372‏السنة 123-العدد2004مايو8‏15 ربيع أول1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نحو خريطة طريق‏..‏ فلسطينية الصنع

أسامة سرايا


الفلسطينيون قادرون علي تقديم مبادرات عالية الكفاءة وابتكارات سياسية في غاية القوة والتماسك تنقذ المنطقة من أخطاء المتطرفين وأنصار يوم القيامةأربك بوش كل الحسابات في الشرق الأوسط‏,‏ بينما أوقف شارون خطط السلام بمشاركة الفلسطينيين‏,‏ لكنهما لا يستطيعان معا‏,‏ تغيير الواقع‏,‏ سواء بوعد الأول أم مشروع الثاني‏,‏ للانسحاب الأحادي بحجة عدم وجود شريك‏.‏
فلاءات بوش وانحيازه لشارون‏,‏ لا تعطي إسرائيل السلام فعندما قال الرئيس الأمريكي لرئيس الوزراء الإسرائيلي‏:‏ لا لعودة اللاجئين إلي إسرائيل ولا للعودة إلي خطوط الهدنة القديمة عام‏1949,‏ ولا لإزالة المستوطنات حتي علي حدود الدولتين وفي قلب الضفة الغربية أو في منتصف الدولة الفلسطينية المرتقبة‏,‏ مقابل موافقة حزب‏(‏ الليكود‏)‏ علي الانسحاب المنتظر من غزة‏,‏ وإزالة المستوطنات منها‏,‏ والبدء في بعض الانسحابات من الضفة الغربية‏,‏ كانت عين الرئيس الأمريكي علي ذلك الشخص الذي سوف ينفذ قرار إزالة المستوطنات‏,‏ وهو نفسه الذي سيذهب بعيدا وينسحب‏,‏ أي الذي يشكل أقصي اليمين الإسرائيلي‏,‏ هو الليكود وزعيمه شارون‏,‏ الشخص الذي كرس حياته وسياساته للاستيطان‏,‏ والعداء المطلق للدولة الفلسطينية‏.‏
ومهما يكن رأينا‏,‏ ورفضنا لوعد بوش‏,‏ لأنه أعطي لإسرائيل ثمن التسوية‏,‏ من دون تسوية وبرر موقف الليكود‏,‏ الذي رفض خطة زعيمه‏,‏ فإن هذا لا يهمنا لأنه أعطي سقفا يتحرك فيه الأمريكيون‏,‏ وهو سقف لا يلبي أهدافنا ولا يرضينا‏,‏ لكن يجب أن ندرك أن السلام لن يقوم بين الأمريكيين والإسرائيليين وحدهم بل مع طرفه الثالث وهو الفلسطينيون ثم العرب‏.‏
والطرفان الأخيران يرفضان هذا الوعد ويعتبرانه عدوانا علي شروط التسوية‏,‏ وخروجا علي قواعدها‏,‏ وبالتالي‏,‏ فإن الرؤية الأصوب تقول إنه علي الفلسطينيين أن يديروا الوضع القادم بعد الانسحاب بأنفسهم‏,‏ ويقدموا نموذجا للدولة المرتقبة‏,‏ ويعيدوا ربط مقاومتهم المشروعة والصلبة والقوية معا‏,‏ تلك المقاومة التي أحيت دولتهم ومشروعهم في الضمير الوطني الفلسطيني‏,‏ والعربي والعالمي وجعلتهم‏,‏ من أقوي الشعوب‏,‏ ذلك لأنهم مطالبون الآن بأن يربطوا المقاومة بالمشروع السياسي‏,‏ ووحدة الفصائل وتماسك الدولة بظهور مؤسساتها‏.‏
فالدولة الغائبة لم تأت كاملة‏,‏ لكنها ولدت‏,‏ حتي لو كانت الولادة قسرية بوسائل غير طبيعية‏,‏ فالزمن الجاري والتكنولوجيا المتقدمة‏,‏ جعلت لكل شيء حلا‏,‏ فالجنين غير المكتمل يمكن أن يدخل حضانات‏,‏ وترعاه قوي وعقول قادرة علي صنع السلام‏,‏ وإنماء وتقوية عضلات الجسم‏,‏ حتي تبني الدولة الفلسطينية ولندرك جيدا‏,‏ أن آليات وحركة بناء الدول عبر المفاوضات‏,‏ تختلف من حالة إلي أخري‏.‏
فالتاريخ يعلمنا أن العقول الكبيرة والحركة الصحيحة وتقديم البدائل السياسية الواقعية‏,‏ هي التي تخلق التقدم وتترجم حركات الشعوب وآمالها وطموحاتها‏,‏ وتصل بها إلي بر الأمان فتتحقق الأهداف‏,‏ رغم الصعوبات الجمة التي تكتنف وضع الجميع‏.‏
لكن أعداء الدولة الفلسطينية كثيرون‏,‏ وهم في قلب اليمين الإسرائيلي‏,‏ والتطرف الأمريكي‏,‏ وانظروا ماذا يقول جون كيري السيناتور الأمريكي المرشح للرئاسة‏:‏إن سجلي في الحفاظ علي العلاقة الخاصة مع إسرائيل هو مئة في المئة وليس‏99‏ في المئة‏,‏ وأنا أفهم كيف أفعل ذلك‏,‏ بل أيضا أقول كيف سأنهي علاقة الحب مع عصبة من البلاد العربية التي تعطي المال لحماس وحزب الله وكتائب الأقصي‏,‏ ومعني كلام كيري هنا هو أنه يجب ألا نكرر لعبة الانتخابات بين الجمهوريين والديمقراطيين بالنسبة للقضية الفلسطينية‏,‏ بل ندرك أن الأمريكيين يملكون إستراتيجية موضوعة من قبل‏,‏ وأهدافا واضحة‏,‏ ترجمت إلي روزنامة عمل وتحرك تتناسب وحساباتهم‏.‏
لكن هذه الحسابات ليست ثابتة فهي تتغير طبقا للطقس والمستجدات الطارئة‏,‏ وهي تحاول أن تستجيب للتكيف مع هذه الأوضاع الإقليمية‏,‏ لأنها سياسات دولة عظمي‏,‏ تقرر أية وسائل تستخدم في مشروعها‏,‏ وضوابط العمل التي تحكمها عظمي‏,‏ لأن المؤسسات والهيئات العامة المعنية هي التي تحكم وليس الرئيس وحده‏,‏ الذي يضطر إلي الأخذ في الاعتبار آليات صناعة القرار ومرجعياته‏,‏ والرئيس بوش الآن هو رمز المسئولية وإن كان ليس المسئول الوحيد‏,‏ لذلك يجب أن يكون القرار العربي والفلسطيني في هذه الوقت الصعب مصاغا من قبل مؤسسات فلسطينية‏,‏ ومن الدول العربية جميعا‏,‏ ومرهونا بالوضع النهائي والمستقبلي للدولة الجديدة‏,‏ فقد دخلنا في صلب قيام الدولة وتحرك قطارها‏,‏ ولن يستطيع اليمين الشاروني أو حتي نيتانياهو أن يوقف قطار الدولة المرتقبة‏,‏ لكن الذي يستطيع باقتدار أن يوقف قطار الدولة القادمة‏,‏ هو أخطاء الفلسطينيين‏,‏ وعدم قدرتهم علي التماسك وفهم آليات ومتغيرات الحركة القادمة‏,‏ وعدم بناء مؤسسات تقسم العمل فيما بينهم‏,‏ وبالتالي فإن عليهم أن يبدأوا فورا في بناء اقتصاد ومؤسسات وينبذوا من بينهم العملاء والضعفاء والمتهالكين والرافضين للحل المعقول المطروح الآن‏.‏
حتي نصل إلي مفاوضات الحل النهائي سيكون المتغير علي أرض الواقع مختلفا‏,‏ فهناك ستوجد دولة فلسطينية قوية‏,‏ يحكمها أفضل أبنائها‏,‏ من الذين ينبذون الشعارات والأوهام‏,‏ ويتكلمون لغة العصر ويقدمون مصالح الوطن علي مصالحهم الشخصية أو مصالح أحزابهم وأفكارهم القديمة والعتيقة التي اختبرت في الماضي وفشلت‏.‏
دولة يحكمها الديمقراطيون والسياسيون وليس الجنرالات أو الأيديولوجيون‏,‏ دولة حرة تحكمها العقول الفلسطينية المتعلمة والقادرة‏.‏
فالتاريخ يعلمنا أن الدول الفقيرة الحرة توصلت إلي حل مشكلاتها أما البلدان الغنية والرازحة تحت نير الديكتاتورية والعقول القاصرة التي عاشت علي أنماط فكرية قديمة وتقليدية‏,‏ فقد تخبطت في حل المشكلات وتحولت إلي الفقر والبؤس‏.‏
والفلسطينيون قادرون علي تقديم مبادرات عالية الكفاءة وابتكارات سياسية في غاية القوة والتماسك تنقذ المنطقة من أخطاء المتطرفين وأنصار يوم القيامة‏.‏
وفلسطين أمانة في أعناق العقلاء‏,‏ وعليهم أن يتقدموا‏,‏ وألا يخشوا شيئا فالانتصار يضع أكاليله فوق الرءوس‏,‏ ويبرر حتي الأخطاء المتراكمة والذين يجيدون صناعة التاريخ‏,‏ لا يسقطون‏,‏ فتقدموا ولا تخشوا شيئا‏,‏ فالنصر آت لا ريب فيه‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا