
|
أمـل لا يمــوت
|
 | |
د. مبروك عطية أستاذ ورئيس قسم اللغويات ــ كلية الدراسات الإسلامية ـ جامعة الأزهر لم يكن لديها شك أن ولدها الذي لم يعرف عنه أحد شيئا سيعود يوما, وأن هذا اليوم قريب بإذن الله, كانت تقول: وربي في سماه سيعود قنديل في ضي القناديل, والبدر منور في السما, وينادي علي ويقول: افتحي يا أمة مسكينة.. هكذا قال البعض, ذهب عقلها معذورة( الضنا غالي) هكذا قال آخرون, إه.. ربنا علي كل شيء قدير.. من يدري؟ هكذا قال الواعظ القديم, أما المحللون العبقريون, فاستندوا إلي العقل الصلب الذي لا يعرف( يا أمة ارحميني) لقد ذهب قنديل مع الذين ذهبوا في العدوان الثلاثي سنة1956 ومضت سنوات أربع تبين فيها الأسير, والمفقود والشهيد, وانزاح ليل الشك عن الفجر الجديد, ومن نساء المفقودين من تزوجت بعده وأنجبت, وهذه المرأة متعلقة بالوهم, والوهم بحر من الظلمات شديد قال بعض هؤلاء: إذا كان هذا حال أمة فما تقول في حال زوجته التي تعيش معها وأملها في عودته أكبر من أمل أمه؟ راجع كلامك من فضلك.. تعيش معها, يا ابني مين عاشر القوم أربعين يوما بقي منهم.. ما جمع إلا ما وفق.. ورد تلميذ كانت له علاقة بالكتب الصفراء القديمة وقال مترنما:الطيور علي أشكالها تقع كانت الأم تحتضن زوجة ولدها قنديل, ارتبطت بها ارتباط الأم بابنة أحشائها, وكان بينهما حبل سري, لم ينقطع, كانت تناديها: يا مراة الغالي, وكانت ترد عليها قائلة: نعم يا أمة, وإذا فعلت شيئا لا يرضيها لم تنسب هذا إلي نفسها, وإنما تقول: ألا تعرفين أن هذا لا يرضي قنديلا, ماذا تقولين له حين يرجع؟ تمر عليها الأيام والأشهر والأعوام, ولا يأس يعرف سبيلا إلي قلبيهما, ولا غيم يخيم علي صفاء أملهما في عودة الابن والزوج قنديل كانت أم قنديل تخاطبه وكأنه أمام عينيها, واقف أمامها, تعاتبه قائلة: ياما قلت لك ما تزعلشي عيشة يا قنديل.. دي غلبانة وبنت حلال يا واد أنت مالكش في الطيب نصيب.. بتشك فيها ليه.. بتشخط فيها ليه.. طب واللي خلق الخلق دي أحن عليك مني.. أنا أمك اللي شالتك في بطنها تسع تشهر, ورضعتك, وربتك وكبرتك.. وما استحملش عليك الهوا الطاير.. والله يا قنديل تعرف لو معاك واحدة غيرها كانت ورتك النجوم في عز الظهر, عايزه منديل بقويه وعايزه جلابية ناعمة ويمكن تقول لك عايزه جزمة.. هه هه.. كنت تعمل إيه ساعتها بقه.. عايزه تبقي السفيرة عزيزة دي غلبانة وشقيانة بتخبز وتعجن وتغسل وتنشر, وبتسرح بالبقرة ومراعيه عيشتك وظروفك. المنقد أمامها تقلب في الجمرات( البصابيص) وتنقل براد الشاي القديم الأسود فوقها من مكان إلي مكان, وبين اللحظة والأخري تنفخ في بعض هذه الجمرات, وتكمل حوارها وتقول: أنا عارفة أنك بتحب الشاي تقيل يا قنديل.. زي أبوك الله يرحمه.. وأنا رخرة.. كلنا بنشربوا الشاي تقيل عشان دماغنا بتوجعنا وتصحيها( عيشة). قومي يا أمة.. قومي.. خلاص أنا مش زعلانة.. قنديل قال لي: حقك عليه. وفي لحظة أو ثانية يطوف بها الواقع المر, فتقول: هو فين قنديل يا عيشة؟ فتقول عيشة. بكرة يرجع بالسلامة. طبعا إن شاء الله راجع بالسلامة إوعي يابت حد يضحك علي عقلك ويقول لك مش راجع. ودا كلام يا أمة.. ينقطع لسانه اللي يقول: مش راجع الأمل يكبر يوما بعد يوم, والناس تنسي, وتلقي بالأحكام, وقد حكمت بأن المرأتين من باب( الطيور علي أشكالها تقع), وفي ليلة غريبة من ليالي الشتاء, صحت الأم علي صوت النحيب الذي انبعث من حلق عيشة التي ترقد إلي جوارها, فهبت من نومها قائلة: بسم الله الرحمن الرحيم.. خير الله ما اجعله خيرا مالك يا عيشة! فانفطرت عيشة بالبكاء, الذي حاولت كتمانه حتي لا تنغص النوم علي جارتها ورفيقة دربها وأخت حظها, وتوأم حزنها, وشريكة أملها الذي نجح الشيطان في تلك الليلة أن يباعد بينها وبينه, وقالت: مافيش.. مافيش حاجة يا أمة! قنديل زعلك تاني يا عيشة؟ قنديل! قنديل فين.. فوقي بقه يا أمة.. فوقي وشوفي الحقيقة. يبقي زعلك مقصوف الرقبة تاني. مش لما يرجع يا أمة.. خلاص مافيش فايدة.. مش راجع. لو كان راجع كان رجع من زمان.. من سنة.. من اثنين. آه.. قولي بقه.. أنت فاض ما بيك.. ومش قادرة تستحملي.. عايزه أيه يا بت! تأزمت حالة عيشة في ليلة شاتية, تجمعت كل الأقوال في رأسها, استحكم العقل والمنطق, ونادي منادي اليأس, بعد أن سمحت لمنادي الأمل أن ينام قليلا. لقد جاء وفد بني فزارة بعد غزوة تبوك إلي النبي صلي الله عليه وسلم وكانوا بضعة عشر رجلا, فيهم خارجة بن الحصين, والحربن قيس, وأتوا رسول الله صلي الله عليه وسلم مقرين بالإسلام, فسألهم رسول الله صلي الله عليه وسلم عن بلادهم, فقالوا: يا رسول الله: أسنتت بلادنا( لم تنبت), وأجدبت أحياؤنا, وعريت عيالنا, وهلكت مواشينا, فادع ربك أن يغيثنا, وتشفع لنا إلي ربك, ويشفع ربك إليك, فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم سبحان الله! ويلك, هذا ما شفعت إلي ربي, فمن الذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا الله, وسع كرسيه السماوات والأرض, وهويئط( يسمع له صوت) من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد, إن الله يضحك من شفقتكم وأزلكم وقرب غياثكم, فقال الأعرابي ويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال( عليه الصلاة والسلام): نعم, فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرا, فضحك رسول الله صلي الله عليه وسلم من قوله. استمطر النبي صلي الله عليه وسلم السماء, فرفع يديه, وكان لا يرفع يديه إلي السماء إلا في الاستسقاء, رفع يديه حتي رؤي بياض إبطيه, وقال: اللهم اسق بلدك وبهائمك, وانشر رحمتك, وأحي بلدك الميت, اللهم اسقنا غيثا مغيثا مرئيا طبقا واسعا عاجلا غير آجل, نافعا غير ضار, اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب, ولا هدم ولا غرق ولا محق, اللهم اسقنا الغيث وانصرنا علي الأعداء, فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر, فقال: يا رسول الله, إن التمر في المرابد, فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: اللهم اسقنا, فقال أبو لبابة: التمر في المرابد, ثلاث مرات, فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: اللهم اسقنا حتي يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بإزاره( حجر مربده الذي يخرج منه ماء المطر) فاستهلت السماء وأمطرت, حتي أتي القوم أبالبابة يقولون له: يا أبا لبابة إن السماء والله لن تقلع حتي تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك, كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره فأقلعت السماء. ما أقرب الفرج لمن يرجو الفرج, وما أقرب الرحمة لمن كان محسنا إن رحمة الله قريب من المحسنين روي البخاري في صحيحه قول سيدنا النبي صلي الله عليه وسلم:رب أشعت أغبر لو أقسم علي الله لأبره في مناسبة جاء فيها قوله الشريف الصحيح موافقا لها, حيث أقسم أنس بن النصر ألا تقطع ثنية أخته الربيع, وقال له النبي صلي الله عليه وسلم إنما هو القصاص, لأنها كانت كسرت ثنية امرأة جارة لها, فأبي أهلها إلا السن بالسن, فقال أخوها أنس:والذي بعثك بالحق لا تقطع أبدا فرضي أهل الأولي, بعد إباء, وقالوا: لا تقطع يا رسول الله, فقال عليه الصلاة والسلام:رب أشعت أغبر لو أقسم علي الله لأبره الله, وفي الحديث القدسي:أنا عند ظن عبدي بي ومما يغفل عنه كثير من الناس أن البلاء موكل بالمنطق, أي النطق, فمن قال: لا أمل فلا أمل له, ومن قال: لا فائدة فلا فائدة له, ومن قال. لن يغفر الله لي فلن يغفر الله له وإن ضحك المولي عز وعلا والله أعلم بذلك( ليس كمثله شيء) أن الفرج الذي قد اقترب لايراه العبد المتأزم, لذلك يضحك, كما تضحك أنت لولدك الذي يظن أنه راسب في الامتحان وشهادته في جيبك, لو كان يعلم أنك في لحظة ستخرجها له لضحك وابتهج, وكزت الأم عيشة, وقالت: استعيذي بالله من الشيطان الرجيم, وقومي, أعدي لنا وضوءا, نصلي ركعتين قبل الفجر, ونقول معا: يارب. وقامت عيشة, وصبت علي أم قنديل فتوضأت, ثم توضأت بعدها, وبعد صلاة ركعتين, رفعت الأم والزوجة أيديهما إلي السماء, وقالت أم قنديل. يا عالم بعدد الحصا والرمل, وورق الشجر.. يا منزل المطر, يا حي يا قيوم.. ارحمنا برحمتك, وسوقه بقه يا قادر يا كريم فإذا بالباب يطرق, التفت عيشة إلي أم قنديل: سامعة حاجة يا أمة.. حد بيخبط ع الباب. سامعة بقلبي قبل وداني يا عيشة.. قومي افتحي لـقنديل هتفت, رمت بنفسها عند الباب, عانقت سوادا واقفا, سرعان ما ظهر نوره وبدا, واستحال علم اليقين عين يقين فإذا به قنديل*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|