
|
حكاية الفتي فانونو...! |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد انتشي العرب جميعا مع خروج موردخاي فانونو من السجن رافعا أصابعه بعلامة النصر, وداعيا العالم إلي التدخل ضد الأسلحة النووية الإسرائيلية, ومدينا للمؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية وعدوانيتها, وكان كل ذلك مطربا للحي العربي, فها هو شاهد من أهلها يقول بما نقول به من أن إسرائيل ليست دولة عدوانية وتوسعية فقط, بل إنها أيضا تكدس أسلحة الدمار الشامل لكي تهدد الأمن الإقليمي والأمن العالمي, وربما كانت أشجي النغمات التي جاء بها فانونو هي أنه أثبت للمرة المليون ازدواجية المعايير العالمية والغربية والأمريكية خاصة, فبعد أن أقاموا الدنيا وأقعدوها علي أسلحة الدمار الشامل العراقية والسورية والإيرانية والليبية, ها هم ينظرون إلي الناحية الأخري ويتجاهلون أن إسرائيل لديها أكبر ترسانة من الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية, ولمن لديه أي شك فيما نقول, ما عليه إلا أن يذهب إلي السيد فانونو ويحصل منه علي الدليل, فقد كان هناك داخل مفاعل ديمونة, وصور الأدلة وأخذها إلي صحيفة الصاندي تايمز, ونشرت في كل العالم, فماذا بقي بعد ذلك لكي يتحرك العالم ضد إسرائيل, ويرفع مقته وغضبه عنا؟ ولكن القضية ليست إحراج الغرب والشرق والولايات المتحدة الأمريكية, كما أن القضية ليست كسب مساجلة كلامية حول الطرف الذي لديه معايير مزدوجة, كما أن القضية أيضا ليست رفع الذنب والمعصية عن كاهلنا وإلقائها علي الطرف الآخر, فجوهر القضية الموضوع هو كيف يكون حادث انتهاء فترة سجن فانونو دافعا, أو واحدا من الدوافع حتي ولو كانت صغيرة, نحو الحصول علي الحقوق العربية, والتخفيف عن كاهل الشعب الفلسطيني وما يعانيه تحت الاحتلال الإسرائيلي؟ ومن المرجح أن من يطرح عليه هذا السؤال سوف يهز أكتافه لأنه علي الأرجح لن يفكر أبدا في الصراع العربي ـ الإسرائيلي علي أنه من أجل حقوق في الأرض والبقاء ينبغي استعادتها, وإنما بات يري الصراع نوعا من تحقيق الألم المتبادل, والانتقام والثأر الذي لا ينتهي. ونتيجة لهذه الرؤية, فإنه لم يعد ضروريا أن نفهم أسباب ودوافع واتجاهات عمليات المقاومة الفلسطينية, ولا أسباب ودوافع واتجاهات التعامل مع أحداث مثل خروج فانونو من السجن, ولأن ذلك هو الحال, فإن العالم والغرب والولايات المتحدة يأخذون مواقفهم التي نراها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي, بل وتتراجع مواقفهم إزاء حقوقنا كل يوم, فلا أظن أنه من الصحيح أن العالم لا يعلم شيئا عن أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية, بل إنه يصعب علي الذكاء العادي قبول أن وسائل المخابرات الغربية, والأمريكية خاصة, لا تعرف تفاصيل التفاصيل عن أسحة الدمار الشامل الإسرائيلية, ولكن هذه المعرفة لا تغني شيئا في المجال العملي, اللهم أنها خلقت اتفاقا غير مكتوب لا تعترف فيه إسرائيل صراحة بوجود الأسلحة, وفي المقابل يصمت الجميع علي ما يراه, ومن الناحية الإستراتيجية والعملية البحتة, فإن الأمر لن يختلف كثيرا في حالة الإعلان عن هذه الأسلحة اللهم إلا في إضافة أعداد جديدة من لطم الخدود العربية المتورمة أصلا من اللطم المستمر. وإذا كان العالم يعرف ويسكت فإن وجه القضية الآخر هو أن فانونو الذي يمثل معسكرا إسرائيليا كاملا كان موجودا ومتسعا وجاهزا للانسحاب من الأراضي الفسطينية المحتلة, وجد نفسه ليس فقط في السجون الإسرائيلية, وإنما أيضا معزولا ومطرودا لأن العرب لا يريدون التعامل معه مخافة الاتهام بالتطبيع, وحتي هذه اللحظة فيما أعلم فإن أحدا علي الجانب العربي لم يكن مستعدا لتحية السيد فانونو وشجاعته في الوقوف أمام مجتمع بأسره, وكشف أهم أسراره, أو ما يتوهم أنه أهم أسراره, ولم أسمع عن جهة عربية واحدة علي استعداد لمنح فانونو جائزة للسلام الذي قضي الرجل ثمنا له ثمانية عشر عاما في السجن كان معظمها انفراديا, وحتي هذه اللحظة لم يتلق الرجل دعوة من جامعة عربية أو من مركز عربي للدراسات يدعوه لإلقاء محاضرة عن السلاح النووي الإسرائيلي, بل إن محطة تليفزيون فضائية أو غير فضائية عربية لم تقبله ضيفا عليها. نتيجة هذا الموقف المزودج القائم من جانب علي الانتشاء والاحتفاء والطرب من حكاية السيد فانونو بعد خروجه من السجن, ورفض اللقاء معه أو التواصل معه بأي شكل كأنه نوع من النجاسة التي لا يجوز الاقتراب منها من جانب آخر, هو الذي يخلف معضلتنا العالمية, ويمنعنا من الوصول إلي حقوقنا, وما لم نكن علي استعداد لمواصلة الصراع حتي نهاية التاريخ, أو علي استعداد لإقامة حالة من الرادع النووي والكيماوي والبيولوجي, فإن تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي بطريقة تكفل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام1967 لن تتحقق ما لم يوافق علي ذلك أكثر من50% لابد وأن يكونوا من أمثال فانونو. فحكاية السيد فانونو إذن ليست أنه فضح السلاح النووي الإسرائيلي, فذلك علي شجاعته صار سرا مفضوحا منذ وقت طويل, ولكن الحكاية الأصلية هي الموقف الذي دفع الرجل للقيام بهذه الخطوة, وما دفعه لتحمل السجن والثبات علي كل مواقفه بعد ذلك, وفي وقت من الأوقات كان هناك من أمثال فانونو في إسرائيل الكثير, وفي بعض الأحيان اقتربوا من النسبة السحرية التي تقيم السلام, ولكننا لم نفعل شيئا إزاءها لكي ننميها ونحافظ عليها, وندفع اليهود فيها للالتحام مع الأقلية العربية داخل إسرائيل في جبهة واحدة للتحرر والحرية, وعلي العكس فإن عمليات العنف الفلسطينية الانتحارية لم تفرق بين الدافعين للاحتلال, والقابلين بالسلام, وكانت النتيجة ما نعرفه جميعا الآن, جاء شارون, واستمر في السلطة, وتقلص رفاق فانونو واحدا بعد الآخر, أو أنهم تركوا إسرائيل كلية لمجموعة من المتعصبين والعنصريين والمجانين أحيانا الذين حققوا ما يتخوف منه العرب تماما, فقد ضموا مزيدا من الأراضي, وأقاموا السور فوق الأراضي الفلسطينية, وزاد الاستيطان يوما بعد يوم. ولما كان الحال كذلك, فقد أصبح الموقف العالمي علي ما هو عليه, وبقية الحكاية معروفة, فالعالم لا يثق في أننا نريد السلام حقا, لأنه لو كنا نريد ذلك فما الذي يمنعنا من التعامل مع فانونو وأمثاله, ولماذا فشل كل هؤلاء الذين يحاولون بأجسادهم منع الجرافات الإسرائيلية من بناء المستوطنات في تقديم حجة قوية للمجتمع الإسرائيلي أن هناك علي الجانب العربي الآخر من يقبلونهم, ولماذا لا تقوم قائمة لكلام العرب عن المبادرة العربية, ولا تقوم قائمة لمن وافقوا علي وثيقة جنيف كيف نقول هذه الحكاية وإسرائيل تقوم بما تقوم به, الإجابة إنه لا يوجد طريق آخر!!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|