
|
التخلف والتقدم والساموراي الأخير...! |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد أرجو المعذرة من الكثيرين فلم يعجبني فيلم إدوارد زويك الساموراي الأخير المعروض في القاهرة هذه الأيام, فعندما تكون القضية بين التقدم والتخلف فإن انحيازي الفكري والمعنوي يقع دوما حيث يوجد التقدم, قد كان الفيلم انحيازا واضحا وصارخا للتخلف. صحيح أن تقييم أي من الأعمال الفنية له أبعاد كثيرة, ومن المؤكد أن أهل الفن أدري بالحكم علي الفن والصنعة, ومن المؤكد أيضا أن الفيلم فيه من الاحكام ما يكفي النقاد والجمهور. ولكن ما يهم من هم مثلي من مدرسة التحليل السياسي هو الأفكار السياسية والاجتماعية وراء العمل خاصة عندما يكون الفيلم صارخا بها. أحداث القصة بدأت في سبعينيات القرن التاسع عشر عندما بدأت اليابان تحت أسرة الميجي في تحديث الدولة من خلال حكم مركزي سياسيا واستجلاب النظم الإدارية والتكنولوجية الغربية إلي ساحة بلاد الشمس المشرقة. كان ما يجري في اليابان مشابها لما جري في مصر قبل ذلك بستة عقود علي يد محمد علي عندما استعان بالغربيين لتحديث الجيش والدولة. وكما كان سليمان باشا الفرنساوي في مصر هو الذي ينقل العسكرية المصرية من العصور العثمانية المتخلفة إلي العصر الحديث, فقد وقع علي عاتق مجموعة من العسكريين الأمريكيين الخارجين لتوهم من الحرب الأهلية الأمريكية(1860 ـ1865) ومن الحروب ضد السكان الأمريكيين الأصليين المعروفين بالهنود الحمر تحديث الجيش الياباني. وكما أنه كان علي محمد علي الكبير أن يتخلص من طبقة العكسريين القدامي بأساليبهم العتيقة ممثلة في جماعة المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة, فقد كان مستحيلا أن تتم نهضة اليابان دون التخلص من طبقة الساموراي التقليدية المتخلفة. موضوع فيلم الساموراي الأخير هو هذه القضية تحديدا فالفيلم يبدأ بمواجهة عسكرية بين فكرين: فكر النهضة والتحديث وبناء السكك الحديدية ووسائل البرق والتلغراف والصحافة وحتي التصوير الفوتوغرافي والدولة المركزية والجيش الذي يستخدم البارود والمدفعية والمناورات المشتركة للفصائل والكتائب والفرق. والفكر التقليدي لطبقة الساموراي التي تري أن كل ذلك يخل بالتقاليد الاجتماعية, ولا يوجد شرف هناك في حرب لا يحدث فيها التحام مباشر, وببساطة فإنها تحل الغرب مكان الشرق. ولأن الفكر الأول كان لا يزال في أوله, ولأن أنصار التحديث كانوا في عجلة, فقد دخلوا في مواجهة دون تدريب كاف فهزموا, وأسر القائد العسكري الأمريكي الذي لم يكن مقتنعا بتوقيت المعركة من الأصل. وهنا تحديدا تبدأ وقائع المواجهة الثقافية والفكرية في العمل الفني, فالقائد الأمريكي القادم من قلب الحداثة الدامية التي كان عليها مواجهة المتخلفين الأمريكيين في الجنوب والمصممين علي مؤسسة العبودية, والمتخلفين من الأمريكيين الأصليين, وجد نفسه وسط طبقة الساموراي وقد التفت خلف كبيرهم فوق الجبال النائية والشاهقة. وتدريجيا تبدأ المواجهة الثقافية ولكنها لا تستمر طويلا فالانحياز الفني, والتاريخي أيضا للمخرج, يجعله يري نبلا وشرفا شديدا في طبقة اجتماعية مزقت اليابان علي مدي ألف عام ومنعت عنها وحدتها وفرطت في النهاية في قدراتها بحيث باتت غير قادرة علي مواجهة الغرب. وهي طبقة تميزت تاريخيا بالوحشية الشديدة مع نفسها ومع أتباعها وكان حصادها التنموي صفرا حيث حافظت بالقوة علي أساليب عتيقة للإنتاج وحاربت بقسوة كل صور التقدم. ومع ذلك فإن إدوارد زويك ـ المخرج ـ أعطاها أبعادا وطنية تدافع عن ثقافة عريقة, بينما كانت النخبة الحديثة من الأفندية حول الإمبراطور لا يزيدون علي كونهم مجموعة من العملاء الذين يتلاعب بهم ممثلو الدول الأجنبية وبالذات السفير الأمريكي!!. وتاريخيا فإن هذه النخبة من الأفندية كانت هي التي انتصرت علي الصين ومن بعدها روسيا وخاضت حروبا مختلفة ضد أوروبا والولايات المتحدة خلال الحربين العالمية الأولي والثانية, وكانت هي في النهاية التي أنقذت اليابان بعد أن كانت تغرقها التقاليد الباقية من عسكرية الساموراي. وربما كان مفهوما ضمن إطار تاريخي معين أن يكون ظهور طبقة الساموراي جزءا من التقدم العام لليابان. كما كان حال ظهور طبقة المماليك التي حملت معها في البداية لمصر تقاليد عسكرية وحضارية كانت غائبة, ولكنها في النهاية تدهورت لكي تكون مجموعة من اللصوص المتحاربة فيما بينها وجعلت مصر في النهاية لقمة سائغة للغزو العثماني ومن بعده الغزو الأوروبي. فالساموراي هو خادم عام للآخرين, وبهذه الصفة فإنه هو مصدر الحماية والنظام اللازمين لقيام مجتمع سليم, وهو مصدر للقيم القائمة علي التضحية بالذات والطاعة المطلقة للمراتب العليا, والفناء في السيد من أول الساموراي التالي في المرتبة حتي تصل إلي الامبراطور الذي له صفات إلهية لاشك فيها. ولكن ما جري في عهد ليس بالضرورة صالحا لكل العهود, وبعد ألف عام من التاريخ فإن الساموراي كانوا مجموعة من الأوغاد التي استعبدت الشعب الياباني بالعنف والضرائب تماما كما فعل المماليك في مصر. ولكن هذا التاريخ يختفي تماما من الفيلم الذي لا يجعل من الساموراي أسطورة وطنية فقط, وإنما له من التقاليد ما يعطيه نبلا وشرفا خاصين. وبشكل ما فإن طلب الساموراي الأخير أن يدخل مجلس الوزراء حاملا سلاحه ـ سيفين واحد طويل للمبارزة وآخر قصير للطعنة القاتلة ـ قد بدا وكأنه حفاظ علي تقاليد نبيلة حاول بعض المتغربين التخلص منها. وليس مفهوما كيف يمكن لبلد ما أن تتقدم بينما يحمل أعضاء مجلس وزرائه الأسلحة أثناء المداولات التي تتضمن خلافات حادة في الرأي. ومع ذلك فإن الأمر يبدو مستنكرا للغاية, ومواجهة مستهجنة بين الغرب وعملائه والشرق بوطنيته وأصالته العنيفة!!. القصة بعد ذلك معروفة, ففي المواجهة النهائية ينتصر التحديث والتقدم انتصارا ساحقا, ولكنه لا يكون ذلك لأن التقدم هو الذي ينقذ البشرية, وإنما لأن التخلف أكثر نبلا ورغبة في التضحية. وبهذه الطريقة يستعيد الفكر, والفن, الغربي مقولة ذائعة حول البدائي النبيل والوحش الجميل, وهي مقولات مؤداها من ناحية أن التقدم يجعل الشعوب الشرقية أتعس حالا, ويفقدها نوعا من تقاليدها التي ربما لا تجعلها قادرة علي منافسة الغرب ولكنها في النهاية هي التقاليد القادرة عليها, هذه المقولات نجدها ذائعة عن الحضارات الشرقية اليابانية والهندية والعربية الإسلامية, ويظهر فيها أن سحر الشرق هو أن يبقي علي تخلفه. هذا التخلف تحديدا هو الذي أدي إلي هزيمة الشرق هزيمة ساحقة, ولو لم تأخذ اليابان بأسباب العصر, وتستخدمها في تجديد الحضارة اليابانية واستنهاض أهم ما فيها من قدرة علي الإتقان والتفاني في العمل لربما ضاعت كلية وعجزت عن النهوض بعد ضربها بالقنابل الذرية!!.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|