
|
الهوية وألعابها |
 | |
نبيل عبد الفتاح تبدو مفردة واصطلاح الهوية من أكثر الكلمات شيوعا في لغات عديدة حية في عالمنا. حينا تطرح في مجال تحديد الكاتب, أو جماعة, أو حزب, أو صفوة حاكمة لذاتها الفردية- حال وجودالفرد وميلاده داخل ثقافة ما- أو لذات جماعية, وغالبا ما يكون هذا الضبط لتعريف الذات صارما ومحددا, وفي أحيان أخري يعكس تشوشا, أو اضطرابا وبالأحري يعد تعبيرا عن تمزقات ذات طبيعة فاوستية قاسية. هذا الصعود لمفردة الهوية وأزمة الهوية وانقسامات الهوية ونزاعاتها يعكس تناقضات ومشكلات حادة تمس الأنا الفردية, أو تحديد جماعة ما لذاتها, إن تحديد الهوية- بالمفرد أو علي نحو جمعي- غالبا ما يكون تعبيرا عن سعي فرد, أو شخص, أو جماعة إلي تمايز ما, أو خصوصية ما إزاء آخر, أو مغاير, أو آخرين, سواء في حالة صراع, أم تهديد, أم خوف, أم محاولة لتبديد ضياع ما, أم غموض ما يحيط بفرد- أو شخص بالمعني القانوني الحديث- أو جماعة حول ذاتها, وتاريخها, وثقافاتها ومكوناتها, من هنا يكثر تداول اصطلاحات عديدة كالأصالة والذاتية الثقافية, أو الذاتية الحضارية كما في قاموس البلاغة العربية الغامضة والتفاخرية, والنازعة للتمايز عن ثقافات الأمم الأخري... إلخ. في العقود الأخيرة, برزت علي سطح التداول التعبيري والبياني العربي مفردات الخصوصية العربية, إزاء عالمية منظومات وأجيال حقوق الإنسان, وهو مفهوم ملتبس وغامض وظف ليلعب أدوارا عديدة في مواجهة مطالب تطبيق حقوق الإنسان, ولكي يلعب دورا تعبويا ونفسيا ضد المطالبين بحقوق وحريات المصريين والعرب إزاء تجاوزات السلطات المختلفة, بوصفهم مجموعة من الخارجين علي الجماعة الوطنية وخصوصياتها الثقافية والدينية والأخلاقية, ويساندون مطالب الأجانب الذين يدعون لحقوق الإنسان.. إلخ. إن مسألة الهوية, في أحد وجوهها هي أحد نواتج الحداثة والتحديث ومن ثم الجروح الدامية الناتجة عنهما, من بناء ولاءات جديدة, وعلاقات اجتماعية وسياسية ورمزية تتجاوز الولاءات الأولية التي تدور حول العرق, واللغة, والعائلة, أو الانتماء لديانة ما وضعية أو سماوية أو إلي مذهب, أو ملة داخلها. الانتقال من المستويات الأولية للانتماء إلي مستويات أكثر تركيبا ونزوعا إلي فرضها بأدوات الحداثة القانونية والسياسية والتعليمية, غالبا ما تؤدي إلي تمزقات نفسية, واضطراب, وأحيانا عدم فهم وتشوش لهؤلاء الذين ينتقلون من المعاني البسيطة والمباشرة للانتماء إلي معان ودلالات أكثر عمقا وتركيبا للانتماء.من هنا نجد أن معاني الهوية- كاصطلاح ودلالات- هي حداثية بامتياز, بل وتصاعد أزماتها يكشف عن تحولات وانتقالات داخل الحداثة والتحديث أكثر من كونها تعبيرا عن ثقافات ومجتمعات ما قبل حديثة, علي الرغم من الاستخدام المعمم والشائع في رفع شعار أصبح هكذا, أزمة الهوية كي يعبر عن أوضاع ما قبل حديثة, أو مجتمعات أولية تقوم علي القرابة أو العرق, أو الدين أو المذهب أو الملة.... إلخ. شكلت أزمة الهوية, أحد أبرز عوامل المد الإسلامي السياسي بعد هزيمة5 يونيو1967 الدامية, وأزمة الصيغ السياسية للعلاقة بين الدين والدولة في مصر, والتي تبنتها الصفوة السياسية الحاكمة بعد23 يوليو1952, ومن ثم أسهمت سياسات الدين في إنتاج المزيد من المشكلات التي تراكمت منذ تأسيس نظام يوليو إلي اللحظة الراهنة. إن مفهوم الهوية استخدمته جماعات سياسية عديدة كأداة أو كسلاح للقتال الفكري, أو في الحروب الفكرية أو الأيديولوجية الباردة, التي دارت ولاتزال علي روح مصر إذا شئنا استعارة هذا التعبير علي غموضه. بعض الجماعات الدينية السياسية الراديكالية, والإخوان, والإسلام الرسمي, تدور خطاباتهم حول الهوية ومحتواها الإسلامي, وبعضهم يدخل المكون العربي- الإسلامي. بعض الخطابات المسيحية المصرية حول الهوية يدور حول المصرية, والأرثوذكسية كمذهب مصري.... إلخ. البعض الآخر يقصر الهوية علي المصرية والفرعونية علي نحو رومانتيكي كي يمايز تصوره للهوية عن الهوية الإسلامية والهوية العربية, وفق التصور القومي العربي أو الناصري... إلخ.. هذا النمط الاختزالي- واللاتاريخي- للهوية ينزع دائما إلي تسكين للهوية في معدلات ومكونات ثابتة, تخضع الهوية لبعض العناصر التاريخية, وبعض المتخيلات أو الأساطير التي تضخم تعريف الجماعة السياسية, أو الثقافية, أو منظريهم للهوية المصرية. يبدو لي- وأرجو ألا أكون مخطئا- أن تضخم مفهوم الهوية, وطابعه الصراعي في مصر, يعود إلي اضطراب الحقل السياسي الفكري والعملي, وأزمات المشاركة السياسية في ظل أنظمة قمعية, الأمر الذي أدي إلي انشغال الجماعات السياسية المصرية بالسجال والنزاع علي محاور مفاهيمية لإثبات تمايزاتها, وذلك علي المحاور الرمزية والأيديولوجية, بديلا عن فهم أكثر عمقا وتركيبا للمشكلات المصرية المتراكمة في ظل الطغيان. إن النزعة الأحادية في تعريف الهوية المصرية والتركيز علي متغير الدين- الإسلام والمسيحية, أو القومية مصرية أو عربية أو فرعونية أو قبطية- هو انعكاس للطابع القتالي للمفهوم, وإلي تسطيح غير علمي لمفهوم الهوية. من هنا يبدو دقيقا ما يذهب إليه أمين معلوف من نقد المفهوم الضيق والحصري والمتزمت والتبسيطي الذي يقصر الهوية كلها علي انتماء واحد يصار إلي إشهاره بهياج( الهويات القاتلة ص12). لا يوجد مكون واحد للهوية, فهذا وهم كبير تنتجه وتعيد إنتاجه جماعات سياسية تستخدم المفهوم الديني كأداة للتمايز, واستبعاد الآخرين ويستخدم للتعبئة النفسية والسياسية إزاء المغايرين لهم في الدين, أو المذهب أو القومية أو العرق أو اللغة... إلخ. إن الهوية تنطوي علي مكونات وأبعاد متعددة, ولبعضها أولوية علي الأخري, وليست ثابتة ولا خارجة علي السياقات التاريخية والمكانية والسياسية, ومن ثم هي نسق مفتوح تتغير أولويات مكوناته وأبعادها بما يستجيب للمتطلبات والاحتياجات الرمزية من مرحلة لأخري, وتدخل مؤثرات وعناصر جديدة في كل مرحلة من المراحل..... إلخ. من هنا يبدو بؤس التعريف الحصري والمبسط للهوية المصرية كما يطرح في بعض الخطابات السياسية الدينية, ويتناسي بعض منتجي هذا النمط من خطابات الهوية الأحادية, إن ثقافتنا ذات مركبات رمزية, وأسطورية وطقوسية ودينية ومدنية متعددة, ولا يمكن نفي أحد عناصرها تحت دعوي أيديولوجية أو دينية أو قومية, أو تغليب عنصر علي عناصر أخري لأسباب تتعلق بأهداف سياسية لجماعة إزاء الجماعات الأخري. إن غالبية منتجي خطاب الهوية المغلق, يسهمون في إنتاج تمزقات وآلام نفسية ورمزية قاسية للفرد المصري, الذي يجد نفسه بين صراع سياسي علي هويته بكل مكوناتها ومتغيراتها, ويحاولون تفريغه من ثراء هذه المكونات, بل وتنافساتها التي يمكن أن تشكل دوافع للإبداع الفردي- إذا توافرت شروطه- والإبداع الجماعي. إلا أن محاولات إفقار الهوية المصرية, يبدو أنها تعبر عن بعض الجماعات التي لم تستوعب تعقيدات مسألة الهوية, أو تعرف ذلك, لكنها تغلب أهدافها السياسية علي تاريخ مسألة الهوية ومكوناتها وتحولاتها عبر الزمن والنظم والسياقات. إن الحديث عن هوية بسيطة وأحادية يبدو مثيرا للسخرية في عصرنا, في ظل مؤثرات ثقافية ورمزية وتفكك لبعض الأطر الثقافية والرمزية التي سادت لحقب سابقة, إلي أخري جديدة تتشكل في ظل عالم معولم ومركب, تزداد فيه مسألة الهوية حضورا في ظل انكسارات أبنية ومفاهيم لصالح أخري أكثر تعقيدا.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|