عندما اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين في الثاني والعشرين من شهر مارس الماضي قامت الدنيا ولم تقعد وتولد لدينا جميعا إحساس قوي بأن الثورة العربية علي وشك القيام وأن العرب قد وجدوا رمزا يتوحدون علي الدفاع عنه, ذلك لأن تلك العملية كانت علي درجة من القذارة والدناءة لم تكن معهودة من قبل من الجانب الإسرائيلي علي الرغم من أنها عملية متوقعة من نظام قام وتأسس علي الغدر والخيانة والتجسس والاغتيالات.. إلا أن العرب لم يخيبوا الظن الإسرائيلي في أن تلك الثورة ما هي إلا ثورة من الندب والشجب والإدانة والعويل والبكاء الذي أظن أنه كان بكاء مآتم من باب المجاملة وحفظا لماء الوجه وهو ما تعودت عليه إسرائيل قبل أن نتعود عليه نحن, ففي الوقت الذي كان ينبغي علينا فيه أن ننحي خلافاتنا الواهية جانبا وأن نجتمع حول مائدة واحدة كي نحافظ علي آخر أمل في أن تتوحد كلمتنا وأن نقول لا ولو لمرة واحدة بشكل عملي نفاجأ بأن دولة تونس الشقيقة والتي كان من المقرر عقد القمة العربية العادية السادسة عشر علي أرضها تعلن وبشكل مفاجيء وبقرار سيادي عن إرجاء موعد انعقاد القمة لأجل غير مسمي ودون إبداء أي أسباب منطقية يقبلها العقل وذلك في الوقت الذي كان فيه السيد عمرو موسي الأمين العام للجامعة العربية والسادة وزراء الخارجية العرب يبذلون جهودا مكثفة لإعداد الملفات التي تم التوصل من خلالها إلي مواقف مشتركة مع تأجيل القضايا التي عجز العرب عن حلها إلي أن يفصل فيها القادة ورؤساء الدول العربية بأنفسهم, والسؤال الآن هو: هل اقتصر قرار الفيتو الذي اتخذته الولايات المتحدة ضد مشروع قرار الإدانة الذي كانت تنوي الدول العربية علي وضعة علي مائدة القمة؟ أم كان فيتو علي انعقاد القمة برمتها؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل ترغب الولايات المتحدة إرضاء إسرائيل عن طريق تكميم أفواهنا حتي تطعنا دون أن ننطلق صرخة ألم هل استكثرت أن يقول العرب آه ثم ماذا نحن فاعلون إذا قلنا بدلا من الآه ألف آه أو حتي خرجنا من ملابسنا مادام لم يتعد تألمنا حدود التألم والمسكنة والضعف الذي يزيد العدو قوة والمهانة التي تزيده استكبارا؟ وقبل مرور أقل من شهر وتحديدا في السابع عشر من شهر إبريل قامت إسرائيل بتنفيذ عملية أخري مشابهة من حيث الجنون والعبثية وتغتال بكل تبجح الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي الذي كان خير خلف لخير سلف وبنفس الأسلوب القذر الذي تفوح منه رائحة العملاء الذين تجندهم إسرائيل من خلال الموساد, فكيف لطائرة أن تصوب صاروخا علي سيارة تسير علي الأرض وتصيبها بكل هذه الدقة إلا من خلال مواد مشعة توضع علي جسم السيارة تسهل عملية متابعة الهدف بكل دقة ودون أن تري بالعين المجردة. وعلي الجانب الآخر يظل العالم العربي في نفس ثباته العميق لا يتحرك فيه ساكن أو يهتز له طرف وكأننا أصبحنا غير قادرين علي حماية أنفسنا أو حتي رد اعتبارنا أمام العالم وأننا قد وصلنا إلي درجة من الضعف واللا تماسك حتي أن إسرائيل باتت تطعن العروبة وكأنها جسد بلا روح وكأن العرب تحولوا إلي أسد عجوز سقطت أنيابه ـ أو انتزعت منه ـ فتشجعت الضباع التي هي أقبح مخلوقات الله علي نهش جسدنا ونحن أحياء لم نمت بعد؟ هل يكفينا أن نوجه الاتهامات والإدانات وأن نقول إن هذا إرهابي أو ذلك مجرم حرب ثم نتركه يعربد ويعبث بأرواحنا وأعراضنا دون ردع أو مواجهة أو وقفة حقيقية صادقة وتحديدا في هذه الفترة الحرجة التي نعيشها, ذلك لأننا جميعا قد ترسخ لدينا الاقتناع بأن الإدانات الكلامية والتصريحات النارية وحدها لا تمنع جريمة ولا تردع هذا الوحش الهمجي الذي قد لا يكون علي علم بأنه يزعزع استقرار العالم كله لا المنطقة العربية فحسب وبأنه يشق طريقا مظلما لحروب قد لا تنتهي إلا بإفناء البشرية؟؟ يجب أن نعلم جميعا أن هذا الضعف ما هو إلا نتيجة للتفرق الذي وصل العرب إليه وبأنه إذا اجتمعنا علي ضعفنا هذا لكنا أقوي من أي قوة علي وجه الأرض بنصر من الله عز وجل ولكنا أقوي من الطائرات الأباتشي وأقوي من القنابل النووية وأقوي من أم القنابل وأبو الصواريخ ولأصبحنا نحن أنفسنا رعاة السلام الذي ننشده. وفي النهاية فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: تري من ننعي غدا, وهل ننعي إلا أنفسنا؟؟