
|
قمة الحد الأدني وقعت فريسة للقراءات الخاطئة |
 | |
أسامة سرايا أيام صعبة.. قضيناها في تونس العاصمة, ننتظر القمة المرتقبة, وفجأة تفجر الوضع, إثر بيان رئاسي تونسي يعلن التأجيل, ووقع القرار علي رءوس الجميع فأصابهم بالذهول, فلم يكن متصورا أن تنتهي القمة قبل أن يبدأ وصول الرؤساء العرب بساعات قليلة إلي مطار قرطاج, لكي تلتئم القمة التي عرفت بقمة الإصلاحين: إصلاح الجامعة العربية أو منظومة العمل العربي المشترك, ثم إطلاق مبادرة إصلاح عربي علي مستوي قطري تنافس أو تكون بديلا عن المبادرات الأمريكية, والأوروبية المطروحة, وفي نفس الوقت تأتي القمة ردا علي تردي الأوضاع في الأراضي الفلسطينية, الذي وصل إلي حد قتل إسرائيل لزعيم سياسي مسن مقعد هو الشيخ أحمد ياسين. ضاربة عرض الحائط, ليس بحقوق الفلسطينيين أو بالأنظمة العربية فقط, ولكن بالرأي العام العربي ككل, باعتباره كما مهملا أو غير مؤثر. كنا ننتظر القمة العربية, ليس للإصلاح أو للفلسطينيين فقط, إنما أيضا لمناقشة أوضاع العراق الذي يعيش في شبه حرب أهلية, فالعراقيون يموتون يوميا, عبر المجازر البشعة, والقتل الجماعي, الذي أصبح سمة عامة للوضع في العراق, بعد أن عانوا من قبل المقابر الجماعية, والتعذيب والديكتاتورية, لكن العراقيين كانوا ومازالوا يبحثون عن شرعية إقليمية في الجامعة العربية, ودولية في الأمم المتحدة, لكي تنتقل إليهم السلطة بشرعية قانونية تضمن لهم الاستقرار والحياة الكريمة. وسط كل هذا المناخ كنا نستمع إلي تصريحات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي, ورئيس الدورة, وزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحيي, فتصورنا أن قطار القمة قد بدأ, ولن يتوقف إلا في محطة الانعقاد, وأنه سوف يصدر القرارات المنتظرة أو يحقق هدفه, فإذا بالمفاجأة الصاعقة تعلن عن تأجيل القمة, وبدا وكأن القطار وصل إلي المحطة الأخيرة دون سابق إنذار أو تمهيد, وانتهت القمة الضائعة بعد أن صدر قرار إعدامها بطريقة أقل ما توصف به أنها مسيئة للجميع, تقول لكل المشاركين, بما أنكم فشلتم في تحمل المسئولية, فاذهبوا غير مأسوف عليكم, رغم أن البيان حمل لغة الأسف بعد أن أرجع التأجيل إلي أسباب تبدو منطقية, ناعيا الإصلاح الذي غاب, وركز علي ضرورة وجود الديمقراطية, وظهور المجتمع المدني.. وكان لافتا للنظر, أن البيان صدر مستخدما لغة سيادية ولم يتم التشاور عربيا حوله. لكن رغم ما جري في تونس, التي كانت سوف تتسلم رئاسة القمة من البحرين, شرط أن تصل إلي بر الأمان, فإنها لم تعد مسئولة وحدها عن إنجاحها أو فشلها, لأن هذه المسئولية أصبحت عربية جماعية, كما أن النجاح في عقد القمة هو مسئولية عربية مشتركة, واستمرار التشاور بين حميع العرب, سيصبح مسألة ذات مغزي للديمقراطية الغائبة, التي نكتبها في البيانات, دون أن نقصد بها أي معني محدد, أو حقيقي. فغاب عن القرار المفاجيء التشاور مع الشركاء, ليس الزعماء العرب فقط, إنما المستشارون السياسيون للدولة المضيفة, فمن أذاع بيان التأجيل, كان المتحدث الرسمي, وليس وزير الخارجية, الذي كان يحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب, فقد أذاع حاتم بن سالم القرار الرئاسي السيادي, بينما كان وزيره جزءا فعالا في مناقشات مستفيضة, للوصول إلي تصور نهائي في المبادرات التي كانت قد جرت مناقشتها في الاجتماعات, فهناك أكثر من سبع مبادرات إصلاحية مختلفة, كان من المفروض أن تترجم إلي ورقة جديدة تضاف إلي البيان الختامي, الذي حمل46 بندا محددا, وثلاث أوراق منفصلة: الأولي وثيقة العهد أو منظومة تحمل المسئولية في تغيير نظام الجامعة العربية وبنائه وتنفيذ قراراته. والثانية هي مبادرات الإصلاح الإقليمي المختلفة والتي كان من المفروض, أن تكون جاهزة أمام العالم خاصة أمام قمة مدينة دايتون الأمريكية للدول الصناعية الثماني الكبري في يونيو المقبل. أما الثالثة فقد كانت ردا علي مبادرة الشرق الأوسط الكبير. لكن قرار التأجيل قطع الحوار المتصل, فخرج عمرو موسي وليس علي لسانه إلا كلمة واحدة هي لا تعليق وعندما عاد إلي هدوئه, قال إنه لا يحمل التوانسة وحدهم مسئولية التأجيل, فهناك تراكمات, يجب دراستها أولا, ولكنه في نفس الوقت لم يخف انزعاجه, قائلا: الوضع خطير, ويتطلب التدخل العاجل لإنقاذه, وراح يركز علي مصر والرئيس حسني مبارك, وكل الزعماء العرب, ليلعبوا دورا عاجلا لتعود الأمور إلي نصابها الصحيح, وإلا سوف تنهار منظومة العمل العربي المشترك, ولحظتها لن نحمي دورية القمة باعتبارها مكسبا سياسيا مهما للعرب من المفترض أن نبني عليه التطور المرتقب. وما هي إلا ساعات قليلة, حتي حدثت المبادرة المصرية بعقد القمة في دولة المقر, فكان التجاوب العربي منقطع النظير, وراح وزراء الخارجية العرب يتوافدون علي مصر, فجاء أولا الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي, ثم ملك البحرين حمد بن عيسي آل خليفة رئيس القمة العربية الراهنة, ثم الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي, والرئيس السوري بشار الأسد, وانطلق الأمين العام عمرو موسي في جولة عربية, وأيضا وزير الخارجية المصرية أحمد ماهر, وعقد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي اجتماعا مع وزير خارجيته الدبلوماسي البارع الحبيب بن يحيي وطالبه بإجراء مشاورات سياسية مؤكدا أن تونس, لم تلغ القمة العربية, ولكن أجلتها لمزيد من المشاورات لصالح العمل العربي المشترك, وأنها مستعدة لاحتضان القمة المرتقبة مرة أخري, ويعتبر ذلك تحولا, كبيرا ورؤية ناضجة للحكومة التونسية, وكان الاتفاق ـ من خلال مشاورات شملت جميع القادة العرب, بدءا من الملك محمد السادس, ملك المغرب, والعقيد معمر القذافي في ليبيا, والرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر إلي زعماء الخليج ـ علي ضرورة عقد القمة العربية, وكانت دولة الإمارات العربية قد اتصلت بمصر, وطالبت بسرعة الاجتماع, أما أمير قطر فقد أجري مباحثات مكثفة مع الرئيس بن علي, وتفهم السلطان قابوس سلطان عمان الرؤية التونسية, وطالب بسرعة الانعقاد أيضا, وسار الرئيس اللبناني إميل لحود, والملك عبد الله الثاني عاهل الأردن في نفس الاتجاه. لقد تفاعل الجميع وصنعوا مزيجا حيا في الحركة السياسية, أعاد إلي الذاكرة العربية فترات الحيوية والقوة للنظام العربي مبرزين قوته, مؤكدين أنهم يستطيعون تجاوز الأزمة العابرة, أو القمة الضائعة, وأن رغبتهم في التطوير والبناء, لا يمكن أن تكون عن طريق الهدم. وإذا نظرنا بعمق إلي ما حدث لأدركنا أنها كانت قراءة خاطئة للرأي العام العربي, فالقمة قبل عقدها واجهت نقدا حادا ولاذعا فهذا الرأي العام كله, ليس ضد القمة فقط, بل ضد النظام العربي برمته, كان هذا في الوقت الذي تم الإعلان فيه, قبل أيام من القمة عن عدم مشاركة عدد كبير من الزعماء العرب الكبار, مما أصاب الدولة المضيفة بالإحباط, وإذا كانت الخلافات حادة والمناقشات بطيئة والاجتماعات التمهيدية لم تذلل هذه الحدة المطروحة, لعرفنا تأثير ذلك علي متخذ القرار. لكن إذا ما دققنا في رؤية الرأي العام المنتقد للقمة والنظام العربي أيضا فإننا سوف ندرك أنه لا يعني ذلك حقيقة, بل كان يطالب بمزيد من الفاعلية لتجاوز الوضع الراهن, وبالتالي فإن الإعلام مطالب بأن يقدم حقائق الأوضاع ويكشفها برؤية دقيقة دون أن ينافق هذا الرأي العام, الذي يدرك بدوره أهمية القمة لصالح النظام العربي, ومع كل ما جري فقد خرجنا بحقيقة مؤكدة هي أن الرأي العام تحرك بجدية, عندما شعر بصدمة التأجيل, وتمسك بالاجتماع, وحيا بعمق القادة الذين أعدوا الطريق للخروج من المأزق الراهن والدفاع عن تغيير ضروري في بنية النظام العربي الجماعي. لأنه لم يكن هناك مستفيد واحد من هذا التأجيل إلا إسرائيل التي تصورت, أن غياب القمة العربية, يعني الاستفراد بالفلسطينيين, فجاء الرد المصري المباشر بأن القمة آتية لا ريب فيها, وأن حصول الفلسطينيين علي الدعم المادي والمعنوي والإعلامي ـ لحماية شعبنا في فلسطين, من أبشع عدوان يعانيه الشعب الفلسطيني ـ يجب ألا يتوقف تحت أي ذريعة, كما أن دعم العراقيين ومساعدتهم علي استرداد الشرعية يجب ألا يتوقف أيضا حتي ينتهي الاحتلال لبلادهم, أما إطلاق مبادرات الإصلاح فيجب أن يستمر في عالم صعب مليء بالمتاهات والمخاوف الكبيرة, فالضمان للاستقرار الإقليمي والقطري, لن يتم إلا عبر هذه المبادرات الإصلاحية, علي أن تأخذ حقها من التفكير العميق والهاديء, وحظها من التنفيذ المبدع والخلاق. ومهمتنا العاجلة الآن هي تجسيد, وتقوية العلاقات العربية ـ العربية, لأننا في مرحلة انتقالية خطيرة, ينبغي أن تتحول فيها جامعة الدول العربية إلي جامعة عامة, لتحقق هدف بناء كيان إقليمي قوي ودائم, يجتمع وقت الأزمات والظروف الصعبة لمواجهة الملمات وتلافي الكوارث, لوتكون منظمة إقليمية فاعلة تقوم علي مؤسسات حقيقية, حتي تصبح لدينا جامعة قوية تماثل وتتوازن مع الاتحاد الأوروبي ويظهر من خلالها مجلس أمن عربي, وبرلمان عربي, ومحكمة عدل عربية, ومؤسسات اقتصادية واجتماعية وثقافية عربية قوية ومتماسكة, تلعب دورا في بناء النظام الإقليمي الجديد. واللبنة الأولي لهذا النظام القوي, هي الحفاظ علي دورية انعقاد القمم العربية التي بدأت في عام2000 واستمرارها يعني حيوية هذا النظام وقدرته علي البقاء والتقدم, فالمهام الصعبة المقبلة تدعونا إلي أن نركز علي عملية البناء, فلن ينجح النظام العربي وحده بدون رأي عام واع مستنير, يعمل لإنقاذ المنطقة من الانزلاق إلي الفوضي, أو الضعف, الذي قد يجعل الغريب يتحكم في قرارها, ويفرض عليها الإصلاحات التي يطرحها دون رأيها. والقمة المرتقبة يجب أن تعمل علي لم الشمل العربي وتجفف منابع الفرقة والانقسام, علي أن يحدث تحرك بين الدول الكبري لاحتضان الدول الصغري, حتي لا نتركها فريسة للشطط, وتصبح أداة لضرب النظام العربي من داخله. ويجب أيضا أن يفكر القادة العرب, في أن يقدموا هدايا للرأي العام, ذلك بفتح باب حرية الحركة والانتقال للعمالة العربية, داخل دول المنطقة مع إعطائها أولوية قصوي, حتي تنفكك حدة البطالة, التي تعانيها الشعوب العربية. وعلي القادة العرب أخيرا أن يجذبوا رءوس الأموال العربية للمنطقة, وإطلاق حرية قيام الشركات, والاستثمار المشترك, حتي يشعر المواطن العادي البسيط, بأن هناك ثمارا محتملة للتعاون الإقليمي العربي تعود بالفائدة علي الجميع. ولعل الأهم من المبادرات هو انطلاق دول المنطقة المؤهلة للإصلاح السياسي والاقتصادي لأن تقيم نموذجها المطلوب للإصلاح فورا, بإطلاق الحريات والتعددية السياسية, وظهور الأحزاب القوية لتنافس علي السلطة عبر بناء إصلاح دستوري شامل في هذه المجتمعات, وعن طريق هذه النماذج الإصلاحية الحقيقية ستكون للمبادرات المطروحة مصداقية وقدرة علي التغيير, فالمنطقة أمامها فرص ثمينة للتقدم والتطور والتحديث والخروج من الأزمات الراهنة المتتالية.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|