372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

صلح هش بين الجيش وقبائل البشتون
مشرف شخص جدير بالثقة‏..‏ الأمريكية

زعماء القبائل يرحبون بالضباط الباكستانيين

‏ تقرير ـ عبدالله الحاج


كللت جهود الرئيس الباكستاني برويز مشرف في سعيه لعقد صلح يعلم فائدته جيدا مع مجموعة القبائل الحدودية مع أفغانستان بنجاح يحسب لمشرف الذي شعر بخطورة المواجهة المسلحة مع قبائل الحدود البشتونية‏,‏ المشهورة بجسارتها وعنفها القتالي العقائدي‏.‏
وكان الظهور العلني لخمسة من قادة قبائل البشتون الشباب الذين ظل الجيش الباكستاني يطاردهم في مناطق الجبال الحدودية الوعرة بتهمة انتمائهم وتقديمهم مساعدة لتنظيم القاعدة‏,‏ وطالبان بمثابة الإعلان عن الصلح مع حكومة مشرف‏,‏ وإنهاء الصراع الدموي الذي أودي بحياة المئات من الجانبين والذي لم تشهد مناطق القبائق المحاذية لحدود أفغانستان مثيلا له من قبل‏.‏
الصلح الذي تم بين الحكومة وزعماء القبائل تم بأسلوب تقليدي مؤثر ووفقا للأعراف الباكستانية القبلية‏,‏ حيث حرص الجنرال صفور حسين علي الحضور بعمامة زعماء البشتون الكبيرة واللافتة للانتباه بألوانها المزركشة الجذابة‏,‏ وأعلن صفور وسط احتفال الصلح الذي حضره المئات من زعماء البشتون علي الإعلان أن الحكومة تخلت عن مطاردة من اتهمتهم بالخروج علي القانون خلال العمليات العسكرية التي امتدت عبر مناطق القبائل مع أفغانستان‏.‏
الحكومة سعت من جهة أخري لاستغلال حضور الآلاف من أبناء القبائل لتفتح صفحة جديدة معهم بعد أن شعرت بخطورة معاداة تلك القبائل المؤثرة في وقت ازدادت فيه الانتقادات والضغوط الداخلية علي الجنرال مشرف‏,‏ وانتهز الجنرال صفور حسين مناسبة الصلح ليطالب زعماء القبائل بضم يدهم مع يد حكومة مشرف والتعهد بالتعاون لخدمة رفع المستوي المعيشي في مناطق القبائل التي تشكو من تخلف الخدمات التي تستأثر بها المدن الباكستانية‏,‏ ونص اتفاق الصلح علي منح المتهمين عفوا شاملا مقابل إلقاء السلاح والتعهد بالتعاون مع الحكومة في إنهاء وجود حوالي‏400‏ عنصر من الإرهابيين الأجانب يعتقد أنهم مازالوا مختبئين في مناطق القبائل‏.‏
وبشأن اتفاق الصلح والتعهدات المترتبة عليه‏,‏ تم تحديد أواخر شهر إبريل كموعد نهائي لإقناع المقاتلين الأجانب بالاستسلام طواعية أو التعرض للاعتقال علي يد القوات الحكومية‏,‏ مع التعهد بعدم إفشاء تلك المعلومات التي ستكشفها القبائل عن أماكن وجود هؤلاء الهاربين‏.‏
لكن يجب الأخذ في الحسبان أن الحكومة الباكستانية التي فقدت أكثر من‏43‏ فردا من قواتها التي هاجمت مناطق القبائل الشهر الماضي‏,‏ كانت قد تعرضت لانتقادات لاذعة في الشارع الباكستاني‏,‏ وإلي لوم شديد من حلفائها الأمريكيين لإخفاقها في اعتقال من أسمتهم بالصيد الثمين‏,‏ وتسبب فشل الحملة العسكرية علي مناطق القبائل خاصة في منطقة وانا في السخرية من تصريحات للجنرال مشرف أو حتي خلالها أن قواته تطارد وتحاصر شخصية مهمة مع إيحائه المباشر بأن تلك الشخصية ربما كانت أسامة بن لادن بل إنه نطق باسم الظواهري في أحد تلميحاته لإحدي المحطات الفضائية‏.‏
إذن القتال الدموي العنيف الذي تفجر الشهر الماضي بين جنود الجيش الباكستاني ومسلحين متعاطفين مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان‏,‏ انتهي ظاهريا وحسب ما هو معلن‏,‏ لكن الخلاف الأيديلوجي بين الجنرال برويز مشرف‏,‏ وقادة القبائل مازال قائما‏,‏ الأمر الذي يعني إمكانية تفجر الخلاف مرة ثانية في حال عدم تنفيذ أي من الجانبين للاتفاق المبرم‏,‏ أو في حال ما إذا لم يلتزم طرف من القبائل بتسليم المقاتلين الذين يحميهم‏,‏ وهو الأمر الذي تراهن عليه الجماعات الدينية الباكستانية‏,‏ والتي أصدر علماؤها فتوي حرمت تسليم هؤلاء المقاتلين الذين يستجيرون بالقبائل‏.‏
لكن التساؤل يبرز حول الأسباب التي دفعت مشرف إلي التحول المفاجيء لمعاداة طالبان بهذه الصورة الحادة؟ ولماذا رفع يده عن حماية بعض الجماعات الإسلامية الباكستانية بعينها‏.‏
ويبدو أنه في أعقاب المحاولتين الفاشلتين لاغتيال مشرف علي جسر راوالبندي ووفقا للتقارير الاستخباراتية التي تلقاها‏,‏ فقد ثبت تورط مباشر لكل من تنظيم القاعدة وحركة طالبان في محاولة اغتياله‏,‏ الأمر الذي جعله يراجع حساباته بطريقة جديدة في تعاملاته مع التنظيمين الإسلاميين‏,‏ لكن الضغوط الداخلية وضغوط الشارع الباكستاني الملتزم إسلاميا بطبيعته ساهما في كبح جماح الجنرال‏.‏
وأفادت تقارير أمريكية بأن قوات الأمن الباكستانية اعتقلت خلال الستة شهور الماضية أكثر من‏3000‏ مشتبه باكستاني خلال حملات المداهمات لمعاقل الجماعات المتطرفة المحلية في كراتشي وبيشاور وراوالبندي‏,‏ لكن تم بعد ذلك إطلاق سراح ما لا يقل عن‏1300‏ فرد من هؤلاء عقب قيامهم بالتوقيع علي تعهدات لحسن السلوك‏,‏ وقيل وقتها إن ذلك الإفراج شمل بعض الزعماء لجماعات سبق وأن أصدر مشرف تعليمات بحظر أنشطتها داخل البلاد‏,‏ إضافة إلي بعض المشتبهين بالقيام بعمليات قتالية عبر الحدود الكشميرية مع الهند‏,‏ ذلك الأمر لقي استجابة واستحسانا من الشارع الباكستاني‏,‏ وإن جاء الأمر في إطار مناورات الجنرال البارعة‏.‏
وتلك التقارير ركزت بجدية أيضا علي أن مشرف بالفعل شخص جدير بالثقة ودللت علي ذلك بقيامه بقطع علاقاته السابقة مع تنظيم حركة طالبان‏,‏ ومع أنه لم يبذل في ذلك الوقت الجهد الكافي لمنع التسلل عبر الحدود إلي الجزء الأفغاني من المنطقة غير أنه عاد أخيرا ليعوض كل ذلك بتوجيهه للحملة التأديبية إلي مناطق القبائل الباكستانية المحاذية لأفغانستان‏.‏
ويري الجانب الأمريكي أنه مع فشل تلك الحملة التأديبية لمناطق القبائل في اعتقال عناصر إرهابية بارزة من القاعدة وطالبان‏,‏ إلا أنها أكدت جهوزية الجيش الباكستاني في حل عقدة القيام باقتحام مناطق القبائل متي استدعي الأمر ذلك‏,‏ بمعني آخر فإن واشنطن شعرت برضا عن نجاح الجنرال مشرف في حل عقدة الاشتباك في قتال دموي عنيف مع زعماء القبائل التي كانت تشعر حتي الأمس القريب بحرمة وقدسية اجتياز مناطق نفوذها‏.‏
ويعتقد الجانب الأمريكي أن مشرف أصبح في يده حجة قوية تتيح له اقتحام مناطق القبائل بقواته في حال عدم إلتزامهم ببنود الاتفاق الذي تم إبرامه‏,‏ وفي حال عدم تسليمهم للفارين من القاعدة وطالبان‏,‏ كما أن الاتفاق أتاح لمشرف أن يغدق علي زعماء القبائل الكثير من المال الذي يستهوي أفئدة هؤلاء الزعماء‏.‏ لكن الجانب الأمريكي حرص في ذات الوقت علي تمرير رسالة تحذيرية لمشرف كي لا يلعب علي الحبلين‏,‏ وحتي لا يتصور أنه قادر علي خداع الأمريكيين وزعماء القبائل في نفس الوقت‏,‏ حيث إن السجل الديمقراطي المخزي في باكستان‏,‏ ملف التسريبات النووي الأسود جاهزان لكن يفتحا في أي وقت‏,‏ وهكذا فإن الجنرال برويز مشرف أصبح بين مطرقة واشنطن وسندان القبائل المحلية‏,‏ فهل يستطيع الجنرال البارع الإفلات أيضا هذه المرة؟‏!*‏