من يحب الآخر أكثر.. المرأة أم الرجل.. وهل صحيح أن المرأة هي الأكثر إحساسا وعطاء وصدقا من الرجل.. أم أن هذا الخطأ الشائع يقوم علي أسس وهمية صنعتها صورة المرأة أحيانا في عصور التخلف.. وصنعت أيضا صورة الرجل في أزمنة القهر.. في تقديري أن القلب واحد سواء كان قلب رجل أم قلب امرأة.. وأن الإحساس لا يختلف في درجته وعمقه بين الاثنين.. ولكن الذي يرفع الدرجة هنا أو هناك هو ظروف الحياة والتربية.. وكثيرا ما تجد رجلا يتحكم فيه قلبه تماما.. وكثيرا ما تجد امرأة تحمل في أعماقها قطعة صخر فيها ملامح قلب.. ولا يمكن أن نقول إن المرأة عندما تحب تكون أصدق من الرجل.. إن الرجل إذا أحب يكون هو الأصدق.. والحب عند الرجل التزامات ومسئولية وتضحيات يتحملها من عمره وجهده وأحلامه.. ولكن الحب عند المرأة لا يمثل عبئا ثقيلا.. إنه إحساس ومشاركة ويقال أحيانا إن الرجل لا يستطيع أن يحب مثل المرأة.. لأن الحب في حياة الرجل يأتي بعد طموحه وأحلامه ورغبته في النجاح سواء كان نجاحا ماديا أم أدبيا.. ولكن طموح المرأة يبقي دائما في إطار رجل وأسرة وأبناء, وهناك نماذج خرجت علي هذه القاعدة ولكن الأغلب أن الأسرة عند المرأة أهم من العمل وأكبر من النجاح.. وإذا كان الرجل مشغولا بأحلام وطموحات تأخذ مساحة من فكره ومشاعره فإن المرأة مشغولة بالأبناء وهم أهم وأكبر الأشياء في حياة المرأة.. إن الأمومة رغم تقدم العصر مازالت الرسالة الأولي للمرأة في الحياة وهي تعتبرها أكبر أدوارها.. والمجتمع مازال يري نجاح المرأة ممثلا في نجاحها في إنشاء أسرة صالحة من الأبناء.. وإن كان طموح الرجل يجعله أحيانا أقل عطاء للمرأة فإن أمومة المرأة تسحب من رصيد الرجل.. إن الأمومة منطقة إحساس عميقة في داخل المرأة تتجاوز في كثير من الحالات إحساسها الكامل بالرجل في حياتها.. وما أكثر الحالات التي فرطت فيها المرأة في كل شيء ابتداء بالمال وانتهاء بالرجل نفسه من أجل الأبناء أي من أجل أمومتها. وإذا كان الرجل يحقق ذاته بالنجاح في الحياة العامة فإن المرأة تربط نجاحها عادة بما قدمت من أبناء.. إن المرأة يمكن أن تنسي خسارتها في رجل أحبته وخذلها ولكنها لا تنسي أبدا خسارتها في مشروع حياتها وهو الأمومة.. ومن هنا تتساوي المواقف.. إذا كان للرجل عمله.. فإن للمرأة أمومتها وعلي هذا الأساس يمكن تحديد المواقع ومن أحب أكثر ومن كان أكثر صدقا وعطاء مع الآخر.. وفي تقديري أن الرجل يمكن أن يبيع كل شيء حتي طموحه الشخصي من أجل امرأة أحبها.. ولكن من الصعب إلا في حالات نادرة أن تفرط امرأة في أمومتها من أجل رجل.. هناك حالات خاصة بل قليلة جدا باعت فيها المرأة أمومتها في سبيل رجل ولكن هذا لا يمثل ظاهرة يمكن الاحتكام إليها. وإذا كان الرجل يري أن نجاحه يدخل في نطاق مشروع كامل اسمه الأسرة فإن المرأة تري أن الوجه الآخر لهذا المشروع هو الأمومة.. وعندما يقف الرجل كالطاووس مختالا وهو يحكي عن مشواره الطويل وكفاحه العبقري في سبيل الأسرة.. فإن المرأة تقف في الجانب الآخر وحولها الأبناء وتقول: هذا هو مشروع حياتي.. إذا كان مشروع الرجل شيكات وأملاكا ومناصب فإن مشروع المرأة أجيال ومستقبل وبشر.. وهي بذلك تعتقد دائما أنها صاحبة الدور الأكبر.. وهي في ذلك علي حق. ولو أننا وضعنا رصيد المرأة من المشاعر موزعا بين زوج وأبناء وأسرة فهي تكسب السباق لأن أمومتها بحر من العطاء لا شطآن له.. وإذا أسقطنا الأمومة من السباق بين الرجل والمرأة فإن الرجل يكسب.. ولكن كيف يمكن أن ننزع من قلب المرأة أهم أركانه وهو الأمومة التي كانت أول دروس الحب في حياة الإنسان قبل أن يصبح رجلا ويبدأ حياة جديدة. ومن هنا يصعب علينا أن نطبق قواعد الحساب والجبر والهندسة في دنيا المشاعر, إن أعظم ما في الإنسان وأجمل ما فيه أيضا أنه نسخة وحيدة فلا يوجد قلب مثل قلب آخر.. ولا يوجد نبض مثل نبض آخر ولا يمكن أن يتشابه الناس في مواقفهم ومشاعرهم وأحوالهم.. ولهذا يجب أن نتعامل مع كل حالة علي أساس أنها شيء مختلف وهنا يصعب الوصول إلي أحكام عامة وقواعد صارمة بحيث نقول إن المرأة أكثر حبا من الرجل لأنها قد تكون أكثر حبا من العالم كله وهي تحتضن طفلها الصغير وإن الرجل عندما يضحي بعمره وشبابه وصحته من أجل عش صغير يجمعه مع امرأة أحبها.. فهو بذلك يقلب موازين أشياء كثيرة.. المرأة أكثر حبا إذا أخلصت.. والرجل أكثر حبا إذا صدق.. والمهم في النهاية من أخلص ومن صدق.
لا أقول وداعا
الأمومة تعوض المرأة أحيانا عن خسائرها في الحب.. والنجاح يعوض الرجل الذي لم يحب.. ويبقي الحب دائما هو الغاية.. والأمل حتي وإن خذلنا في بعض الأحيان.