
|
الشاعر محمد السويدي أمين عام المجمع الثقافي بأبوظبي:
نحن مهددون بالدمار الشامل اذا ضاع الحب |
 | | الشاعر محمد السويدى |
أجري الحديث في أبوظبي: محمد حبوشة لم يكن عابرا, أوصدي لصوت, بل يأتي عبر تجربة شعرية مميزة من خلال أدوات تمتاز بالقوة والرصانة في نسيج واحد. يأتي محمد السويدي من قلب الصحراء كطائر يحوم حول البراق, عندما يذكر الشعر في الإمارات. ولد في بقعة جغرافية ما, وزمن ما يحكمه الجوع والفقر والشر الذي يستشري في جسد الإنسانية, لكن لحسن حظه كان الأب رحيما وعالما متواضعا, فكان ذلك البنيان الشعري الذي يمتاز بمساحة هائلة من الحرية. مثله مثل كثيرين بدأ مغلول اليدين كأي مبدع عربي يخاف سلطة الرقيب, لكن في ظل الجدل الحلو- كما يقول- استطاع الفكاك من الأسر, وانطلق كعصفور اعتاد الحرية فتغني بعذب النشيد عن الوطن والحبيبة, وفي الهواء الطلق ظل يناجي تلك الحبيبة التي يراها في كل إنجاز إنساني حتي استحق في النهاية أن يتوج أميرا للهوي. السويدي ليس شاعرا مجدا فحسب, بل هو مثقف عربي كبير استطاع أن يصنع نقطة مضيئة في لوحة الثقافة العربية علي شاطيء الخليج, حتي أصبحت أبوظبي واحدة من تلك القلاع الشامخة في عصر ثقافة الديجيتال, حول تلك الواحة الكونية التي تزين ملامحها ثورة المعلومات الجديدة كان لابد من الحوار والتطرق إلي تجربته الشعرية وهمومه وآلامه وآماله في مستقبل أفضل للإنسان العربي فإلي التفاصيل: الموسوعة الشعرية واحدة من الإنجازات المهمة للمجمع الثقافي في أبو ظبي في ظل ثقافة الديجيتال والإنترنت كيف جاءت الفكرة, وما الخطوات التي تمت في هذا الصدد؟ أبدأ, أولا من فترة دراستي التي امتدت ثلاث سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية, حيث كانت ثورة الديجتيال تطلق شرارتها المعرفية الأولي, ومع بداية هذا الإشراق العلمي الهائل, ظهرت بنوك المعلومات الرقمية التي كانت نواة مشروع الموسوعة, فتسني لي دخول هذا العصر الجديد بمشروع عربي يدشن هذه الثقافة الجديدة. في عام1985 في صيف هذا العام تحديدا شعرت مع ظهور الإنترنت بأن الفرصة مواتية لتدشين أكبر أحلامي بتوفير الكتاب للقاريء العربي, أينما كان, في المناطق الريفية والحضرية علي حد سواء, خاصة أن توفير صفحات الكتاب علي الإنترنت من خلال مشروع الوراق وتوفير ديوان الشعر العربي في أقراص مدمجة يحقق فكرة إيجاد مكتبة بتكاليف بسيطة, وبالفعل انطلق جيش الباحثين من المجمع الثقافي إلي كل الأقطار العربية لالتقاط المخطوطات والنسخ القديمة لدواوين الشعر حتي صار المشروع في نهاية المطاف وكما تري ويري القاريء العربي في شكله النهائي الموسوعة الشعرية التي تضم أكثر من2.4 مليون بيت من الشعر العربي, بالإضافة إلي أكثر من600 كتاب من كتب التراث النادرة التي تتوفر للقاريء العربي, وتمكنه من الدخول إلي عصر المعلومات بخطي أكثر ثباتا. بصراحة.. هل لكونك شاعرا احتل الشعر المرتبة الأولي في أوليات مشاريعك الثقافية, أم أن الشعر أكثر قدرة علي الوصول إلي قلب وذهن القاريء, وبالتالي كان مشروع الموسوعة؟ لاشك أن للشعر في قلبي وترا, كما أنه درب من الحدس, أو الحدس في حد ذاته, وربما يكون الشاعر أقدر علي استشراف المستقبل مثل الفيلسوف, ومع ذلك لا أري أن إنجاز الموسوعة يأتي في المقام الأولي لكوني شاعرا, بل كل المشاريع التي كتبت وأنتجت في صورة ورقية أو عبر قرص مدمج أو كتاب مسموع تعد من وجهة نظري بمثابة قصيدة شعر لأنها تضيف إلي الذهنية العربية زادا ربما يكبر في تأثير عن الشعر, واعتبر أيضا أن الإنجاز الإنساني في أي مجال من مجالات الحياة المختلفة هو لون من ألوان الشعر, طالما أنه يضع طوبة في صرح العقل العربي عبر إبداع خلاق. وإذا اعتبرت أن الشعر هو شيء لا محدود لأنه يحرك أوتار القلب فذلك ينسحب علي جميع الفنون الأخري, فالسينما شعر, والموسيقي أيضا, وكلام الحبيبة شعر, وكلام الأم عندما تحنو علي ابنها شعر وربما تنطق الطبيعة من حولنا شعرا ولا ندري, عبر صمتها وعفويتها التي لا ندركها كاملة, حتي السماء بتدرجات ألوانها هي عبارة عن قصيدة شعرية مفعمة بالرومانسية والفطرة الطيبة. هل يفهم من ذلك أن الشعر أصبح له وظيفة جديدة في الحياة المعاصرة, وذلك باعتبار أنه إنجاز إنساني؟ صحيح إلي حد كبير أن الشعر أصبحت له وظيفة في حياتنا الآن, وربما تكون هذه الوظيفة أكبر من أي عصر مضي, حيث يمكنه تجسيد ملامح الحياة اليومية المشحونة بالأحداث وتفريغ تلك الطاقة الهائلة من الهموم التي تقع علي عاتق الإنسان, خاصة العربي الذي تحاصره الإحباطات وضياع الحلم في الوحدة والتكامل, لأن هناك كما قلت سابقا وترا في القلب يطرب للشعر, ومعه تهتز الروح, وبالتالي أي مشهد من مشاهد الحياة المشحونة تلك يمكن أن يرقي إلي مستوي الشعر بشرط أن يلمس ذلك الوتر من القلب وهنا يصل الإنسان إلي أسمي غاياته, ودعنا نحبب الناس في الشعر ربما يكون علاجا روحيا للإنسان العربي في لحظات الضعف وضياع الحلم. لك ستة دواوين شعرية مفعمة بمساحة وزخم كبير من الحرية, التي تراها في جل صورها بمثابة الحبيبة, ومن هنا تري أن أي مشروع أو إنجاز يصل لمرتبة الحبيبة بأكثر من وجه ولون ومجال.. كيف ذلك؟ نعم أري أن صناعة أي مشروع أيا كان يمكن أن يرقي إلي مستوي الحبيبة, بمعني أن معاشرتك ومعايشتك لهذا المشروع وإيمانك الكامل بدوره يصنع حياة أخري مغايرة لنمط الحياة العادية وبالتالي يأتي في مرتبة الحبيبة, فنحن في سعينا الدائب في الحياة نهدف إلي تجميل وجه الحياة, وهو نفس الشعور لدي الحبيبة, حتي ولو كان هذا المشروع داخل أروقة هذا المجمع الثقافي الذي نجلس في أركانه الآن, في كل ركن لون من ألوان الفن تشكيل ـ موسيقي ـ مسرح ـ سينما ومن قبل ذلك الكتاب, ألا يكفي ذلك كله لكي نقرن الحبيبة بأي مشروع نحبه ونتفاعل معه. وأحب أن أوضح هذه الفلسفة التي أؤمن بها وهي نابعة من كوني رساما يحاول أن يرسم لوحة لاحت له في حلم, وبالتالي تأتي دواويني الشعرية بمثابة خربشات أولي لهذه اللوحة التي أنا بصددها أحاول أن أقبض علي الحلم الذي يشبه طائرا يحوم فوق البراق, هذا عن الشطر الأول من السؤال. لكن ما حكاية ذلك الطائر الذي يحوم حول البراق في أشعارك كما تقول دائما عن تجربتك الشعرية وما تلك الأسئلة التي تراودك دائما؟ أما الشق الثاني فإن هناك سؤالا يظل يطاردني هو ماذا أكتب وكيف أكتب ولماذا أكتب؟ والواقع أن الإجابات متعددة, منها ما يتعلق بغربتنا الموحشة والتقائنا فيما بعد, ومنها ما ينسحب علي الظروف التي تعيشها, وعن ذلك الدرب الطويل والشائك الذي تسير فيه, ومن هنا أحاول جاهدا أن أقبض علي هذا الحلم في لحظات هي أشبه بانقضاض الصياد علي الفريسة لا أدري ما هذه اللحظة, ولكن دأبت علي ألا أسمي ذلك وحيا بصورة كاملة. أنت لست مؤمنا إذن بأن الشعر يأتي للشاعر في صورة وحي؟!
|
 | | السويدى فى أثناء الحوار مع محرر الأهرام العربى |
لا يمكن الجزم بذلك, بل هو بعض من هذا الوحي, يمكن أن يسميه البعض هكذا, ولكني أسميها لحظة نورانية وأنا هنا أقول ما يملي علي, واللغة التي أستخدمها ما هي إلا وسيط, لذلك عندما تقرأ نصا عظيما وتبحث عن كاتبه وتواجهه وجها لوجه وتقول له أكتب لربما يعجز عن الكتابة, هي إذن لحظة يحدثها الكائن العلوي وليس المبدع ذاته, بدليل أن هناك أصحاب العمل الإبداعي العظيم الواحد فمثلا هناك كتاب قصة عظام وشعراء أعظم لا تعرف لهم سوي عمل واحد وكذلك الحال في السينما نجد مخرجا معروفا بعمل واحد له دون سائر أعماله. وبالتالي تلك اللحظة ربما لا تتكرر وهناك العديد من الشعراء الذين عجزوا عن استعادة التجربة. نعود إلي مساحة الحرية في شعرك هل يمكن القول بأن منبعها الثقة بالنفس التي جاءت من نشأتك في بيئة ثقافية من خلال مجلس والدك السيد أحمد السويدي؟ ولدت في بقعة جغرافية ما وزمن ما يحكمه الجوع والفقر أو الشعر والطغيان, وكان الأب لحسن الحظ رحيما وعالما متواضعا, ولا شك أن النشأة هي أساس ذلك البنيان الشعري إذا جاز لي التعبير والذي يتميز بمسحة من حرية كبيرة, خاصة أن مجلس والدي كان بمثابة الرقيب الأول في حياتي, وهنا لابد أن أؤكد أنه الرقيب المسئول الذي يحاول أن يلوي ذراعيك ويضربك علي الأصابع عندما لا تكون للكلمة معني أو اللغة لا تستطيع إيصال الرسالة. وهذا يختلف عن الأسر الرقابي الذي يقف حائلا في كثير من مجتمعاتنا العربية تجاه الكلمة المكتوبة, وهو للآن مرفوض إذا لم يتخلص منه المبدع سوف تتوقف حدود الإبداع ولا يمكن أن تتحقق الحرية. وعن تجربتي الشعرية فقد بدأت مغلول اليدين, كأي مبدع عربي عابر يخاف سلطة الرقيب, لكن في ظل هذا الجدل النفسي الحلو استطعت أن أقضي علي هذا الرقيب, ولعل نصوصي الأخيرة أو حتي التي ذهبت مع الدواوين السابقة هي أجرأ أحيانا من سلطة المجتمع وسلطة الرقيب نفسه, وأصدقك القول إن هناك بعض النصوص التي مازال مجتمعي لا يتحملها جراء التقاليد الراسخة. الجرأة هي أن أطلق لقلمي العنان ليكتب ما يشاء ومتي يشاء لكن لا أجرح التقاليد والسياق العام للمجتمع, بل لابد أن يكون هناك قدر من التوازن الذي أسميه توازن الفنان. هل يعني ذلك أن يكون في الشعر نوع من الدبلوماسية؟ لا تسميه هكذا, أولا عليك أن تنجز العمل الإبداعي, أن يكتمل وتصل إلي الضفة الأخري ثم يصبح عليك إعادة ومراجعة نفسك في أن يظهر هذا العمل أولا يظهر, هل يؤجل, ومتي يقال, وأعود مرة أخري إلي ضرورة التوازن حتي لا تصدم المجتمع, فنحن في مرحلة تاريخية دقيقة من حياة الأمة العربية, هناك صراخ كما تري يصل إلي حد الجنون, وربما تكون هناك وسائل كثيرة في الحياة تدعو للجنون. لكن يظل التعامل مع هذه الظروف بدبلوماسية هو أنجع الحلول في رأيي, فإذا كان هذا العالم مجنونا علينا أن نشير بأصابعنا إلي ذلك الداء ونصف الدواء, ومهمة الشعراء والفلاسفة في المقام الأول ليست الصراخ في حد ذاته, بل مهمتهم في رأيي رسم مستقبل آمن لهذا العالم, لنفكر جيدا في أمر هذا المستقبل, لنفكر في مصير هذا الدين, لقد بدأ القهر الديني منذ ملايين السنين ولاتزال الدراما الدينية مستمرة حتي اليوم. خلاصة كلامي أنني مع الحياة, مع أن تستمر هذه الحياة والوجود, مع أن يبقي دائما للفرح حظ أكبر من الحزن. السينما تلعب دورا كبيرا في حياتك حسبما لاحظت ولديك مكتبة ضخمة من الفن السابع, كيف أنعكس ذلك علي مشوارك الإبداعي؟ نبهتني السينما إلي المعرفة, تلك المعرفة الجديدة, عكس ما تربي عليه العقل العربي غير التجريبي, فأنت عندما تتحدث عن أم القوين في مصر أنت لا تعرف في أي بقعة من هذا العالم وكذا إذا تحدثت عن دمياط في الإمارات, ونفس الأمر عندما تصف نباتا معينا لا يمكن للقاريء أو المشاهد إدراك نوع هذا النبات, لكن السينما علمتني كيف أستطيع استعادة صورة هذا الشيء الغامض الذي أضاف إلي ذهني الكثير, وبالتالي أصبحت لديي ثقافة بصرية وسمعية تضخ في شرايين تجربتي الإبداعية, من خلال الصورة فأنا أستطيع أن أذهب إلي الأسكيمو أو أي منطقة نائية في البرازيل, كل ذلك وأنا جالس علي كرسي, هنا أزيد عقلي بالمادة الأولي للتفكير بنقل المعرفة من شكلها التجريدي إلي شكلها السمعي والبصري. وهناك مثال: كتاب عبدالرحمن الصوفي عن صور الكواكب وهو من كتاب القرن العاشر الميلادي, يصف فيه حركة الكواكب, حرر هذا النص, وسجل صوتيا وقمنا برسم الكواكب عبر برنامج بلمسة علي زر يمكن أن تشاهد وتري هذه الكواكب في صورة مجسدة, وهذه آثار انعكاس الثقافة البصرية التي جاءت من حبي للسينما, وهناك العديد من المشاريع التي سوف نحولها علي شاكلة صور الكواكب من كتب التراث والرحلات. بحكم موقعك كأمين عام للمجمع الثقافي بأبو ظبي إلي أي مدي تطغي روح الشعر علي هذا الصرح الثقافي الكبير؟ ليس هناك تعارض كبير بين العمل الإداري والشعري, وأحيانا في غمرة عملي أجد نفسي في حالة كتابة, كما هي الحال عندما أكون في مقهي أو في مجلس, وعلي الفور أجلس علي طاولة وأستدعي هذا القادم, إنها لحظات مثل صلوات يحين موعدها, وما علي إلا العروج إلي الذات العليا فليس هناك مجال للتأخير. لكن أكثر ما يضايق شاعر هو أن يؤكد هذه الشاعرية أو ينفيها, وهنا أذكر صديقنا الشاعر الراحل نزار قباني, كان إلي آخر لحظة من عمره يرتجف إذا قابل الجمهور, ويتساءل دائما: هل ما يكتبه شعرا أصلا, وفي الجلسات الحميمة معه كان يشعر بالقلق, ويحق لنزار أن يشعر بذلك, لأن التاريخ يستطيع أن يشطب من قائمة الشعر أسماء لامعة وكبيرة ويسجل أسماء أخري لم تكن مشهورة في زمانها. أنت تكتب الشعر الشعبي أو الشعر المحكي.. تري هل هذا اللون من الشعر يمكن أن يعبر عن هموم هذا العصر أو بمعني آخر هل هو وسيط جيد لتوصيل الأفكار؟ الأمة العربية فيها للأسف شئ من الشيزوفرانيا, فهي تتحدث بلغة أو بلسان وتكتب بلسان, ولاشك أن الكتابة في هذا الزمان تتطور بتطور اللغة التي يتدهور حالها في عالمنا العربي, ولم يعد العقل قادرا علي إنتاج لغة جديدة مادام مشغولا بمحكياته, وهذه المحكيات التي تعبر عن إبداعنا اليومي ربما يراها البعض وسيطا من الدرجة الثانية, لكنني أعتقد أنها الوسيط الأفضل, وهنا أحب أن أوضح أن هناك فرقا بين الشعر الشعبي والمحكي, فالشعر الشعبي هو الذي يعبر عن لغة الناس, لكن المحكي هو لغة الوسط التي تجمع بين كلام الناس وارتقاء حديثهم, أو يمكن القول إنه العامية, وهي الحديث الشعبي مطعم باللغة العربية الفصحي, في النهاية النتيجة واحدة, هي كيف تعبر عن هموم الناس ومعاناتهم عندئذ تقف عند حدود الشعر أو اللاشعر. أنت تؤثر العشق والمحبة ويطلق البعض عليك أمير الهوي, هل تري تلك التسمية مناسبة لزمن مكدس بالأزمات والانكسارات؟ لو اختفي الحب من هذا العالم لكان هناك ثقب أسود يصعب علينا تغيير لونه ونصبح مهددون بالدمار الشامل, لولا الحب لما أشرقت الشمس كل صباح, لما استمرت زرقة السماء بصفائها وبهائها الأخاذ, فالصراع بين الخير والشر هو في رأيي هو الطبيعة, هو القاعدة لا الاستثناء, بمعني أن الصراع قائم ونحن نراه في حرب الإنسان, نعم هناك حرب بداخلنا في أصغر أجزائنا في نفس الوقت تراها في الكواكب والمجرات. الخير والشر منذ عرفه الإنسان علي هذا الكوكب كان ولايزال, لكن هناك علي الطرف البعيد طائر السلام يظل يرفرف دائما, وهو غايتنا وهدفنا, يجب أن نعيش في ظل الحب الذي هو أسمي غايات هذا الكون, في صورة متجانسة, وندفع بهؤلاء الأشرار الذين يحاولون فرض أمراضهم علينا. يعني ذلك أننا في حاجة إلي جرعة أكبر من الحب الآن أكثر من أي وقت مضي؟ نحن في هذا الزمن مطالبون بصفتنا بشرا أن نصرخ في وجه الشرير, في وجه دعاة الشر والحروب, ونقول لهم اذهبوا.. اذهبوا لا نريد قيادات تشعل الفتن, نريد قيادات تزرع السلام والمحبة, كلما كانت القيادة السياسية في أي بلد عربي قيادة محبة, فسوف يعم الأرض سلام دائم, وكلما اقتربت تلك القيادة من حافة الفتن والضغائن فسوف تزيد من اشتعال النار. ذكرتم في أكثر من مناسبة بأن هناك مشاريع كبيرة في الطريق إلي ذهن القاريء العربي تتعلق بالترجمة, هل توضح لنا ملامح هذه المشاريع؟ وإلي أي مدي تسهم تلك المشاريع في التقارب والحوار مع الآخر؟ بالطبع لدينا مشاريع كبيرة في مجال الترجمة, وذلك بهدف الاحتكاك بثقافة هذا الآخر, وأعتقد بأن مصطلح الغزو الثقافي الذي كنا نتحدث عنه منذ فترة زمنية قريبة لم يعد له وجود, فالآن ثورة المعلومات والإنترنت فرضت علينا الاحتكاك بثقافات العالم من حولنا, وحتي إذا رفضنا ذلك فسوف يطلع عليه أبناؤنا, من هذا المنطلق لابد من توفير ترجمات الآداب والفنون والعلوم التطبيقية لإحداث هذا التواصل, وهذه أولوية من أهم أولويات عملنا الثقافي, فنحن في منعطف تاريخي وأزمة في علاقتنا بالغرب تحتاج إلي جهود لسد الفجوة وإحداث تقارب حقيقي يبرز جوهر الإنسان العربي الذي يمتاز بضمير حي ودين صحيح بعيد عن تلك التصورات التي يغالي فيها أعداء هذه الأمة. علي الرغم مما سبق فلديك صورة سلبية عن تمثيل العرب في معرض فرانكفورت ؟ لست ضد التمثيل, بل علي العكس سوف أشارك بقوة, ولكن عدم رضائي عن المشاركة أو الصورة السلبية التي ذكرتها تكمن في حال الأمة العربية حاليا فهي أمة غير مبادرة, ومشاركتها في تلك التظاهرات أو الفعاليات الدولية تأتي بمثابة رد فعل ويعني ذلك أننا نفتقد البرامج طويلة المدي وحتي قصيرة المدي, وفي النهاية تظهر أمتنا العربية بدمامتها وحالتها المتردية وهذا ما أرفضه ويرفضه بالتأكيد كل غيور علي هذه الأمة, يجب أن يعرف الإنسان العربي ذاته أولا قبل أن يعرف الآخر. المشاركة في معرض فرانكفورت أمر لا مفر منه, لكن علينا في الأيام القلائل الباقية أن نفعل ما علينا حقا من منطلق الغيرة علي الثقافة العربية, التي تحوي كنوزا من الكتب والمعارف التي أضافت إلي الإنسانية وأثرت في الضمير الإنساني, وكانت أحد أهم أركان الحضارة الإنسانية, وليست مشاركا فيها بل هي رافد من أهم روافد هذه الحضارة, وبالعودة إلي القرون الوسطي سنجد أن الحضارة الإسلامية كانت حضارة عظيمة, لم تؤثر فقط في المجتمعات العربية بل امتد أثرها إلي أوروبا, وأذكر أن الخليفة عبدالرحمن الناصر, كان يبعث بالسفراء في عواصم العالم المختلفة من بغداد إلي روما وباريس والمغرب والقاهرة كي يزودوه بكل كتاب صدر في ذلك, الوقت ومن هنا أصبحت مكتبة قرطبة في عهده أعظم منارة معرفية تضم الكنوز من الكتب والمعارف المختلفة. كيف يري الشاعر والمسئول الثقافي محمد السويدي المشهد الثقافي العربي في صورته الراهنة؟ الواقع الثقافي في عالمنا العربي مرير مع الأسف, ففي الوقت الذي تصرف فيه المؤسسات والشركات الغربية ملايين, بل مليارات الدولارات وأصبحت تحل محل الكنيسة والتجار الأثرياء أمثال آل ميدتشي في العصور الوسطي, كانت الكنيسة تعجن الناس وتعيد تشكيلهم الثقافي, أما نحن الآن فتعجبنا الشركات الكبري, من منا لم تعجنه الكولا والمرسيدس والشيبسي, ماذا يعمل هؤلاء التجار الذين يجنون أموالا طائلة من أموال الناس لصالح تثقيف مجتمعهم إلي هنا يجب أن تتدخل الدولة لتفرض نظاما ضريبيا يعود بالفائدة علي الناس فالضرائب التي تدفع قد تستعاد بما يصرف علي الثقافة. في بلادنا يجب أن تسهم الشركات في البرامج التعليمية والتثقيفية, وأقول هذا لأذكر بعصر النهضة في إيطاليا الذي هو مدين لعائلة ميدتشي تلك العائلة التي غيرت وجه إيطاليا وأشعلت نور العلم والفن في أوروبا وكان لها الفضل في فرنسا عندما تصدرت فرنسا أوروبا والسبب أن لويس الرابع عشر كان من عائلة ميدشي شكرا لهذه العائلة التي قدمت للعالم ما عجزت عنه حكومات أوروبا بأكملها, وهنا السؤال من في عالمنا العربي مؤهل للقيام بهذا الدور إن كان هناك وعي حقا. بعد الكتاب المسموع والشبكة الذهنية والوراق والموسوعة الشعرية إلي أي مدي تري تأثير ثقافة الديجيتال علي القاريء العربي الذي يعاني أزمة قراءة فعلا؟ أحيانا تشق جداول صغيرة تتحول فيما بعد إلي جداول كبيرة ومن ثم تتحول إلي أنهار والكتاب المسموع ليس بدعة, بل هو تجربة سبقت في الأعمال الدينية, وهدفه الأساسي هو توصيل الثقافة عبر وسيط عصري يلازم القاريء في أي مكان, والموسوعة الشعرية ظلت تكبر يوما بعد يوم حتي وصلت إلي إصدارها الرابع بأكثر من2.4 مليون بيت من الشعر ووصلت إلي جامعات عريقة جدا مثل كامبريدج وهارفارد وأصبحت مطلوبة من قبل العديد من المستشرقين بمعني أنها أصبحت عملة متداولة ولا يستغني عنها القاريء العربي الآن وهذا أثر لا شك عظيم. وأنا نفسي كمثال أكبر المستخدمين لهذه التكنولوجيا الجديدة لأنني لا أستطيع الاستغناء عنها في حين أنني استغنيت عن الكثير من الكتب مثل لسان العرب لابن منظور المؤلف من أربعين مجلدا لم أعد أطالعه منذ ثلاث سنوات إلا من خلال الموسوعة الشعرية ونادرا ما أعود إلي ابن تمام أو إلي دواوين كثيرة فمكتبتي ضاقت بالكتب في حين أصبح هذا القرص يلبي الكثير من احتياجاتي, والهاجس الذي يراودني دائما: هل هذه المشاريع تشبه تلك التي حلمنا بها قبل خمس سنوات؟ بالتأكيد لا, لأنها كبرت ونمت واتسعت معها قاعدة المستخدمين في عالمنا العربي, ومع ذلك أنا أتصور أننا مازلنا في مرحلة جنينية فيما يتعلق بثقافة الديجيتال التي تسود العالم الآن بينما العربي يقف في ذيل طابور ثقافة العالم* |
|
|
 |
|
|
 |
|
|