372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

اللمبة
مسرحية مخصصة للمعاقين

ممدوح عدوان


قبل سنوات كتب ممدوح عدوان مسرحية مخصصة للمعاقين بعنوان اللمبة‏,‏ وقد قدمت علي مسرح خاص بالمعاقين في معهد مخصص لهم في دمشق‏,‏ كما قدمت في القاهرة أيضا‏.‏
وكان الممثلون أنفسهم في دمشق من المعاقين جسديا‏.‏ وكذلك كان الجمهور في العروض الأولي‏,‏ لكن مع تقدم أيام العروض بدأت المسرحية تجتذب جمهورا متنوعا‏,‏ بدأ بأهل الطلاب‏,‏ ثم بدأت تجتذب جمهورا آخر‏.‏ عن التهيؤ لكتابة النص التقيت برجل يجلس علي الأرض ولا يبدو عليه أنه يشكو من أي عاهة‏.‏ فوقفت معه أحادثه‏.‏ وخلال الحديث قال لي‏:‏ ياابني‏,‏ أنا ليس لدي ما أشتغله‏,‏ ولذلك تراني مطفأ‏.‏ وابن آدم مثل اللمبة‏.‏ إذا شغلته أضاء وإذا تركته دون تشغيل فإنه يظل معتما‏.‏
قلت لنفسي‏:‏ هذا هو مفتاح العمل الذي سأكتبه‏,‏ وهذا هو عنوانه اللمبة‏,‏ فالذين لا نعطيهم فرصة العمل يظلون مطفئين‏,‏ والآخرون يكونون مضيئين بمقدار ما ينهمكون في عملهم ويبدعون فيه‏.‏
إن جمهور الأسوياء يحاول تجاهل العاهة من قبيل اللطف والمجاملة والأدب‏,‏ لكنه في أعماقه يظل متقززا ومشفقا‏.‏
هذا أول ما طالبنا أنفسنا بالتخلص منه‏.‏ يتحدث المشوه عن تشوهه فور ظهوره‏,‏ وكما هو في حياته الحقيقية قد يسخر من عاهته أو من عاهة زميله‏,‏ وتلك مسألة من صميم حياة المعاق‏.‏ إنه في حياته يعايش إعاقته‏,‏ أي أنه يعرفها ويعرف ما يمكن أن تثيره‏,‏ لكنه لا يقف عندها لأنه يريد أن يعيش‏.‏
وقد لمسنا جانبا من النجاح‏,‏ من زاوية الإجابة عن الأسئلة‏.‏
خلال أيام قليلة من التدريبات لم يعد المعاقون يتعاملون مع التجربة كمعاقين‏,‏ بل كممثلين‏.‏ صاروا يبحثون عن الإتقان والجودة وحسن التعبير‏,‏ وظهر بينهم التنافس وشئ من الحسد‏,‏ وخاصة في تمثيل المشاهد العاطفية‏.‏ وخلال الأيام الأولي من العروض‏,‏ وبعد اكتشافهم ونجاحهم أمام جمهور متنوع فتح الباب للجمهور مجانا‏,‏ تعززت في أعماقهم ثقة لا تختلف عن الثقة التي تجدها عند نجوم المسرح المحترفين‏.‏ وصار كل ممثل يعرف أين يكمن نجاحه في العرض‏,‏ بل إن العلاقات خارج الخشبة تغيرت‏,‏ العلاقات فيما بينهم‏,‏ وكذلك العلاقات معنا ومع الجمهور‏.‏
وصار واحدهم يعرف أنه إذا ظهر عند باب المسرح أثناء خروج الجمهور‏,‏ فإن كثيرين سوف يلتفون حوله ويتعاملون معه كنجم‏.‏ كما صار واحدهم يهدد عند إغضابه بأن يترك العمل وهو واثق من أنه سيترك فراغا كبيرا لا يعوض‏.‏ وفي الأيام الأولي كانوا شأنهم شأن أي فرقة هاوية‏,‏ يعولون علي مجئ أسماء معروفة مدير المعهد‏,‏ الوزير ونجوم الفن المشهورين‏,‏ وقد تحقق هذا‏,‏ فقد بدأ العرض مع مهرجان دمشق للفنون المسرحية‏,‏ وقد توقف هذا المهرجان منذ احتلال العراق للكويت‏.‏ ولم يستأنف بعد حتي الآن‏,‏ وكانوا سعداء جدا بردود الفعل خاصة حين جاءهم دريد لحام مثلا‏,‏ وأسعد فضة الفنان ومدير المسارح في حينها‏,‏ ثم ضيوف مهرجان دمشق للفنون المسرحية‏.‏ في الأيام الأولي كانوا يتساءلون‏:‏ من حضر اليوم؟ وماذا كان رأيه؟ وبعد أيام لم يعد هذا يعني لهم شيئا‏,‏ مئات الناس الذين كانوا يحضرون والمئات ممن يعاتبون‏,‏ يعاتبونهم لأنهم جاءوا ولم يجدوا أمكنة‏,‏ جعلتهم يحسون أنهم لا يختلفون كثيرا عن النجوم الذين كانوا يتمنون مجيئهم‏.‏
وأذكر ذات يوم أثناء التدريبات قال لي أحد الممثلين الشباب‏:‏ سمعنا إن المخرج يكون قاسيا مع الممثلين‏,‏ لكن هذا المخرج لطيف معنا دائما‏.‏ لماذا؟ ألأننا معاقون؟ قلت له وزملاؤه منشغلون بتدريباتهم‏:‏ حين لا يكون هناك داع للقسوة فلماذا نستخدمها؟
قال ضاحكا بصوت عال‏:‏ أحب أن أسمع منه شتيمة أو صرخة لكي أتأكد من أنه يراني إنسانا عاديا مثل غيري‏.‏ و يبدو أن أصواتنا كانت مرتفعة‏,‏ وإذا بالمخرج يصرخ بعصبية‏:‏ وطوا صوتكم‏.‏ العمي‏.‏ ما شايفين فيه بروفة؟
التفت إلي الممثل الشاب هامسا‏:‏ أرضيت الآن؟
هذه الملاحظات علي تجربة العرض في دمشق‏.‏ وبتحول النص من العامية إلي الفصحي المبسطة عند نشره في مجلة الحياة المسرحية‏,‏ إنما نطمح إلي إتاحة فرصة قراءته وفهم حوارياته من قبل قطاع أوسع من المثقفين والمعنيين بغية إعادة التجربة علي النص ذاته‏,‏ أو تجربة كتابة نصوص أخري بعد سماع الملاحظات والتصحيحات اللازمة‏.‏ وفي الختام‏,‏ هذا نص مكتوب لمسرح المعاقين‏,‏ لكنه يطمح إلي أن يكون دراما تستطيع مواجهة النقد الدرامي‏.‏
‏ شاعر وكاتب سوري