372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

فضح الشر النووي الإسرائيلي

فعنونو‏..‏ متمرد علي أرض الميعاد

‏ بقلم ـ زياد عبدالفتاح


يثير مردخاي فعنونو الذي أفرج عنه قريبا من سجنه في إسرائيل والذي استمر ثمانية عشر عاما منها أحد عشر عاما في زنزانة انفرادية الكثير من اللغط والجدل في أوساط النخبة‏,‏ وربما الرأي العام الإسرائيلي‏.‏ ذلك أن هذا الرجل أثار ضجيجا هدأ بسجنه مدة كادت تمحوه من ذاكرة العالم غير أن الإفراج عنه عاد به إلي دائرة الضوء الساطع نظرا لشخصيته المتميزة وصلابته وقدرته علي الصمود والمواجهة علي نحو منقطع النظير‏.‏ ولكي نذكر به ما دام يعود من أوسع الأبواب شهرة كأنه الرجل الإسرائيلي الذي اعتبره الإسرائيليون خارجا وخائنا حين قام قبل أكثر من ثمانية عشر عاما بنشر أسرار القنبلة النووية الإسرائيلية مدليا باعترافاته ومعلوماته لمحرر جريدة الصنداي تايمز التي تصدر في لندن‏.‏ أما مصدر معلوماته فهو شخصيا باعتبار أنه قد عمل لفترة طويلة في مفاعل ديمونة وكان أحد الأشخاص الذين علي مقربة وعلم واتصال بالبرنامج النووي الإسرائيلي‏.‏
ولذا فإن الإفشاء بأسرار ديمونة قد كلفه تعقب المخابرات الإسرائيلية له واصطياده عبر امرأة تعمل في جهاز الموساد استدرجته من مطار هيثرو حتي مطار ليوناردو دافنشي في روما حيث كانوا بانتظاره وقد دبروا له خطة اختطاف انتهت به إلي مطار اللد ثم إلي المحاكمة فالسجن‏.‏
لم يكن أحد يتوقع أن يكون توقيت الإفراج عن أشهر سجين إسرائيلي علي الإطلاق في غاية السوء ويحمل نذر عاصفة تهب علي إسرائيل تبدأ ولا تنتهي فخروج الرجل من السجن يفتح ملفا كانوا يظنون أن الزمن قد أغلقه‏.‏ مثلما كانوا يراهنون علي صمت مردخاي فعنونو فإن لم يكن فعلي قدرتهم علي إخراسه بكل السبل والأساليب‏.‏
الخلفية الأيديولوجية للسجين‏:‏ بما أن مردخاي فعنونو من أصول مغاربية فإنه تعرض مثلما تعرضت أسرته في وقت مبكر من إنشاء دولة إسرائيل للاضطهاد‏.‏ كان الأشكيناز هم السادة وهم أمراء إسرائيل وكان السفارديم أو الشرقيون في الدرجة الثانية ولقد حمل مردخاي فعنونو معاناة أسرته حتي أنه في وقت مبكر كان ساخطا وناقما ولم يخف في فترة شبابه المبكر عدم رضاه عن قيام إسرائيل بل إنهم قد نشروا له صورة وهو في مظاهرة يحمل العلم الفلسطيني‏!‏
هنا يخطر سؤال ضروري لماذا ما دام الأمر كذلك تم استيعاب مردخاي فعنونو في مفاعل ديمونة الذي ظل لسنوات طويلة قدس الأقداس؟ ربما تكون الإجابة أنهم لم يعتقدوا للحظة أنه كيهودي يمكن أن يسرب معلومات أو يفشي أسرارا مهما يكن توجهه أو انتماءه الأيديولوجي‏.‏
ثمة وجهة نظر يقول بها محلل في صحيفة الصنداي تايمز تري أنهم قد زرعوا مردخاي فعنونو لهذه اللحظة فلقد كانوا يريدون تسريب معلومات عن عالمهم النووي كي يرهبوا العالم العربي‏!.‏ مثل هذه النظرة لا تصمد أمام اعتبارات كثيرة أولها أن الرجل دفع ضريبة لم يدفعها أحد من قبل وهي السجن ثمانية عشر عاما منها أحد عشر في غرفة انفرادية‏'‏ زنزانة‏'.‏ ثم أنه عومل وهو في السجن معاملة قاسية لا يتحملها سوي أولئك الأقوياء القادرون علي التجاوز‏.‏ إن مردخاي فعنونو يعترف بأنهم بذلوا كل ما يملكون من جهد لتدميره حتي أنهم كانوا يخضعونه لأصوات معينة رتيبة تنقر فوق أعصابه كما أنهم كانوا يكررون له ليل نهار موسيقي شوبان وبخاصة السيمفونية التي تمجد الرايخ حتي يستنهضوا فيه بشاعة الفعل الذي أقدم عليه‏.‏
إن الإسرائيليين يكرهون شوبان حتي النخاع وانه يكاد يكون ممنوعا ومحرما وعندما قامت فرقة موسيقية في دار الاوبرا أخيرا بعزف مقطوعات له فإن المجتمع الإسرائيلي قد اضطرب واشتدت الانتقادات حتي وصلت إلي حدوث احتجاجات ومظاهرات‏.‏
مردخاي فعنونو الصامد الذي هزم مخطط التدمير‏:‏ ليس فقط موسيقي شوبان وإنما أضواء ساطعة مركزة عليه طوال الوقت واختيارات موسيقية تشجع علي الأكل وبالتالي تحدث السمنة وتلاعب في المعلومات إلي حد بث معلومات وأخبار كاذبة‏.‏ لقد كانوا يعاملونه علي أمل أن يسترخي ويصبح بدينا ويستسلم لكنه علي العكس من ذلك بقي حيث هو من الرشاقة بفضل الرياضة التي كان يمارسها بانتظام وبشكل صارم وبفضل وضوح الرؤية والثبات علي الرأي والمبدأ الذي كان يمارسه وهو في سجنه‏.‏ رياضة جسدية ورياضة عقلية أدهشت السجانين بما جعلهم يتكهربون من لحظة الإفراج القادمة‏.‏
ولقد زاد هم فعنونو رعبا حيث أدلي وهو في سجنه في الأيام والأسابيع الأخيرة التي سبقت الإفراج أنه سيتنازل عن الجنسية الإسرائيلية وأنه سيهاجر ويختار بلدا غير إسرائيل‏.‏ لقد وقع هذا في عقول المخططين من سجانين وسياسيين وقوع الصاعقة‏.‏ هل يعني ذلك أن لديه ما يقوله غير الذي قال قبل أكثر من ثمانية عشر عاما لصحيفة الصنداي تايمز‏!‏
الأطراف المعنية كلها في إسرائيل حملت تصريحات مردخاي فعنونو علي محمل الجد‏.‏ واجتهدوا في التحليل وعملوا بشكل لافت وجاد لتقرير مصيره بعد خروجه من السجن حتي أن الكنيست في لجنة الأمن والدفاع نظر في المسألة وأبدي رئيس اللجنة شتاينيتس رأيا غريبا وهو إعادة سجن فعنونو إداريا وهو ما تم رفضه من قبل الدوائر القضائية حيث لا سند قانوني لذلك‏.‏ والسجن الإداري ينطبق علي الفلسطينيين ولا ينطبق علي اليهود‏!!‏
فعنونو يتلقى التهانى بعد الغفراج عنه
ثم تفتقت الاجتهادات عن الخطوات التالية‏:‏
‏-‏ رفض طلبه الخروج من الجنسية الإسرائيلية‏.‏
‏-‏ تحديد إقامته في شقة في أرقي أحياء مدينة يافا مريحة وفخمة ومراقبة علي مدار الساعة‏.‏
‏-‏ منعه من كل الحريات سواء استعمال الهاتف أو مشاهدة التليفزيون أو التنزه‏.‏ فإذا ما أخل بآداب أي واحد من هذه الحريات انقضوا علي الفور ليحولوا بينه وبين الحرية‏.‏
‏-‏ تسري هذه الامتيازات‏'‏ العقوبات لمدة سنة‏'‏ وحتي يعاد النظر في الأمر‏.‏
فعنونو يفتح باب النووي علي أمريكا وإسرائيل‏:‏ من الثابت أن الولايات المتحدة وبريطانيا شنتا حربهما علي العراق بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل بما في ذلك برنامجا نوويا ثبت فيما بعد بكافة طرق الإثبات انه غير موجود وغير واقعي وأن الدولتين اللتين قادتا التحالف قد لفقتا المعلومات الكاذبة من أجل شن تلك الحرب غير المقدسة‏.‏
وها هي الولايات المتحدة وبريطانيا تمارسان إرهابا ودعاية سوداء ضد إيران وسوريا وكوريا الشمالية وبلدانا غيرها من أجل إلصاق تهمة النووي بهذه البلدان‏.‏ وإذا كانت كوريا الشمالية لم تخف ذلك إلا أن البلدان الأخري فيما تشير التقارير والتحليلات لا تملك القنابل النووية وأن الولايات المتحدة علي يقين بذلك‏.‏
والآن يأتي فعنونو في هذا التوقيت الحارق ليحيي الحديث عن البرنامج النووي والقنابل النووية الإسرائيلية‏.‏ حتي أنه قبل أيام قامت السلطات الإسرائيلية باحتجاز مراسلي‏CNN‏ الذين أرادوا المضي مع قصة فعنونو فقاموا بزيارة لمفاعل ديمونة و‏'‏هات يا تصوير‏'.‏ لكنهم فوجئوا بتطويقهم ثم احتجازهم ومصادرة شرائط الفيديو وإتلاف الأفلام‏!!‏
لقد فتح فعنونو الملف ومن المستحيل إغلاقه‏.‏ وسواء كان في شقة في أرقي أحياء يافا أم كان حرا طليقا أم في بلد آخر فإنه سيظل الشاهد الحي الذي تنظر إليه وسائل الإعلام علي أنه صيد ثمين ونجم يعود عليها بملايين الدولارات‏.‏
هل لدي فعنونو معلومات نووية أخري؟ هل يحمل أسرارا؟ وهل يكون لديه بعد كل هذا السجن الطويل سعة البال كي يصمت لكي يتكلم مرة واحدة وبأعلي صوت بعد سنة من إقامته الإجبارية؟
كل الدلائل تشير إلي هذا الرجل المرتد عن اليهودية والذي يعلن أنه لا يريد الجنسية الإسرائيلية والذي ما زال يؤمن بحق الفلسطينيين وينتقص من شرعية الدولة الإسرائيلية سوف يظل صامدا وسيسبب للقادة الإسرائيليين السياسيين والعسكريين والعلماء صداعا طويلا‏.‏ لذا فإن إطلاق سراحه يجعل منه نجما وضيفا علي كل التلفزات العالمية‏*‏