
|
سألتها أين أنت يا مريم فأرسلت دعوة للقائي
5 ساعات في بيت العذراء! |
 | | منزل العذراء من الداخل |
رسالة تركيا ـ عاطـف حزيـن عدسة ــ شريف سنبل كثيرا ما سمعت عن معجزات السيدة مريم, ولكن ليس من سمع كمن عاش ورأي وجرب. مازلت أتذكر ذلك الحدث الفريد عام1966, علي باب مدرسة النصر الإبتدائية ببورفؤاد, كان يقف العشرات من زملائي في المدرسة يشيرون إلي برج عال خلف أسوار الجمرك, ويقسمون أن السيدة مريم ظهرت فوق هذا البرج. بفرح طفولي لا يعرف ترف المجادلة صدقنا, وبحب عظيم لسيدة نساء العالمين تمنينا أن تظهر مرة ومرة حتي يراها من لم يستطع في المرة الأولي. عرفت أيضا أن العذراء تجلت فوق كنيستها بالزيتون, فصار هذا الحي من الأحياء التي أتمني السكن فيها حتي تحققت أمنيتي وأصبحت أحد جيران كنيسة العذراء, أمر عليها يوميا, فأسترجع آيات القرآن الكريم التي قيلت في ابنة عمران, وأتذكرمعها سنوات الإبتدائي. وقرأت أيضا عن معجزات تماثيل العذراء التي تبكي دما هنا وهناك, ورغم أن العقل أصبح بحكم السن قادرا علي الجدال إلا أنني في كل مرة كنت أصدق أي معجزة مقرونة باسم السيدة مريم دون أن أناقشها مع أحد حتي لا أمنح أذني فرصة سماع رأي آخر يخالف رأيي, إنه الحب الذي يحمل اسم مريم ويجتمع تحت مظلته المسلم مع المسيحي دون أن يختلفا في جدل عقيم لا يؤدي في النهاية إلي شيء عدا اتساع الهوة بينهما. وعندما حضرت العرض الخاص لفيلم آلام المسيح كان تركيزي منصبا علي الممثلة التي لعبت دور مريم, وعندما كتبت عن الفيلم وأنا خائض في ألم ممض اخترت لما كتبته عنوانا هبط علي دون أن أبحث عنه, قلت.. وكتبت: أين أنت يا مريم؟ لم يكن سؤالا بقدر ما كان صرخة استغاثة بالعذراء التي جففت دماء المسيح فيما لا نجد نحن العرب ـ مسلمين ومسيحيين ـ من يجفف دماءنا الرخيصة. ويبدو أن صرختي وصلت إليهاسريعا, فبعد يومين, يومين ليس أكثر تلقيت دعوة للسفر إلي تركيا لحضور مؤتمر في مدينة أزمير حمل اسم أيام الإيمان لم أكن أعلم عن أزمير إلا أنها تقع في الجزء الغربي من تركيا وأنها تطل علي بحر إيجه, كما عاودتني ذكريات إقامة دورة ألعاب البحر المتوسط التي شهدتها تلك المدينة المتوسطية التي ستشبه بالتأكيد, مدينتي بورسعيد وحبيبتي الإسكندرية. وهكذا سافرت بصحبة زميلي المصور الفنان شريف سنبل وأستاذي الصحفي البورسعيدي صلاح طايل, الذي عشت فترة صباي وبداية شبابي أحلم بمقابلته بعد القراءة له, فإذا بالأمنية لا تتحقق إلا في السفارة التركية, ثم خلال الأيام الأربعة التي استغرقتها الرحلة إلي أزمير. كانت بالفعل رحلة الأماني التي تحققت, لكن الأمنية الأخري لم تستغرق الزمن الذي استغرقته أمنية لقاء الأستاذ طايل, فعندما وجدنا استقبالا فاترا محايدا من الجهة المضيفة التي لم تعد لنا أي برنامج للزيارة سوي البقاء محبوسين في غرف فندق البرنسيسة الذي يقع علي تل يشرف علي مدينة أزمير, عندما فوجئنا بذلك صارحت زميلي شريف سنبل بخيبة أملي من أنني لن أجد ما أكتب عنه ليصوره, أو ما سيصوره لأكتب عنه, لكنه فاجأني بقنبلة سعدت كثيرا بانفجارها في وجهي(!) حيث قال: إذا زرنا بيت مريم في إفاسوس ستنسي خيبة أملك وستعتبر نفسك حققت خبطة صحفية.
|
 | |
الطريق إلي إفاسوس طلبنا من موظف الاستقبال بالفندق توفير سيارة وسائق يجيد الإنجليزية كي يصحبنا إلي رحلتنا السياحية إلي إفاسوس وبيت مريم, وفي صباح السبت كان ميمت( محمد) يوقظنا حتي نشد الرحال, لم يتمكن الأستاذ صلاح طايل من مصاحبتنا بسب عارض صحي, كدنا نلغي الرحلة للاطمئنان عليه لكنه أصر علي عدم تغيير البرنامج وقال سأنتظركما لتقصا علي ما سترونه لحظة بلحظة. علي غير ما عهدنا من الأتراك كان ميمت بشوشا ثرثارا ابن نكتة.. يشعرك بأنه يعرفك منذ زمن, وكانت سيارته المرسيسدس الفان موديل2003, تنهب الأرض الحريرية وكانت إطاراتها لا تلامسها رغم أنه لم يتخط السرعات المقررة. من البداية كان السائق الثرثار واضحا, فهو سيتقاضي المائتي دولار مقدما أما البقشيش ففي نهاية الرحلة عندما نعود إلي الفندق, وكان أكثر وضوحا حين قال إنه لا يعنيه كوننا صحفيين من مصر, بل إنه لم يعرف مصر إلا بعدما قال له شريف بيراميدز, وهكذا تعامل معنا ميمت علي أننا سياح أجانب لدرجة أنه كان يوقفنا أمام محلات ومعارض لبيع السيراميك والسجاد كان واضحا أنها ضمن برنامجه مع كل السياح, بموجب اتفاق مع أصحاب هذه الأماكن, وعندما لاحظ أننا لا نهتم بالشراء من مصنع السيراميك في سيلسك ونحن في طريقنا إلي بيت مريم امتعض ورطن بينه وبين نفسه بالتركي, لكن شريف عاد وأسعده حين اشتري لوحة أبيض وأسود من السيراميك بسعر مبالغ فيه كان للسائق بالتأكيد نصيب فيه. مرة أخري حاولت أن أفهم ميمت أننا صحفيون ولا ينبغي أن يوقف سيارته أمام تلك المحال لكنه تغابي وقال إن هناك برنامجا لن يحيد عنه من أجلنا, فقلت له إذن رتب نفسك علي أننا لن نشتري أي شيء من أي مكان تقف أمامه. المسافة ما بين أزمير وبيت مريم160 كيلومترا قطعتها السيارة بسرعة, ولولا توقف السائق أمام مصنع السيراميك لكنا هناك في خلال ثمانين دقيقة, لكن المشكلة أننا لكي نصل إلي العذراء لابد أن نصعد حوالي تسعة آلاف متر فوق سطح الأرض, وهذا ما عرفته عندما أشار السائق إلي قمة ربوة عالية وقال هناك بيت مريم سنبدأ الآن رحلة الصعود. الطريق غير مزدوج والمنحنيات حادة جدا, وفي مثل هذه الظروف كان يمكن لقلبي أن يتوقف عن النبض تماما لمجرد النظر من نافذة السيارة أسفل الجبل, لم يكن يفصل بين السيارة وحافة الطريق سوي نصف متر كانت تقل عندما تقابلنا سيارة أخري, والغريب أن ميمت صرخ في سائق تاكسي تخطاه بأعجوبة وسبه بالتركي, ثم قال لنا بالإنجليزية إن هذا السائق حماريريد أن يقتلنا, وبعدها بثلاث دقائق قام ميمت بنفس حركة الحمار وتخطي سائقا آخر فخلع قلبنا معه, وعندما قلت له يبدو أن سائق التاكسي ليس الحمار الوحيد علي هذا الطريق, تقبل الدعابة بصدر رحب وضحك كثيرا وقال: يبدو أنك خائف, لا تخف أنا أمر من هنا يوميا. أخيرا بلغنا القمة, نطقت بالشهادتين وتنفست الصعداء, ونظرت إلي الأسفل فلم أصدق أننا بلغنا كل ذلك سالمين. سأنتظركما هنا بجوار السيارة, ولكن لا تتأخرا لأن المطاعم تغلق في الساعة الواحدة, لم أرد عليه وكذلك شريف, لقد وقعنا في الأسر منذ اللحظة الأولي التي هبطنا فيها من السيارة, كانت هناك سيارات كثيرة باصات وفان وميكروباص, كان هناك أناس كثيرون ورحلات مدارس, وكان هناك صمت تام, فهل أصيب الجميع بالخرس؟ لم تلتقط أذاننا سوي أنفاس البشر وصدي صوت ميمت وهو يخبرنا بشأن المطاعم الذي لم نفهم منه شيئا.لا ليس هذا اسمه الصمت أو حتي السكون, إنه صفة أخري لا أعرفها وإن كنت أحس بها جيدا بل وفهمتها تماما عندما أردت أن أكلم شريف فوجدتني أهمس إليه بجوار أذنه رغم أن أحدا لم يقل لنا ممنوع الكلام. المسافة بين ساحة انتظار السيارات وبيت مريم تقتضي السير لعشر دقائق تقل أو تزيد حسب استيعابك لإهاب المكان وتأملك لكل نسمة تعبر تلك البقعة لأنها ستصير بعد ساعة, ساعتين أو حتي بعد24 ساعة مجرد ذكري. أما أنا فلم أحترم أنني أصاحب مصورا فنانا وجهزت الكاميرا الخاصة بي ولم أفوت شيئا يمكن أن تلتقطه العدسة إلا وركزت الكاميرا عليه, الآن فقط أدركت لماذا كان يعاملنا ميمت كسياح, لابد أن خبرته بكل من يجيئون هذا المكان جعلته يفعل ذلك لأنني حين نظرت حولي وجدت الجميع يمسك بآلات التصوير حتي طلبة المدارس التركية الذين يعيشون غير بعيد يفعلون نفس ما يفعله الذين أتوا من كل بلدان الدنيا ليروا آخر بيت عاشت فيه العذراء أو ليستعيدوا السنوات التسع التي عاشتها أم المسيح فوق هذه الربوة العالية التي لم يدع فيها اللون الأخضر أي مساحة للون آخر عدا لون بيت العذراء.
بكل لغات العالم هاهو الممر, أو الممشي الذي يؤدي إلي مبتغانا, هنا تمشي وسط الناس وكأنك تمشي وحدك, علي الجانب الأيمن للممشي لوحات مكتوبة بكل لغات العالم لقصة هذا البيت, ومن الذي بناه ومن الذي اكتشفه ومن, ومن, وما الدليل علي أنه بيت مريم وليس مجرد استنتاج, آخر اللوحات كانت المكتوبة باللغة العربية الخط ركيك والأسلوب أيضا لدرجة أنني فضلت قراءة اللوحة الإنجليزية الأسهل والأوضح, ويبدو أن صاحب فكرة هذه اللوحات لم يتوقع حضور أي عربي هنا فأمر بكتابة اللوحة لمجرد أن العربية لغة من بين لغات العالم. ورغم أن زميل الرحلة يعرف الكثير عن هذا البيت باعتباره مسيحيا متدينا ومن ثم مدني ببعض المعلومات إلا أنني وقفت كثيرا أمام قصة هذا البيت الذي عرفه العالم من خلال رؤيا أو مجموعة من الرؤي لراهبة ألمانية عاشت في مقاطعة دولمن بمدينة فيستفاليا في الفترة من(1774 حتي1824) اسم الراهبة الأسطورية آنا كاترينا إيمريش وقد وصفوها بالأسطورية لأن ما رأته في منامها ما كان يمكن أن يصدق إلا بعد أن جاءت بعثة من ألمانيا إلي هذا المكان الذي نقف فيه الآن ووجدوا آثار الكنيسة الصغيرة الملحقة بالبيت, لقد رأت آنا كاترينا أماكن وأشخاصا رغم أنها كانت ملازمة للفراش لمدة12 عاما بسبب مرض عضال ألم بها, لقد رأت حياة المسيح وأمه من بدايتها إلي نهايتها وقصت علي من حولها ما رأته, وما لم يكن مكتوبا, قالت إن يوحنا أحد تلاميذ المسيح عمل بآخر وصية تلقاها من المسيح بأن يعتبر مريم أمه ولا يفارقها أبدا فظل يتنقل بها من مكان إلي مكان حتي استقر في إفاسوس التي استمرت بها تسع سنوات تصلي وتتعبد في كنيستها الصغيرة التي تبعد عنا خطوات ونشم عبيرها, ونحن نقف أمام اللوحة. لكن ما لم تكتبه اللوحة عن تلك الراهبة الألمانية أن الشاعر الألماني الرومانسي كليمانس برونتانو حين وصلته كلماتها ذهب إلي مدينة دولمن حيث تعيش وعمل سكرتيرا لها يدون كل ملاحظاتها وكلماتها, حتي أخرج للبشرية كتابين: الأول عام1835 ويحمل اسم نفس الفيلم الذي يراه العالم الآنThePassiomofChrist وخرج الكتاب الثاني بعد وفاته مباشرة عام1842 ويحمل اسمTheLifeofthevirginMaryaccordingtothevisionsofAnnaKathorim حياة العذراء مريم وفقا لرؤي آنا كاترينا. |
 | | سور الأمنيات أسفل منزل العذراء |
ويمكن القول بأن هذا الكتاب الثاني كان الدليل إلي بيت مريم لأنه يحوي دقائق الرحلة التي قامت بها مع يوحنا حيث مكثت ثلاث سنوات فيجبل سيون ثم ثلاث سنوات في بيساني ثم تسع سنوات في إفاسوس, ولمزيد من الدقة يقول في كتابه: والبيت ليس في إفاسوس المدينة الرومانية القديمة تماما, بل في الريف علي مقربة منها, وبتحديد أكثر علي تل يبعد قليلا عن إفاسوس المدينة الشهيرة, أما البيت نفسه فقد أعده يوحنا قبل أن يحضر إليه العذراء حيث حرص أن يكون محاطا بعائلات مسيحية ونساء عابدات استوطن بالفعل في أكواخ حول البيت حتي يؤنسن وحدة العذراء, وكان بيتها هو الوحيد المبني بالحجارة. وتأتي البعثات لتحقق مما جاء بالكتاب ويرون بأعينهم التفاصيل التي حكتها امرأة قديسة عن مكان لم تره في حياتها, بل ولم يسمع عنه أحد, ويتم اكتشاف البيت رسميا عام1891, بل ويكتشفون أن هناك طائفة من الناس اكتشفوا هذا المكان قبلهم وكانوا يأتون إليه حجاجا من بقاع شتي. ليس ثمة شك في أن هذا هو بيت مريم وتلك كنيستها التي زارها البابا بول الخامس وصلي بها, ثم البابا يوحنا بولس الثاني واحتمع خارجها مع الأساقفة وأقام قداسا ويكاد يكون المكان الوحيد في العالم الذي يؤمه المسلم والمسيحي.
علم الأشجار والأحجار لا يستقبلك البيت مباشرة بعد آخر اللوحات الإرشادية التاريخية التي عرفنا منها تاريخ البيت, لابد أن نقطع أكثر من عشرين خطوة قبلها وأظنها كانت كافية لاستعادة الجو الروحي بعد انتهاء حصة التاريخ, لقد أتعبوا أنفسهم كثيرا في سوق الأدلة علي أن هذا وليس سواه هو بيت مريم مع أن كل شيء غير مقروء يؤكد أن هذا المكان إن لم يكن يخصها فهو يخص أنقي القديسين وأتقي الأولياء وأطهر النساك العابدين, أنا أصدق ذلك وأحسه وهذا يكفيني, علي الأقل في تلك اللحظة التي لن أدعها تفلت مني دون أن أحتضن كل تفاصيلها. إذن هذا هو البيت, صغير, منخفض تحرسه شجرة عتيقة في حنو مدهش يفرض سطوته علي أشجار أخري تحيط به من جانبيه ومن خلفه وكأنها تخشي عليه من شعاع ضوء يمر بدون استئذان فيعكر صفو أهل البيت, لماذا لم أسأل أحدا عن أنواع هذه الأشجار الحانية, وهل توجد في مكان آخر من العالم أم أنها هنا من أجلها وحدها, ليتني كنت أفهم في علم الأشجار التي تحيط بالبيت وبعلم الأحجار التي بني بها البيت. علي الباب نامت هرة سوداء في وداعة غريبة, كان زوار البيت يدلفون من الباب بالعشرات ويمرون عليها لكنها كانت في سبات عميق لا تشعر بأحد, فلماذا تصاب القطط في أماكن أخري بالذعر إذا مر بجوارها شخص؟ أكانت قطة سوداء حقا أم هكذا شبه لي؟ أول ما تقع عليه عيناك تمثال العذراء المحاط بالورود والشموع, يشبه كل تماثيلها لكنه هنا يحمل ملامح إضافية ربما لتذكرك بأنه هنا ليرحب بك لأنك في بيت صاحبته, إذا كنت مسيحيا مثل شريف, فيجب أن تصلي أمام المذبح, أما أنا فقد أوقدت شمعة وتفحصت المكان, لا لم أتفحص بل لمسته شبرا شبرا وتمنيت في لحظتي تلك امتلاك أقوي حاسة شم بين الكائنات كي التقط ـ إلي جانب الصور ـ بعض عبير أهل البيت الأطهار. كان راعي الكنيسة غائبا لحظة وصولنا, وكانت لافتة ممنوع التصوير تحذرنا فاحترمها شريف وجلس في انتظار القس, لم يكن يتحدث الإنجليزية, فأفهمناه بما تبقي لدينا من منهج اللغة الفرنسية في المرحلة الثانوية بأننا صحفيون ونود التقاط بعض الصور, فسمح لنا مع إبداء ملاحظة لشريف بألا يقول له يا أبت لأنه ليس أبا ولكن أخ, مجرد أخ. بصراحة لم أسأل عن الفرق بين الأب والأخ, فقد كنت في عالم آخر لم يكتشف أحد أسراره حتي تلك اللحظة, وددت لو أعرف كيف كانت العذراء تقضي يومها في هذا المكان؟ هل كانت تصلي هنا وحدها؟ وماذا كانت تتلو في صلواتها؟ هل كانت تعرف حقيقة ما حدث؟ هل كانت تظن أن ابنها قد صلب أم كانت توقن بأنه صعد إلي السماء؟ ومن كان يزورها غير يوحنا؟ ماذا كانت تقول لزائريها؟ وكيف كان صوتها؟ هل كان واهنا حزينا أم قويا قاطعا؟ وهذا الركن من البيت ماذا يحمل من ذكريات؟ وذلك الركن وذلك الشبر من الأرض التي سارت فوقها, ماذا لو تكلم.. بماذا سيعترف؟ المكان ليس لنا وحدنا.. هيا بنا. أفقت علي كلمات شريف الذي استطرد: ألا تريد أن تشرب من مائها؟ أسفل البيت كان هناك ينبوع من الماء لا ينضب, شربنا منه حتي انتفخت البطن, ذكرتني حلاوته بماء زمزم الذي شرفت بالتجرع منه كثيرا. وبعد الماء كان هناك سور الأمنيات في انتظارنا, كل زائر يكتب أمنية ويطوي الورقة ويضعها في فتحة من السور الحديدي الطويل, لون الورق يدل علي التفاوت الزمني بين الأوراق التي احترق بعضها وتحول إلي رماد, كل الزوار يفعلون ذلك, وكذلك فعل شريف, أما أنا فقد استحيت أن أطلب إلا من الله, فهو أقرب إلي من هذا السور الذي أمسكه الآن بيدي, مع ذلك حرصت علي التقاط صورة لزميل رحلتي وهو يربط ورقة أمانيه بإحكام حتي لا تسقط من السور الحديدي. اقتربت الزيارة من لحظاتها الأخيرة, وهذا ما اكتشفناه حين فوجئنا بالسائق أمامنا يستحثنا علي العودة إلي السيارة لأن المطاعم تغلق في الواحدة. لقد أيقظنا الملعون من أجمل حلم, صرخت في وجهه قائلا: من قال لك إننا نريد الطعام, لقد تناولنا الإفطار في الفندق, فقال بكل بجاحة: يجب أن أتناول الغداء الآن ولن أسامحكما إذا فات موعد الغداء لأن المطاعم هنا تغلق في الواحدة,نحن في أوروبا ولسنا في بلادكم. كان المشهد عبثيا كوميديا أخرجنا ـ للأسف ـ من حالة الوجد والحبور التي كنا نعيشها قبل أن يظهرذلك الوغد الذي لمح الحسرة في عيوننا فقال: أستطيع أن أعيدكما هنا مرة أخري وأخل بالبرنامج ولكن بعد أن أطعم الكلاب التي تعوي في بطني, ومازال أمامنا زيارة مدينة إفاسوس التاريخية قبل أن يحل المساء. هممت بالتحرك صوب السيارة لكن قدماي أعلنتا العصيان, تجمدت في مكاني من حسرة الفراق, نظرت ورائي بشوق المفارقين فسألني شريك الرحلة: هل تريد العودة لكتابة أمنية؟ فقلت في نفسي: نعم إنها أمنية صغيرة بأن أصبح شجرة كبيرة.. تقف إلي باب بيت مريم, تظلله, تحميه, وترحب بزائريه, وهذه هي الوسيلة الوحيدة ـ فيما يبدو ـ للاستمرار في مكان لا يعرف الغضب أو الطمع, لا يعرف الزحام ولا التكالب, لا يسمح بالضجيج أو الصخب, لا ينسيك صلاة وصياما وقياما, لا يغريك بمال أو دنيا أو جاه. لكنها أمنية.. مجرد أمنية لم تتحقق* |
|
 |
|
|
 |
|
|