372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مصطفي ناصف الفائز بجائزة العويس في الدراسات البلاغية

ثقافتنا العربية ضائعة بين المديح والهجاء‏!‏

‏ أجرت الحديث ــ شاهيناز العقباوي
تصوير ــ مجدي عبد السيد


الدكتور مصطفي ناصف‏,‏ أستاذ البلاغة والآداب بالجامعات العربية والأجنبية علي مدي أكثر من نصف قرن‏,‏ أثري خلالها المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات اللغوية والأدبية‏,‏ وصاحب العديد من الدرجات العلمية‏.‏
حصل علي جائزة الإبداع عام‏1992‏ من مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين عن كتابه صوت الشاعر القديم‏,‏ ثم فاز بجائزة الدولة التقديرية عام‏1999,‏ وأخيرا نال جائزة سلطان العويس عام‏2003‏ للدراسات النقدية والبلاغية‏.‏
‏ وجدنا في الفترة الأخيرة عناية واضحة بالإبداع الأدبي علي الساحة الثقافية سواء المحلية أم العربية‏,‏ هل تعتبر ذلك مؤشرا علي حالة انتعاش تمر بها الحياة الثقافية؟
في رأيي أن الأهتمام بالجوانب الأدبية والثقافية دائما هو الطابع الغالب علي العالم العربي وذلك لأننا أمة الأدب والثقافة‏,‏ وما يحدث حاليا هو أن لغة الخطاب السياسي أصبحت هي المسيطرة علي الساحة الثقافية‏,‏ بسبب الظروف الراهنة‏,‏ أي إن هناك حالة تسييس للثقافة‏.‏ ولكن من الملاحظ بل والشيء الغريب حقا أن الخطاب السياسي‏,‏ لا يبعد عن الروح الأدبية‏,‏ فالروح الأدبية تسيطر علي كل شيء‏,‏ وأعني بها روح الإنفعالات والحملات الشرسة‏,‏ وذلك لأننا أمة تؤمن بالمناظرات والنقاشات الساخنة والتعصب والتحيز وتبادل الاتهامات‏,‏ وهذه السمة موجودة حتي في التراث العربي القديم من خلال نموذج النقائض فنحن العرب لا نستطيع أن نتبرأ من المديح والهجاء‏,‏ لأن ثقافتنا كلها تدور في فلك المديح والهجاء‏.‏
‏‏ علي الرغم من حالة الانتعاش الثقافي‏,‏ إلا أنك أشرت أكثر من مرة إلي أننا نعيش في عصر الثقافة الهشة والضياع اللغوي‏,‏ ماذا قصدتم بعصر الثقافة الهشة؟
معظم الناس الآن يرون أن الواقع الذي نعيشه مجرد طيف صاحب حركة سريعة يصعب السيطرة عليها‏,‏ نعيش حالة من عدم الرضا والوضوح والثقافة جزء من الواقع‏,‏ وهذه السرعة التي خلقتها العولمة‏,‏ تقاوم التأمل والاستقرار اللذين تخلقهما الثقافة‏,‏ الواقع الآن أصبح مجرد مجموعة من اللحظات القصيرة يدفع بعضها بعضا‏,‏ وغابت لحظات التأمل والبحث الطويل عن المعلومة بعد أن تحولت عملية الوصول إلي المعلومة مجرد عملية بسيطة جدا‏,‏ فما علي الإنسان إلا أن يضغط علي مجموعة من الأزرار ويصل إلي ما يريده من معلومات عبر شبكة الإنترنت‏,‏ فقدت الثقافة رسوخها ومكانتها‏,‏ وأصبحنا نعيش عصر الثقافة الهشة الفارغة الناتجة عن سيطرة لغة العزلة والانفصال بين أبناء المجتمع‏.‏
‏‏ البعض يخشي من زحف اللغة العامية إلي النصوص الأدبية‏,‏ ما تعليقكم علي ذلك وما الأسباب وراء هذا الزحف ولماذا يلجأ الأدباء إلي استخدام اللغة العامية في كتاباتهم؟
أعتقد أن العامية التي تعيش الآن بيننا أصبحت أقل جودة ورقيا من عامية الأمس لأن اللغة عبارة عن موقف من الحياة‏,‏ ومادام موقف المتكلمين من الحياة لا يرضي وبالتالي العامية الناتجة عنه تصبح سيئة جدا‏.‏
العامية التي نستخدمها الآن عبارة عن لغة مختصرة‏,‏ وذلك بسبب سيطرة فكرة الغربة والانعزال التي يعيشها أبناء المجتمع العربي‏.‏
الناس حاليا ومنهم الأدباء المعاصرون لا يؤمنون بفكرة رقي اللغة‏,‏ فهذه الفكرة أصبحت بعيدة جدا عن أذهان الأدباء المعاصرين‏,‏ بسبب حالة التفكك وعدم الاستقرار التي يعاني منها الأدباء‏,‏ فتحول استخدام اللغة الأدبية في كتابات الأدباء إلي ضرب من ضروب المخاطرة والمجازفة‏,‏ لذلك نجدهم يحيدون عنها إلي اللغة الأكثر رواجا بين القراء لأنهم يفضلون الابتعاد عن مصادر الخطر والشك لتحقيق الربح والانتشار السريع‏.‏
‏‏ في ظل سيطرة لغة الغربة والاغتراب بين أبناء المجتمع‏,‏ ماذا تعني بمقولة إن الكتابة في المجتمع العربي أصبحت غريبة الوجه؟
الكتابة بوجه عام غريبة الوجه‏,‏ فالمؤلفون والكتاب في أحيان كثيرة تتولد لديهم الرغبة في الكتابة‏,‏ ونجدهم في أوقات أخري ينصرفون عنها‏,‏ وذلك لأن المسافة بين الكاتب والكتابة أصبحت الآن بعيدة جدا كلما حاول أن يعبرها إلا ووجد نفسه عائدا مرة أخري إلي نفس المرحلة التي بدأ منها‏,‏ السائد أن الكاتب يكتب للقراء دون أن يهتم بهم‏,‏ وكذلك القراء يقرأون لكتاب وهم مدركون أن الكاتب لا يتفاعل معهم‏,‏ فهو بعيد عنهم‏,‏ لأننا أصبحنا غرباء حتي ونحن نتبادل التحية من بعيد‏,‏ وذلك لاتساع المسافة بين الكتاب والقراء‏,‏ وبين الشيوخ والشباب في مختلف الثقافات وذلك بسبب سيطرة لغة العولمة‏,‏ وثقافة الإنترنت‏.‏
‏‏ هناك اتهام للبحث الأدبي المعاصر‏,‏ وللأدب بعامة‏,‏ بالبعد عن واقعنا‏,‏ ما مدي صحة هذا الاتهام؟
التيار المعاصر هو تيار انفصالي في كل شيء أصبحت العزلة هي السمة المميزة‏,‏ بسبب سيطرة ثقافة التليفزيون علي الساحة لأنه أصبح رمزا للحياة المعاصرة ولأننا مرغمون علي تلقي الصوت من مصدر لا نعرفه ولا نستطيع أن ندرك ثقافة صاحبه‏,‏ ولا حتي أهدافه ورغباته‏,‏ وبالتالي لا يمكن أن نلوم البحث الأدبي المعاصر في ابتعاده عن الواقع‏.‏
‏‏ في كتابك اللغة والبلاغة والميلاد الجديد تحدثت عن الشعر القديم والثقافة الحديثة وعلي الرغم من كوننا أمة شاعرة إلا إن الرواية والقصة أصبحتا هما المسيطرتان علي الساحة الأدبية الآن؟
العصر الحالي الآن أصبح لا يتذوق فكرة العاطفة التي كان يعيش عليها الشعراء قديما ويخرجون منها الشعر‏,‏ لقراء يتأملون‏,‏ فالشاعر قديما كان يكتب الشعر لمجموعة من القراء المتأملين‏,‏ والآن أصبحنا نعيش عصر الحكايات الصغيرة السريعة التي يصنعها الناس‏,‏ الحياة أصبحت مجرد حكايات صغيرة وسريعة‏,‏ وطغت الفكرة النثرية السردية علي الأدباء‏,‏ لأن واقع الأديب أصبح سرديا‏,‏ فالناس ليس لديها وقت للتعليق علي الأحداث أو سماع التفسيرات والتأويلات الخاصة بمعني الشعر‏,‏ وذلك لأن الحدث الآن أصبح يلتهم المعني‏,‏ وأنا أتحدي أن يكون لدراسة الشعر في الجامعات والمعاهد أي فائدة‏,‏ فالطلاب الآن لا يجدون أي متعة في دراستهم للشعر‏,‏ علي الرغم كوني من درست الشعر أكثر من نصف قرن إلا أنني الآن أصرخ وأطالب بالكف عن تدريس الشعر وأتساءل لماذا نستمر في تدريس الشعر؟‏*‏