372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الهوية وألعابها

نبيل عبد الفتاح


تبدو مفردة واصطلاح الهوية من أكثر الكلمات شيوعا في لغات عديدة حية في عالمنا‏.‏ حينا تطرح في مجال تحديد الكاتب‏,‏ أو جماعة‏,‏ أو حزب‏,‏ أو صفوة حاكمة لذاتها الفردية‏-‏ حال وجودالفرد وميلاده داخل ثقافة ما‏-‏ أو لذات جماعية‏,‏ وغالبا ما يكون هذا الضبط لتعريف الذات صارما ومحددا‏,‏ وفي أحيان أخري يعكس تشوشا‏,‏ أو اضطرابا وبالأحري يعد تعبيرا عن تمزقات ذات طبيعة فاوستية قاسية‏.‏ هذا الصعود لمفردة الهوية وأزمة الهوية وانقسامات الهوية ونزاعاتها يعكس تناقضات ومشكلات حادة تمس الأنا الفردية‏,‏ أو تحديد جماعة ما لذاتها‏,‏ إن تحديد الهوية‏-‏ بالمفرد أو علي نحو جمعي‏-‏ غالبا ما يكون تعبيرا عن سعي فرد‏,‏ أو شخص‏,‏ أو جماعة إلي تمايز ما‏,‏ أو خصوصية ما إزاء آخر‏,‏ أو مغاير‏,‏ أو آخرين‏,‏ سواء في حالة صراع‏,‏ أم تهديد‏,‏ أم خوف‏,‏ أم محاولة لتبديد ضياع ما‏,‏ أم غموض ما يحيط بفرد‏-‏ أو شخص بالمعني القانوني الحديث‏-‏ أو جماعة حول ذاتها‏,‏ وتاريخها‏,‏ وثقافاتها ومكوناتها‏,‏ من هنا يكثر تداول اصطلاحات عديدة كالأصالة والذاتية الثقافية‏,‏ أو الذاتية الحضارية كما في قاموس البلاغة العربية الغامضة والتفاخرية‏,‏ والنازعة للتمايز عن ثقافات الأمم الأخري‏...‏ إلخ‏.‏ في العقود الأخيرة‏,‏ برزت علي سطح التداول التعبيري والبياني العربي مفردات الخصوصية العربية‏,‏ إزاء عالمية منظومات وأجيال حقوق الإنسان‏,‏ وهو مفهوم ملتبس وغامض وظف ليلعب أدوارا عديدة في مواجهة مطالب تطبيق حقوق الإنسان‏,‏ ولكي يلعب دورا تعبويا ونفسيا ضد المطالبين بحقوق وحريات المصريين والعرب إزاء تجاوزات السلطات المختلفة‏,‏ بوصفهم مجموعة من الخارجين علي الجماعة الوطنية وخصوصياتها الثقافية والدينية والأخلاقية‏,‏ ويساندون مطالب الأجانب الذين يدعون لحقوق الإنسان‏..‏ إلخ‏.‏
إن مسألة الهوية‏,‏ في أحد وجوهها هي أحد نواتج الحداثة والتحديث ومن ثم الجروح الدامية الناتجة عنهما‏,‏ من بناء ولاءات جديدة‏,‏ وعلاقات اجتماعية وسياسية ورمزية تتجاوز الولاءات الأولية التي تدور حول العرق‏,‏ واللغة‏,‏ والعائلة‏,‏ أو الانتماء لديانة ما وضعية أو سماوية أو إلي مذهب‏,‏ أو ملة داخلها‏.‏ الانتقال من المستويات الأولية للانتماء إلي مستويات أكثر تركيبا ونزوعا إلي فرضها بأدوات الحداثة القانونية والسياسية والتعليمية‏,‏ غالبا ما تؤدي إلي تمزقات نفسية‏,‏ واضطراب‏,‏ وأحيانا عدم فهم وتشوش لهؤلاء الذين ينتقلون من المعاني البسيطة والمباشرة للانتماء إلي معان ودلالات أكثر عمقا وتركيبا للانتماء‏.‏من هنا نجد أن معاني الهوية‏-‏ كاصطلاح ودلالات‏-‏ هي حداثية بامتياز‏,‏ بل وتصاعد أزماتها يكشف عن تحولات وانتقالات داخل الحداثة والتحديث أكثر من كونها تعبيرا عن ثقافات ومجتمعات ما قبل حديثة‏,‏ علي الرغم من الاستخدام المعمم والشائع في رفع شعار أصبح هكذا‏,‏ أزمة الهوية كي يعبر عن أوضاع ما قبل حديثة‏,‏ أو مجتمعات أولية تقوم علي القرابة أو العرق‏,‏ أو الدين أو المذهب أو الملة‏....‏ إلخ‏.‏
شكلت أزمة الهوية‏,‏ أحد أبرز عوامل المد الإسلامي السياسي بعد هزيمة‏5‏ يونيو‏1967‏ الدامية‏,‏ وأزمة الصيغ السياسية للعلاقة بين الدين والدولة في مصر‏,‏ والتي تبنتها الصفوة السياسية الحاكمة بعد‏23‏ يوليو‏1952,‏ ومن ثم أسهمت سياسات الدين في إنتاج المزيد من المشكلات التي تراكمت منذ تأسيس نظام يوليو إلي اللحظة الراهنة‏.‏ إن مفهوم الهوية استخدمته جماعات سياسية عديدة كأداة أو كسلاح للقتال الفكري‏,‏ أو في الحروب الفكرية أو الأيديولوجية الباردة‏,‏ التي دارت ولاتزال علي روح مصر إذا شئنا استعارة هذا التعبير علي غموضه‏.‏ بعض الجماعات الدينية السياسية الراديكالية‏,‏ والإخوان‏,‏ والإسلام الرسمي‏,‏ تدور خطاباتهم حول الهوية ومحتواها الإسلامي‏,‏ وبعضهم يدخل المكون العربي‏-‏ الإسلامي‏.‏ بعض الخطابات المسيحية المصرية حول الهوية يدور حول المصرية‏,‏ والأرثوذكسية كمذهب مصري‏....‏ إلخ‏.‏ البعض الآخر يقصر الهوية علي المصرية والفرعونية علي نحو رومانتيكي كي يمايز تصوره للهوية عن الهوية الإسلامية والهوية العربية‏,‏ وفق التصور القومي العربي أو الناصري‏...‏ إلخ‏..‏
هذا النمط الاختزالي‏-‏ واللاتاريخي‏-‏ للهوية ينزع دائما إلي تسكين للهوية في معدلات ومكونات ثابتة‏,‏ تخضع الهوية لبعض العناصر التاريخية‏,‏ وبعض المتخيلات أو الأساطير التي تضخم تعريف الجماعة السياسية‏,‏ أو الثقافية‏,‏ أو منظريهم للهوية المصرية‏.‏ يبدو لي‏-‏ وأرجو ألا أكون مخطئا‏-‏ أن تضخم مفهوم الهوية‏,‏ وطابعه الصراعي في مصر‏,‏ يعود إلي اضطراب الحقل السياسي الفكري والعملي‏,‏ وأزمات المشاركة السياسية في ظل أنظمة قمعية‏,‏ الأمر الذي أدي إلي انشغال الجماعات السياسية المصرية بالسجال والنزاع علي محاور مفاهيمية لإثبات تمايزاتها‏,‏ وذلك علي المحاور الرمزية والأيديولوجية‏,‏ بديلا عن فهم أكثر عمقا وتركيبا للمشكلات المصرية المتراكمة في ظل الطغيان‏.‏ إن النزعة الأحادية في تعريف الهوية المصرية والتركيز علي متغير الدين‏-‏ الإسلام والمسيحية‏,‏ أو القومية مصرية أو عربية أو فرعونية أو قبطية‏-‏ هو انعكاس للطابع القتالي للمفهوم‏,‏ وإلي تسطيح غير علمي لمفهوم الهوية‏.‏ من هنا يبدو دقيقا ما يذهب إليه أمين معلوف من نقد المفهوم الضيق والحصري والمتزمت والتبسيطي الذي يقصر الهوية كلها علي انتماء واحد يصار إلي إشهاره بهياج‏(‏ الهويات القاتلة ص‏12).‏
لا يوجد مكون واحد للهوية‏,‏ فهذا وهم كبير تنتجه وتعيد إنتاجه جماعات سياسية تستخدم المفهوم الديني كأداة للتمايز‏,‏ واستبعاد الآخرين ويستخدم للتعبئة النفسية والسياسية إزاء المغايرين لهم في الدين‏,‏ أو المذهب أو القومية أو العرق أو اللغة‏...‏ إلخ‏.‏ إن الهوية تنطوي علي مكونات وأبعاد متعددة‏,‏ ولبعضها أولوية علي الأخري‏,‏ وليست ثابتة ولا خارجة علي السياقات التاريخية والمكانية والسياسية‏,‏ ومن ثم هي نسق مفتوح تتغير أولويات مكوناته وأبعادها بما يستجيب للمتطلبات والاحتياجات الرمزية من مرحلة لأخري‏,‏ وتدخل مؤثرات وعناصر جديدة في كل مرحلة من المراحل‏.....‏ إلخ‏.‏
من هنا يبدو بؤس التعريف الحصري والمبسط للهوية المصرية كما يطرح في بعض الخطابات السياسية الدينية‏,‏ ويتناسي بعض منتجي هذا النمط من خطابات الهوية الأحادية‏,‏ إن ثقافتنا ذات مركبات رمزية‏,‏ وأسطورية وطقوسية ودينية ومدنية متعددة‏,‏ ولا يمكن نفي أحد عناصرها تحت دعوي أيديولوجية أو دينية أو قومية‏,‏ أو تغليب عنصر علي عناصر أخري لأسباب تتعلق بأهداف سياسية لجماعة إزاء الجماعات الأخري‏.‏
إن غالبية منتجي خطاب الهوية المغلق‏,‏ يسهمون في إنتاج تمزقات وآلام نفسية ورمزية قاسية للفرد المصري‏,‏ الذي يجد نفسه بين صراع سياسي علي هويته بكل مكوناتها ومتغيراتها‏,‏ ويحاولون تفريغه من ثراء هذه المكونات‏,‏ بل وتنافساتها التي يمكن أن تشكل دوافع للإبداع الفردي‏-‏ إذا توافرت شروطه‏-‏ والإبداع الجماعي‏.‏ إلا أن محاولات إفقار الهوية المصرية‏,‏ يبدو أنها تعبر عن بعض الجماعات التي لم تستوعب تعقيدات مسألة الهوية‏,‏ أو تعرف ذلك‏,‏ لكنها تغلب أهدافها السياسية علي تاريخ مسألة الهوية ومكوناتها وتحولاتها عبر الزمن والنظم والسياقات‏.‏
إن الحديث عن هوية بسيطة وأحادية يبدو مثيرا للسخرية في عصرنا‏,‏ في ظل مؤثرات ثقافية ورمزية وتفكك لبعض الأطر الثقافية والرمزية التي سادت لحقب سابقة‏,‏ إلي أخري جديدة تتشكل في ظل عالم معولم ومركب‏,‏ تزداد فيه مسألة الهوية حضورا في ظل انكسارات أبنية ومفاهيم لصالح أخري أكثر تعقيدا‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا