياب القمة العربية‏,‏ يعني الاستفراد بالفلسطينيين‏,‏ فجاء الرد المصري المباشر بأن القمة آتية لا ريب فيها‏,‏ وأن حصول الفلسطينيين علي الدعم المادي والمعنوي والإعلامي ـ لحماية شعبنا في فلسطين‏,‏ من أبشع عدوان يعانيه الشعب الفلسطيني ـ يجب ألا يتوقف تحت أي ذريعة‏,‏ كما أن دعم العراقيين ومساعدتهم علي استرداد الشرعية يجب ألا يتوقف أيضا حتي ينتهي الاحتلال لبلادهم‏,‏ أما إطلاق مبادرات الإصلاح فيجب أن يستمر في عالم صعب مليء بالمتاهات والمخاوف الكبيرة‏,‏ فالضمان للاستقرار الإقليمي والقطري‏,‏ لن يتم إلا عبر هذه المبادرات الإصلاحية‏,‏ علي أن تأخذ حقها من التفكير العميق والهاديء‏,‏ وحظها من التنفيذ المبدع والخلاق‏.‏
ومهمتنا العاجلة الآن هي تجسيد‏,‏ وتقوية العلاقات العربية ـ العربية‏,‏ لأننا في مرحلة انتقالية خطيرة‏,‏ ينبغي أن تتحول فيها جامعة الدول العربية إلي جامعة عامة‏,‏ لتحقق هدف بناء كيان إقليمي قوي ودائم‏,‏ يجتمع وقت الأزمات والظروف الصعبة لمواجهة الملمات وتلافي الكوارث‏,‏ لوتكون منظمة إقليمية فاعلة تقوم علي مؤسسات حقيقية‏,‏ حتي تصبح لدينا جامعة قوية تماثل وتتوازن مع الاتحاد الأوروبي ويظهر من خلالها مجلس أمن عربي‏,‏ وبرلمان عربي‏,‏ ومحكمة عدل عربية‏,‏ ومؤسسات اقتصادية واجتماعية وثقافية عربية قوية ومتماسكة‏,‏ تلعب دورا في بناء النظام الإقليمي الجديد‏.‏
واللبنة الأولي لهذا النظام القوي‏,‏ هي الحفاظ علي دورية انعقاد القمم العربية التي بدأت في عام‏2000‏ واستمرارها يعني حيوية هذا النظام وقدرته علي البقاء والتقدم‏,‏ فالمهام الصعبة المقبلة تدعونا إلي أن نركز علي عملية البناء‏,‏ فلن ينجح النظام العربي وحده بدون رأي عام واع مستنير‏,‏ يعمل لإنقاذ المنطقة من الانزلاق إلي الفوضي‏,‏ أو الضعف‏,‏ الذي قد يجعل الغريب يتحكم في قرارها‏,‏ ويفرض عليها الإصلاحات التي يطرحها دون رأيها‏.‏
والقمة المرتقبة يجب أن تعمل علي لم الشمل العربي وتجفف منابع الفرقة والانقسام‏,‏ علي أن يحدث تحرك بين الدول الكبري لاحتضان الدول الصغري‏,‏ حتي لا نتركها فريسة للشطط‏,‏ وتصبح أداة لضرب النظام العربي من داخله‏.‏
ويجب أيضا أن يفكر القادة العرب‏,‏ في أن يقدموا هدايا للرأي العام‏,‏ ذلك بفتح باب حرية الحركة والانتقال للعمالة العربية‏,‏ داخل دول المنطقة مع إعطائها أولوية قصوي‏,‏ حتي تنفكك حدة البطالة‏,‏ التي تعانيها الشعوب العربية‏.‏
وعلي القادة العرب أخيرا أن يجذبوا رءوس الأموال العربية للمنطقة‏,‏ وإطلاق حرية قيام الشركات‏,‏ والاستثمار المشترك‏,‏ حتي يشعر المواطن العادي البسيط‏,‏ بأن هناك ثمارا محتملة للتعاون الإقليمي العربي تعود بالفائدة علي الجميع‏.‏
ولعل الأهم من المبادرات هو انطلاق دول المنطقة المؤهلة للإصلاح السياسي والاقتصادي لأن تقيم نموذجها المطلوب للإصلاح فورا‏,‏ بإطلاق الحريات والتعددية السياسية‏,‏ وظهور الأحزاب القوية لتنافس علي السلطة عبر بناء إصلاح دستوري شامل في هذه المجتمعات‏,‏ وعن طريق هذه النماذج الإصلاحية الحقيقية ستكون للمبادرات المطروحة مصداقية وقدرة علي التغيير‏,‏ فالمنطقة أمامها فرص ثمينة للتقدم والتطور والتحديث والخروج من الأزمات الراهنة المتتالية‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا