372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أوساريس و كربنسكي والإرهابيون‏..‏ تعددت السيوف والدم واحد

جريمة‏..‏ في الشرق الأوسط

‏ مهدي مصطفي


باول أوساريس جنرال فرنسي قال بعد أربعين عاما لو عاد بي الزمن إلي الوراء لفعلت ما فعلته في الجزائر‏,‏ وأنا فخور بتعذيب وقتل عدد من‏'‏ الإرهابيين‏'‏ الجزائريين‏,‏ والآن جاء الدور علي العراقيين في زمن مختلف‏,‏ بينه وبين الزمن الأول نصف قرن‏,‏ وبطل الرعب الجديد هذه المرة امرأة برتبة جنرال أمريكي تدعي جانيس كربنسكي‏,‏ لتكون السيوف متعددة دائما والدم واحد‏.‏ فالسيد الفرنسي قتلت بلاده مليون ونصف المليون جزائري ما بين عامي‏68-55,‏ واعترف بفخر أنه أسهم في إرسال كثير منهم إلي الآخرة‏,‏ وكانت الفضيحة مدوية‏,‏ مما حدا بوزارة الدفاع الفرنسية إلي التحقيق مع الجنرال المتقاعد‏,‏ لأنه كشف أسرارا عسكرية‏,‏ كان من المفروض أن تكون منسية مع جرائم أخري‏,‏ حدثت في الجزائر المحتلة في ذلك الوقت‏.‏
خضع أوساريس للتحقيق وجاءت العقوبة القاسية علي خدماته عبارة عن نزع أوسمته العسكرية‏,‏ مع تأنيبه ولفت نظره‏,‏ علي إفشائه أسرار الدولة الفرنسية‏,‏ وكان أوساريس في الثالثة والثمانين من العمر عندما كتب مذكراته‏'‏ أجهزة خاصة‏-‏الجزائر‏68-.55‏ فما الذي يبقي له؟‏!‏
كانت فضيحة مدوية لبلد الحرية فرنسا‏,‏ فاضطرت إلي الاعتذار إلي الشعب الجزائري‏,‏ وجاء جاك شيراك حاملا إليها وثيقة فرنسية كانت تقول بأن الجزائر فرنسية‏,‏ وبذلك أغلق صفحة دامية‏,‏ كل من يتذكرها يشعر بالعار‏.‏
أما كربنسكي مسئولة سجن أبو غريب‏,‏ فاعترفت في سعادة بتعذيب المعتقلين العراقيين‏,‏ بوضعهم في صور مشينة‏,‏ عراة‏,‏ مربوطين بأدوات الرعب‏,‏ أسلاك كهربائية‏,‏ مسامير‏,‏ كعوب بنادق للضرب في أماكن حساسة‏,‏ كتابة عبارات مهينة فوق الجباه المحنية‏,‏ ممارسة الجنس مع الرجال والنساء‏,‏ وكل هذا لأنهم إرهابيون‏,‏ نفس التهمة الفرنسية القديمة للجزائريين‏.‏
الجنرال جانيس لم تعترف لفخر أو صحوة ضمير كأوساريس‏,‏ إنما انكشف سرها لأن الصراع بين أجنحة الإدارة الأمريكية خرج إلي العلن‏,‏ وراح كل جناح يكشف أسرار الآخر‏,‏ فوزارة الدفاع البنتاجون بقيادة رامسفيلد قادت الغزو وأصرت عليه‏,‏ بينما كانت وزارة الخارجية تتخوف من عواقبه‏,‏ ومعها المخابرات الأمريكية‏,‏ سي آي أيه‏,‏ وظل كل فريق يتحين الفرصة لفضح الآخر‏,‏ حتي لو جاء ذلك علي حساب إهدار كرامة العراقيين‏,‏ وكلما غرقت أمريكا في المستنقع العراقي كشف الجناح المعارض لصقور البنتاجون‏,‏ وولفوتز دوجلاس فيث وريتشارد بيرل‏,‏ وإليوت إبرامز وديفيد فروم‏,‏ سرا جديدا‏,‏ حتي يصبح هذا الفريق هو الناجي وحده من العراق ـ جيت في المستقبل‏.‏
اعترف ديفيد كاي‏,‏ كبير مفتشي الأسلحة الأمريكيين‏,‏ الذي لم يجد أسلحة محرمة أو غيرها في العراق‏,‏ عندما أرسله الرئيس الأمريكي إلي هناك‏,‏ بأن علي أمريكا الانسحاب من العراق وتقديم اعتذار‏,‏ قائلا‏:'‏ إن فرضية انسحاب قوات الاحتلال من العراق قد تعززت بعد نشر صور عن تعذيب الأسري العراقيين علي يد بعض الجنود البريطانيين والأميركيين‏,‏ مؤكدا أن علي قوات الاحتلال أن تقرر إما البقاء في العراق أو الاعتراف بأنها أصبحت جزءا من المشكلة مما يحتم عليها الانسحاب‏.‏
أما رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة مايرز فلم يستطع إنكار أن العراقيين لاقوا تعذيبا رهيبا من قواته في السجون والمعتقلات‏,‏ وراحت كرة الثلج تتدحرج فتكبر لتقطع الطريق‏,‏ وكأنها كلب ضال يواجه إدارة أمريكية اعتقدت أنها فوق البشر‏,‏ مما يذكرنا بأنظمة عالمية سابقة‏,‏ قادت الحروب الدولية‏,‏ تحت نفس الاعتقاد وتلاشت تحت سيف العدالة في نهاية المطاف‏.‏
كانت قناة سي‏.‏بي‏.‏إس الإخبارية الأمريكية قد حصلت علي الكنز‏,‏ من داخل سجن أبو غريب و هناك من يري أن القناة حصلت علي دعم من أطراف داخل أمريكا‏,‏ لتصوير الفضيحة ثم إذاعتها علي نطاق دولي‏,‏ والشاهد أن ما حصلت عليه هذه المحطة كان بحوزتها منذ ديسمبر‏2003,‏ فالهمس لم ينقطع بين العراقيين عن أساليب التعذيب‏,‏ للأسري والمعتقلين‏,‏ حتي إن إحدي النساء كانت قد خرجت توا من سجن أبو غريب وأرسلت رسالة إلي إحدي الصحف العراقية المحلية‏,‏ دعت فيها كل العراقيين عشائر وقبائل من الشمال إلي الجنوب إلي الانتقام من الأمريكيين الذين هتكوا عرضها‏,‏ واعتبرت نفسها منذ هذا اليوم في حكم القتيلة‏.‏
اللافت أن البريطانيين غاروا من الأمريكيين وكشفت الديلي ميرور فضائح جنود توني بلير الذين عذبوا العراقيين بوسائل تبدأ من التبول عليهم إلي تكسير عظامهم‏,‏ ورميهم في الشوارع‏.‏
ولم يعد شعور بلير بالصدمة من فعلة الجنود الأمريكيين مفيدا‏,‏ فجنوده في البصرة تكفلوا بمنافسة حلفائهم في الحرب للخوض في دماء العراقيين‏.‏
سألت الفريق مجدي عمر‏,‏ الخبير الاستراتيجي المصري‏,‏ هل هناك حوادث مماثلة جرت في الماضي في الشرق الأوسط ومسكوت عنها إلي الآن؟
قال هناك جريمة ذبح الأسري المصريين في حربي‏56‏ و‏67,‏ من قبل الإسرائيليين‏,‏ وهي جريمة لا تسقط بالتقادم‏,‏ واعترف بها القادة الذين أمروا بها‏,‏ وما حدث في العراق من قتل وتعذيب في المعتقلات يختلف في أي مكان آخر فهو يكشف عن إهدار للشرف العسكري‏,‏ وتمريغه في الوحل‏,‏ فالمفروض أن العراقيين المعتقلين تحميهم اتفاقيات جنيف الأربع مادام هناك احتلال‏,‏ والدولة الخاضعة له يجب أن يحترم شعبها ويصان‏,‏ وفي النهاية سوف تكتشف القوات المحتلة أنها خسرت سمعتها‏,‏ وهو أمر سيزداد بمرور الوقت‏.‏ ومن فضيحة أبو غريب‏-‏جيت إلي آلة شارون الجهنمية‏,‏ يقف الفلسطينيون عراة من الحماية‏,‏ وتتصاعد نافورة الدم‏,‏ ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تلفت نظر شارون إلي القتل وهدم المنازل واقتلاع أشجار الزيتون العتيقة‏,‏ لأنه راح يقول لها إنني أفعل نفس ما تقومين به في العراق‏.‏ وكان خروج موردخاي فعنونو سجين السلاح النووي الإسرائيلي‏,‏ من السجن بعد‏18‏ عاما‏,‏ مفاجأة أخري‏,‏ ستبقي طلاسمها باقية‏,‏ ما بقيت آلة الموت تطل من سماء أمريكية ـ إسرائيلية تغطي الكائنات العربية‏,‏ سعيا إلي انقراضها‏,‏ بمساعدة من تنظيمات تطلق علي نفسها أو يطلق عليها القاعدة‏.‏
ففي الأردن كاد‏80‏ ألف مواطن يذهبون سدي‏,‏ أما في المملكة العربية السعودية فراح الموت يحصد الجميع‏,‏ ووصل الموت إلي دمشق‏,‏ ولا أحد يعرف ما المحطة القادمة؟
وفي كل الأحوال فإن القتلي سيكونون عربا‏,‏ وتبقي أسماء التنظيمات خبرا أول في وسائل الإعلام‏.‏ والآن دخل الشرق الأوسط في أحداث موت معلن‏,‏ سواء علي أيدي بعض أبنائه الذين يقتلون باسم الدين‏,‏ وصكوك الغفران‏,‏ أم علي أيدي القادمين من وراء المحيط‏,‏ أوساريس الفرنسي‏,‏ وكاربينسكي الأمريكية من سلالة الناجين من النار‏,‏ لتكتمل أركان جريمة الغرماء في تحالف مقدس من الموت والرعب‏.*‏
موضوعات الملف

فضائح التعذيب على الطريقة الأمريكية
شهادات الضحايا
التركى الأمريكيون أمام خيارين : التهدئة .. أو مواجهة المقاومة
تمسك السعودية بالشريعة يحميها من الإرهاب
!أمريكا .. المشكلة والحل
قمة الأطلنطى .. أم قمة الصيد الكبير؟
مشرف شخص جدير بالثقة .. الأمريكية