372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أمـل لا يمــوت

‏ د‏.‏ مبروك عطية
أستاذ ورئيس قسم اللغويات ــ كلية الدراسات الإسلامية ـ جامعة الأزهر


لم يكن لديها شك أن ولدها الذي لم يعرف عنه أحد شيئا سيعود يوما‏,‏ وأن هذا اليوم قريب بإذن الله‏,‏ كانت تقول‏:‏ وربي في سماه سيعود قنديل في ضي القناديل‏,‏ والبدر منور في السما‏,‏ وينادي علي ويقول‏:‏ افتحي يا أمة مسكينة‏..‏ هكذا قال البعض‏,‏ ذهب عقلها معذورة‏(‏ الضنا غالي‏)‏ هكذا قال آخرون‏,‏ إه‏..‏ ربنا علي كل شيء قدير‏..‏ من يدري؟ هكذا قال الواعظ القديم‏,‏ أما المحللون العبقريون‏,‏ فاستندوا إلي العقل الصلب الذي لا يعرف‏(‏ يا أمة ارحميني‏)‏ لقد ذهب قنديل مع الذين ذهبوا في العدوان الثلاثي سنة‏1956‏ ومضت سنوات أربع تبين فيها الأسير‏,‏ والمفقود والشهيد‏,‏ وانزاح ليل الشك عن الفجر الجديد‏,‏ ومن نساء المفقودين من تزوجت بعده وأنجبت‏,‏ وهذه المرأة متعلقة بالوهم‏,‏ والوهم بحر من الظلمات شديد
قال بعض هؤلاء‏:‏ إذا كان هذا حال أمة فما تقول في حال زوجته التي تعيش معها وأملها في عودته أكبر من أمل أمه؟
راجع كلامك من فضلك‏..‏ تعيش معها‏,‏ يا ابني مين عاشر القوم أربعين يوما بقي منهم‏..‏ ما جمع إلا ما وفق‏..‏ ورد تلميذ كانت له علاقة بالكتب الصفراء القديمة وقال مترنما‏:‏الطيور علي أشكالها تقع كانت الأم تحتضن زوجة ولدها قنديل‏,‏ ارتبطت بها ارتباط الأم بابنة أحشائها‏,‏ وكان بينهما حبل سري‏,‏ لم ينقطع‏,‏ كانت تناديها‏:‏ يا مراة الغالي‏,‏ وكانت ترد عليها قائلة‏:‏ نعم يا أمة‏,‏ وإذا فعلت شيئا لا يرضيها لم تنسب هذا إلي نفسها‏,‏ وإنما تقول‏:‏
ألا تعرفين أن هذا لا يرضي قنديلا‏,‏ ماذا تقولين له حين يرجع؟ تمر عليها الأيام والأشهر والأعوام‏,‏ ولا يأس يعرف سبيلا إلي قلبيهما‏,‏ ولا غيم يخيم علي صفاء أملهما في عودة الابن والزوج قنديل كانت أم قنديل تخاطبه وكأنه أمام عينيها‏,‏ واقف أمامها‏,‏ تعاتبه قائلة‏:‏ ياما قلت لك ما تزعلشي عيشة يا قنديل‏..‏ دي غلبانة وبنت حلال يا واد أنت مالكش في الطيب نصيب‏..‏ بتشك فيها ليه‏..‏ بتشخط فيها ليه‏..‏ طب واللي خلق الخلق دي أحن عليك مني‏..‏ أنا أمك اللي شالتك في بطنها تسع تشهر‏,‏ ورضعتك‏,‏ وربتك وكبرتك‏..‏ وما استحملش عليك الهوا الطاير‏..‏ والله يا قنديل تعرف لو معاك واحدة غيرها كانت ورتك النجوم في عز الظهر‏,‏ عايزه منديل بقويه وعايزه جلابية ناعمة ويمكن تقول لك عايزه جزمة‏..‏ هه هه‏..‏ كنت تعمل إيه ساعتها بقه‏..‏ عايزه تبقي السفيرة عزيزة دي غلبانة وشقيانة بتخبز وتعجن وتغسل وتنشر‏,‏ وبتسرح بالبقرة ومراعيه عيشتك وظروفك‏.‏
المنقد أمامها تقلب في الجمرات‏(‏ البصابيص‏)‏ وتنقل براد الشاي القديم الأسود فوقها من مكان إلي مكان‏,‏ وبين اللحظة والأخري تنفخ في بعض هذه الجمرات‏,‏ وتكمل حوارها وتقول‏:‏
أنا عارفة أنك بتحب الشاي تقيل يا قنديل‏..‏ زي أبوك الله يرحمه‏..‏ وأنا رخرة‏..‏ كلنا بنشربوا الشاي تقيل عشان دماغنا بتوجعنا وتصحيها‏(‏ عيشة‏).‏
قومي يا أمة‏..‏ قومي‏..‏ خلاص أنا مش زعلانة‏..‏ قنديل قال لي‏:‏ حقك عليه‏.‏
وفي لحظة أو ثانية يطوف بها الواقع المر‏,‏ فتقول‏:‏
هو فين قنديل يا عيشة؟
فتقول عيشة‏.‏
بكرة يرجع بالسلامة‏.‏
طبعا إن شاء الله راجع بالسلامة إوعي يابت حد يضحك علي عقلك ويقول لك مش راجع‏.‏
ودا كلام يا أمة‏..‏ ينقطع لسانه اللي يقول‏:‏ مش راجع الأمل يكبر يوما بعد يوم‏,‏ والناس تنسي‏,‏ وتلقي بالأحكام‏,‏ وقد حكمت بأن المرأتين من باب‏(‏ الطيور علي أشكالها تقع‏),‏ وفي ليلة غريبة من ليالي الشتاء‏,‏ صحت الأم علي صوت النحيب الذي انبعث من حلق عيشة التي ترقد إلي جوارها‏,‏ فهبت من نومها قائلة‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏..‏ خير الله ما اجعله خيرا مالك يا عيشة‏!‏ فانفطرت عيشة بالبكاء‏,‏ الذي حاولت كتمانه حتي لا تنغص النوم علي جارتها ورفيقة دربها وأخت حظها‏,‏ وتوأم حزنها‏,‏ وشريكة أملها الذي نجح الشيطان في تلك الليلة أن يباعد بينها وبينه‏,‏ وقالت‏:‏
مافيش‏..‏ مافيش حاجة يا أمة‏!‏
قنديل زعلك تاني يا عيشة؟
قنديل‏!‏ قنديل فين‏..‏ فوقي بقه يا أمة‏..‏ فوقي وشوفي الحقيقة‏.‏
يبقي زعلك مقصوف الرقبة تاني‏.‏
مش لما يرجع يا أمة‏..‏ خلاص مافيش فايدة‏..‏ مش راجع‏.‏
لو كان راجع كان رجع من زمان‏..‏ من سنة‏..‏ من اثنين‏.‏
آه‏..‏ قولي بقه‏..‏ أنت فاض ما بيك‏..‏ ومش قادرة تستحملي‏..‏ عايزه أيه يا بت‏!‏
تأزمت حالة عيشة في ليلة شاتية‏,‏ تجمعت كل الأقوال في رأسها‏,‏ استحكم العقل والمنطق‏,‏ ونادي منادي اليأس‏,‏ بعد أن سمحت لمنادي الأمل أن ينام قليلا‏.‏
لقد جاء وفد بني فزارة بعد غزوة تبوك إلي النبي صلي الله عليه وسلم وكانوا بضعة عشر رجلا‏,‏ فيهم خارجة بن الحصين‏,‏ والحربن قيس‏,‏ وأتوا رسول الله صلي الله عليه وسلم مقرين بالإسلام‏,‏ فسألهم رسول الله صلي الله عليه وسلم عن بلادهم‏,‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله‏:‏ أسنتت بلادنا‏(‏ لم تنبت‏),‏ وأجدبت أحياؤنا‏,‏ وعريت عيالنا‏,‏ وهلكت مواشينا‏,‏ فادع ربك أن يغيثنا‏,‏ وتشفع لنا إلي ربك‏,‏ ويشفع ربك إليك‏,‏ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم سبحان الله‏!‏ ويلك‏,‏ هذا ما شفعت إلي ربي‏,‏ فمن الذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا الله‏,‏ وسع كرسيه السماوات والأرض‏,‏ وهويئط‏(‏ يسمع له صوت‏)‏ من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد‏,‏ إن الله يضحك من شفقتكم وأزلكم وقرب غياثكم‏,‏ فقال الأعرابي ويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال‏(‏ عليه الصلاة والسلام‏):‏ نعم‏,‏ فقال الأعرابي‏:‏ لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرا‏,‏ فضحك رسول الله صلي الله عليه وسلم من قوله‏.‏ استمطر النبي صلي الله عليه وسلم السماء‏,‏ فرفع يديه‏,‏ وكان لا يرفع يديه إلي السماء إلا في الاستسقاء‏,‏ رفع يديه حتي رؤي بياض إبطيه‏,‏ وقال‏:‏ اللهم اسق بلدك وبهائمك‏,‏ وانشر رحمتك‏,‏ وأحي بلدك الميت‏,‏ اللهم اسقنا غيثا مغيثا مرئيا طبقا واسعا عاجلا غير آجل‏,‏ نافعا غير ضار‏,‏ اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب‏,‏ ولا هدم ولا غرق ولا محق‏,‏ اللهم اسقنا الغيث وانصرنا علي الأعداء‏,‏ فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر‏,‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏,‏ إن التمر في المرابد‏,‏ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ اللهم اسقنا‏,‏ فقال أبو لبابة‏:‏ التمر في المرابد‏,‏ ثلاث مرات‏,‏ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ اللهم اسقنا حتي يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بإزاره‏(‏ حجر مربده الذي يخرج منه ماء المطر‏)‏ فاستهلت السماء وأمطرت‏,‏ حتي أتي القوم أبالبابة يقولون له‏:‏ يا أبا لبابة إن السماء والله لن تقلع حتي تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك‏,‏ كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره فأقلعت السماء‏.‏
ما أقرب الفرج لمن يرجو الفرج‏,‏ وما أقرب الرحمة لمن كان محسنا إن رحمة الله قريب من المحسنين روي البخاري في صحيحه قول سيدنا النبي صلي الله عليه وسلم‏:‏رب أشعت أغبر لو أقسم علي الله لأبره في مناسبة جاء فيها قوله الشريف الصحيح موافقا لها‏,‏ حيث أقسم أنس بن النصر ألا تقطع ثنية أخته الربيع‏,‏ وقال له النبي صلي الله عليه وسلم إنما هو القصاص‏,‏ لأنها كانت كسرت ثنية امرأة جارة لها‏,‏ فأبي أهلها إلا السن بالسن‏,‏ فقال أخوها أنس‏:‏والذي بعثك بالحق لا تقطع أبدا فرضي أهل الأولي‏,‏ بعد إباء‏,‏ وقالوا‏:‏ لا تقطع يا رسول الله‏,‏ فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏رب أشعت أغبر لو أقسم علي الله لأبره الله‏,‏ وفي الحديث القدسي‏:‏أنا عند ظن عبدي بي ومما يغفل عنه كثير من الناس أن البلاء موكل بالمنطق‏,‏ أي النطق‏,‏ فمن قال‏:‏ لا أمل فلا أمل له‏,‏ ومن قال‏:‏ لا فائدة فلا فائدة له‏,‏ ومن قال‏.‏ لن يغفر الله لي فلن يغفر الله له وإن ضحك المولي عز وعلا والله أعلم بذلك‏(‏ ليس كمثله شيء‏)‏ أن الفرج الذي قد اقترب لايراه العبد المتأزم‏,‏ لذلك يضحك‏,‏ كما تضحك أنت لولدك الذي يظن أنه راسب في الامتحان وشهادته في جيبك‏,‏ لو كان يعلم أنك في لحظة ستخرجها له لضحك وابتهج‏,‏ وكزت الأم عيشة‏,‏ وقالت‏:‏ استعيذي بالله من الشيطان الرجيم‏,‏ وقومي‏,‏ أعدي لنا وضوءا‏,‏ نصلي ركعتين قبل الفجر‏,‏ ونقول معا‏:‏ يارب‏.‏
وقامت عيشة‏,‏ وصبت علي أم قنديل فتوضأت‏,‏ ثم توضأت بعدها‏,‏ وبعد صلاة ركعتين‏,‏ رفعت الأم والزوجة أيديهما إلي السماء‏,‏ وقالت أم قنديل‏.‏
يا عالم بعدد الحصا والرمل‏,‏ وورق الشجر‏..‏ يا منزل المطر‏,‏ يا حي يا قيوم‏..‏ ارحمنا برحمتك‏,‏ وسوقه بقه يا قادر يا كريم فإذا بالباب يطرق‏,‏ التفت عيشة إلي أم قنديل‏:‏
سامعة حاجة يا أمة‏..‏ حد بيخبط ع الباب‏.‏
سامعة بقلبي قبل وداني يا عيشة‏..‏ قومي افتحي لـقنديل هتفت‏,‏ رمت بنفسها عند الباب‏,‏ عانقت سوادا واقفا‏,‏ سرعان ما ظهر نوره وبدا‏,‏ واستحال علم اليقين عين يقين فإذا به قنديل‏*‏