372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

ثورة علي‏(‏ السفير‏)‏ بونتي‏!‏

داود الفرحان


أهنئ في البداية مجلس الحكم الانتقالي علي اختياره علمه الجديد‏(‏ إسرائيلي‏)‏ الألوان والخطوط‏.‏ وعلي العراقيين أن يسعدهم العلم الجديد فقد فرز بشكل واضح لا لبس ولا نظريات مبهمة فيه‏.‏ الآن صار لمجلس الحكم والمتعاونين مع قوات الاحتلال الأمريكي متعددة الجنسيات علم خاص يختلف عن علم الشعب العراقي ذي الألوان العربية الإسلامية السائدة في معظم الأعلام العربية وبينها أعلام مصر والأردن وسوريا وفلسطين والكويت واليمن والسودان والإمارات‏.‏
الآن لن تستفزنا صورة هوشيار زيباري وهو يجلس خلف العلم الجديد ليدافع عن قوات الاحتلال كما كانت تفعل صورته خلف علم العراق‏.‏ ولن تزعجنا صورة علم العراق وهو يرفرف فوق مبني مجلس الحكم الانتقالي المعين من قبل قوات الاحتلال‏.‏ فلهم علمهم الذي يشابه عملهم ولنا علمنا‏.‏ وستظل أجساد شهداء العراق ملفوفة بالعلم العراقي الذي ارتبطت ألوانه ورموزه في الأذهان طوال أكثر من ثمانين عاما بمعاني العروبة والإسلام والفتوحات وقوافل الشهداء‏.‏
ورغم أن مجلس الحكم الذي لا يحكم سيحاول إرغام الوزارات ومؤسسات الدولة والمدارس والمستشفيات علي رفع العلم المرفوض الجديد‏,‏ فإن علم العراق الأصيل سيظل مرفوعا في ضمائر العراقيين والعرب وأناشيد التلاميذ ومظاهرات الإرادة الوطنية ومجالس عزاء الشهداء‏.‏ فهذا العلم ليس علم صدام ولا نظامه رغم أنه أضاف إليه عبارة‏'‏ الله أكبر‏'‏ لأسباب انتهازية لا علاقة لها بالإيمان أو الدين‏.‏ويلاحظ الجـميع أن مجلـس الحكم الانتقالـي الذي حان أجله ولن يمشــي أحد في جنازته بدأ يتخبط في قراراته ويفقد توازنه منذ أن أعلن المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي أن عملية نقل السلطة في‏30‏ يونيو‏(‏ حزيران‏)‏ المقبل ستبدأ بحل المجلس وإلغائه من المفكرة العراقية‏.‏ ونبـه الإبراهـيمي أيضا إلي أن أحـدا من أعضاء المجلس لن يجلس علي مقاعد الحكومة القادمة وفي مقدمتهم الأعضاء‏(‏ الكبار‏)‏ الذين ظنوا أنهم ورثوا مزرعة صدام حسين فوزعوها علي الأقارب والنسايب والحبايب‏.‏ ومن المتوقع أن يستمر المجلس في اتخاذ قرارات النزع الأخير‏,‏ مثلما تفعل إدارة الاحتلال التي كلما تصورت أنها سيطرت علي العراقيين انفتحت أمامها وخلفها نيران المقاومة الوطنية في كل أنحاء البلاد‏.‏ اعتقد الأمريكيون في البداية أن خطأ حساباتهم في العراق يكمن في الحاكم المدني السابق الجنرال المتقاعد جي‏.‏ جارنر الذي اعتبر نفسه محرر العراقيين‏,‏ فعزلوه بعد أشهر قليلة وجاءوا بالسفير بول بريمر خبير الإرهاب الدولي الذي تصرف مع الشعب العراقي بعقلية ناظر المدرسة المتعسف الذي لا يعرف غير لغة الخيزرانة‏.‏ وياليتها كانت خيزرانة فقط‏.‏ فقد امتدت وتنوعت لتشمل المدافع والدبابات والقناصة وطائرات الهليكوبتر والطائرات المقاتلة والقاصفة والقنابل العنقودية‏.‏ وشملت الخيزرانة الأمريكية‏(‏ ببركاتها‏)‏ عرب العراق من السنة والشيعة الذين رفضوا الاحتلال شكلا ومضمونا‏.‏ وبلغت الجريمة بهذا السفير الأنيق أنه ارتكب مذابح واسعة في مختلف المدن العراقية وشن حرب إبادة جماعية لا تستثني أحدا من الأطفال والنساء والشيوخ بحجة مطاردة المقاومة‏.‏ ووسط صور نعوش الجنود الأمريكيين والآلات الحربية الأمريكية المحترقة انتهت فترة صلاحية السفير بريمر ليخلفه مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة جون نيجرو بونتي الذي سيصبح أول سفير لبلاده في العراق بعد سقوط صدام‏.‏ ويعرف العرب والعالم جيدا من هو بونتي هذا الذي لا يرفع يده في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن إلا دفاعا عن‏(‏ إسرائيل‏)‏ واستخداما للفيتو ضد جرائمها وعدوانيتها‏.‏ والعراقيون لا يتوقعون خيرا من بونتي بعد الذي رأوه ولمسوه وعايشوه من جارنر وبريمر‏.‏ فهو أسوأ خلف لأسود سلف‏.‏ وقد بدأ‏(‏ عهده‏)‏ وهو في نيويورك بالتعهد بالقضاء علي المقاومة العراقية المسلحة التي تقاتل القوات الأمريكية‏!‏
وقال بعجرفته المعتادة‏:'‏ ليس هناك مكان للمقاومة المسلحة في العراق ولابد من تولي أمرها‏'.‏ ومعني هذا أن بونتي الذي سيتولي مهام عمله في أكبر سفارة أمريكية في العالم تحتل مبني القصر الجمهوري العراقي‏,‏ بدأ يتحدث منذ الآن عما سيفعله في ظل السلطة العراقية المزعومة مشيرا إلي أنه سيواجه العنف بالعنف‏,‏ رغم أن ذلك يعتبر حسب المعايير الدبلوماسية تدخلا في الشئون الداخلية لبلد يفترض أنه مستقل بعد انتهاء الاحتلال‏,‏ وخروجا عن حدود عمله الدبلوماسي‏,‏ واعترافا صريحا بأنه ليس مجرد سفير وإنما‏(‏ مندوب سامي‏)‏ لسلطة الانتداب الأمريكي‏.‏
يتذكر كثير من رواد السينما العالمية فيلما سينـمائيا شـهيرا عنوانه‏(‏ ثورة علي السفينة بونتي‏)‏ من بطولة النجم الشهير مارلون براندو‏.‏ ولعلنا نستبق ما سيحدث في العراق من ثورة علي‏(‏ السفير‏)‏ بونتي إذا تحول من دبلوماسي إلي مجرد راعي بقر‏.‏