372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حكاية الفتي فانونو‏...!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


انتشي العرب جميعا مع خروج موردخاي فانونو من السجن رافعا أصابعه بعلامة النصر‏,‏ وداعيا العالم إلي التدخل ضد الأسلحة النووية الإسرائيلية‏,‏ ومدينا للمؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية وعدوانيتها‏,‏ وكان كل ذلك مطربا للحي العربي‏,‏ فها هو شاهد من أهلها يقول بما نقول به من أن إسرائيل ليست دولة عدوانية وتوسعية فقط‏,‏ بل إنها أيضا تكدس أسلحة الدمار الشامل لكي تهدد الأمن الإقليمي والأمن العالمي‏,‏ وربما كانت أشجي النغمات التي جاء بها فانونو هي أنه أثبت للمرة المليون ازدواجية المعايير العالمية والغربية والأمريكية خاصة‏,‏ فبعد أن أقاموا الدنيا وأقعدوها علي أسلحة الدمار الشامل العراقية والسورية والإيرانية والليبية‏,‏ ها هم ينظرون إلي الناحية الأخري ويتجاهلون أن إسرائيل لديها أكبر ترسانة من الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية‏,‏ ولمن لديه أي شك فيما نقول‏,‏ ما عليه إلا أن يذهب إلي السيد فانونو ويحصل منه علي الدليل‏,‏ فقد كان هناك داخل مفاعل ديمونة‏,‏ وصور الأدلة وأخذها إلي صحيفة الصاندي تايمز‏,‏ ونشرت في كل العالم‏,‏ فماذا بقي بعد ذلك لكي يتحرك العالم ضد إسرائيل‏,‏ ويرفع مقته وغضبه عنا؟
ولكن القضية ليست إحراج الغرب والشرق والولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ كما أن القضية ليست كسب مساجلة كلامية حول الطرف الذي لديه معايير مزدوجة‏,‏ كما أن القضية أيضا ليست رفع الذنب والمعصية عن كاهلنا وإلقائها علي الطرف الآخر‏,‏ فجوهر القضية الموضوع هو كيف يكون حادث انتهاء فترة سجن فانونو دافعا‏,‏ أو واحدا من الدوافع حتي ولو كانت صغيرة‏,‏ نحو الحصول علي الحقوق العربية‏,‏ والتخفيف عن كاهل الشعب الفلسطيني وما يعانيه تحت الاحتلال الإسرائيلي؟ ومن المرجح أن من يطرح عليه هذا السؤال سوف يهز أكتافه لأنه علي الأرجح لن يفكر أبدا في الصراع العربي ـ الإسرائيلي علي أنه من أجل حقوق في الأرض والبقاء ينبغي استعادتها‏,‏ وإنما بات يري الصراع نوعا من تحقيق الألم المتبادل‏,‏ والانتقام والثأر الذي لا ينتهي‏.‏
ونتيجة لهذه الرؤية‏,‏ فإنه لم يعد ضروريا أن نفهم أسباب ودوافع واتجاهات عمليات المقاومة الفلسطينية‏,‏ ولا أسباب ودوافع واتجاهات التعامل مع أحداث مثل خروج فانونو من السجن‏,‏ ولأن ذلك هو الحال‏,‏ فإن العالم والغرب والولايات المتحدة يأخذون مواقفهم التي نراها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ بل وتتراجع مواقفهم إزاء حقوقنا كل يوم‏,‏ فلا أظن أنه من الصحيح أن العالم لا يعلم شيئا عن أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية‏,‏ بل إنه يصعب علي الذكاء العادي قبول أن وسائل المخابرات الغربية‏,‏ والأمريكية خاصة‏,‏ لا تعرف تفاصيل التفاصيل عن أسحة الدمار الشامل الإسرائيلية‏,‏ ولكن هذه المعرفة لا تغني شيئا في المجال العملي‏,‏ اللهم أنها خلقت اتفاقا غير مكتوب لا تعترف فيه إسرائيل صراحة بوجود الأسلحة‏,‏ وفي المقابل يصمت الجميع علي ما يراه‏,‏ ومن الناحية الإستراتيجية والعملية البحتة‏,‏ فإن الأمر لن يختلف كثيرا في حالة الإعلان عن هذه الأسلحة اللهم إلا في إضافة أعداد جديدة من لطم الخدود العربية المتورمة أصلا من اللطم المستمر‏.‏
وإذا كان العالم يعرف ويسكت فإن وجه القضية الآخر هو أن فانونو الذي يمثل معسكرا إسرائيليا كاملا كان موجودا ومتسعا وجاهزا للانسحاب من الأراضي الفسطينية المحتلة‏,‏ وجد نفسه ليس فقط في السجون الإسرائيلية‏,‏ وإنما أيضا معزولا ومطرودا لأن العرب لا يريدون التعامل معه مخافة الاتهام بالتطبيع‏,‏ وحتي هذه اللحظة فيما أعلم فإن أحدا علي الجانب العربي لم يكن مستعدا لتحية السيد فانونو وشجاعته في الوقوف أمام مجتمع بأسره‏,‏ وكشف أهم أسراره‏,‏ أو ما يتوهم أنه أهم أسراره‏,‏ ولم أسمع عن جهة عربية واحدة علي استعداد لمنح فانونو جائزة للسلام الذي قضي الرجل ثمنا له ثمانية عشر عاما في السجن كان معظمها انفراديا‏,‏ وحتي هذه اللحظة لم يتلق الرجل دعوة من جامعة عربية أو من مركز عربي للدراسات يدعوه لإلقاء محاضرة عن السلاح النووي الإسرائيلي‏,‏ بل إن محطة تليفزيون فضائية أو غير فضائية عربية لم تقبله ضيفا عليها‏.‏
نتيجة هذا الموقف المزودج القائم من جانب علي الانتشاء والاحتفاء والطرب من حكاية السيد فانونو بعد خروجه من السجن‏,‏ ورفض اللقاء معه أو التواصل معه بأي شكل كأنه نوع من النجاسة التي لا يجوز الاقتراب منها من جانب آخر‏,‏ هو الذي يخلف معضلتنا العالمية‏,‏ ويمنعنا من الوصول إلي حقوقنا‏,‏ وما لم نكن علي استعداد لمواصلة الصراع حتي نهاية التاريخ‏,‏ أو علي استعداد لإقامة حالة من الرادع النووي والكيماوي والبيولوجي‏,‏ فإن تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي بطريقة تكفل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام‏1967‏ لن تتحقق ما لم يوافق علي ذلك أكثر من‏50%‏ لابد وأن يكونوا من أمثال فانونو‏.‏
فحكاية السيد فانونو إذن ليست أنه فضح السلاح النووي الإسرائيلي‏,‏ فذلك علي شجاعته صار سرا مفضوحا منذ وقت طويل‏,‏ ولكن الحكاية الأصلية هي الموقف الذي دفع الرجل للقيام بهذه الخطوة‏,‏ وما دفعه لتحمل السجن والثبات علي كل مواقفه بعد ذلك‏,‏ وفي وقت من الأوقات كان هناك من أمثال فانونو في إسرائيل الكثير‏,‏ وفي بعض الأحيان اقتربوا من النسبة السحرية التي تقيم السلام‏,‏ ولكننا لم نفعل شيئا إزاءها لكي ننميها ونحافظ عليها‏,‏ وندفع اليهود فيها للالتحام مع الأقلية العربية داخل إسرائيل في جبهة واحدة للتحرر والحرية‏,‏ وعلي العكس فإن عمليات العنف الفلسطينية الانتحارية لم تفرق بين الدافعين للاحتلال‏,‏ والقابلين بالسلام‏,‏ وكانت النتيجة ما نعرفه جميعا الآن‏,‏ جاء شارون‏,‏ واستمر في السلطة‏,‏ وتقلص رفاق فانونو واحدا بعد الآخر‏,‏ أو أنهم تركوا إسرائيل كلية لمجموعة من المتعصبين والعنصريين والمجانين أحيانا الذين حققوا ما يتخوف منه العرب تماما‏,‏ فقد ضموا مزيدا من الأراضي‏,‏ وأقاموا السور فوق الأراضي الفلسطينية‏,‏ وزاد الاستيطان يوما بعد يوم‏.‏
ولما كان الحال كذلك‏,‏ فقد أصبح الموقف العالمي علي ما هو عليه‏,‏ وبقية الحكاية معروفة‏,‏ فالعالم لا يثق في أننا نريد السلام حقا‏,‏ لأنه لو كنا نريد ذلك فما الذي يمنعنا من التعامل مع فانونو وأمثاله‏,‏ ولماذا فشل كل هؤلاء الذين يحاولون بأجسادهم منع الجرافات الإسرائيلية من بناء المستوطنات في تقديم حجة قوية للمجتمع الإسرائيلي أن هناك علي الجانب العربي الآخر من يقبلونهم‏,‏ ولماذا لا تقوم قائمة لكلام العرب عن المبادرة العربية‏,‏ ولا تقوم قائمة لمن وافقوا علي وثيقة جنيف كيف نقول هذه الحكاية وإسرائيل تقوم بما تقوم به‏,‏ الإجابة إنه لا يوجد طريق آخر‏!!‏


للرد على المقال أضغط هنا