379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مفيد الجزائري وزير الثقافة العراقي
يري أن بلاده تعيد بناء الجسور

المثقف خطر علي مجتمع الاستبداد

بغداد‏/‏ ندي عمران


يقال إن الإبداع يولد من رحم المعاناة‏,‏ وهو قول ينطبق تماما علي الإبداع العراقي والثقافة العراقية‏..‏ فقد شاءت ظروف المبدعين العراقيين أن تكون المعاناة العلامة الفارقة لإبداعاتهم في شتي صنوف الأدب في الرواية والقصة والشعر والمسرح‏,‏ لكنها تحاول اليوم أن تدشن تاريخا جديدا‏,‏ وافقا واعدا‏,‏ بعد أن سقطت الرموز والتماثيل والشواهد المزيفة‏.‏
ويري المثقفون العراقيون أن فرصتهم قد حانت لطرح البدائل وتحويل الثقافة إلي ظاهرة اجتماعية وفنية تعم البلد‏..‏ لكن السيد مفيد محمد جواد الجزائري وزير الثقافة يحاول أن يخلق مع كوكبة من المثقفين العراقيين في كل مجالات الإبداع مفهوما جديدا للثقافة‏,‏ هي مزيج من التراث الإبداعي العراقي‏,‏ وما حققه المبدعون العراقيون من نتاج ناضج بالمنافي‏,‏ وتطلعات الإنسان العراقي الجديد إلي ثقافة ناصعة توقظ الأمل وتعيد إنتاجه‏.‏
يقول الوزير العراقي الجزائري‏:‏ إن النزوع الثقافي عند الإنسان العراقي نزوع لم يرتبط بتعلم اللغة وفتح المدارس ومكافحة الأمية‏,‏ الرغبة والميل إلي الثقافة موجودة بدم العراقي البسيط‏,‏ وعندما تتوفر لها ظروف وشروط ملائمة نري تفتح واكتشاف المواهب‏,‏ وهذا موجود بشكل فطري مثلا الكثير من النساء العراقيات من جيل أمهاتنا ينظمن الشعر الشعبي وهن أميات لم يتلقين التعليم‏,‏ ويا لبلاغة وحكمة ما ينظمنه‏..‏ هذا الميل العريق والرغبة في كل أشكال التعبير الثقافي ملحوظة‏,‏ وحتي فيما يتعلق بالكتاب‏,‏ منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي أشيعت مقولة إن القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ‏..‏ بينما الآن هناك غربة بين الإنسان العراقي والكتاب وهي ظاهرة غريبة جدا بسبب تأثيرات السياسة الديكتاتورية المعادية للثقافة‏..‏ وهذا يبدأ أو ينسحب علي عادات تعلم القراءة والبحث عن منابع الثقافة فقبل‏50‏ سنة مثلا كانت العادة المحببة لنا أثناء العطلة الصيفية هي القراءة كنا كالماكينة نلتهم أي كتاب يقع بأيدينا‏,‏ الآن وجدت أن الجيل الجديد موقفه غير مبال من الكتاب‏,‏ تمت تربية جيلين أو ثلاثة بروح النفور من الكتاب وعدم الشعور بأي حاجة للبحث لأنه لم يجر تربيته حتي علي ثقافة وتاريخ وجغرافية بلده‏,‏ وجدت أن خريجي الجامعات أميون ثقافيا‏,‏ نعم يقرأون ويكتبون لكنهم معدومو الثقافة‏,‏ وهؤلاء ثمرة نظام يزعم أنه تعليمي ولكنه في الحقيقة تجهيلي يخرج ناسا جهلة لأن الديكتاتورية لا تريد ناسا متعلمين‏,‏ المثقف خطر علي الأنظمة الديكتاتورية‏,‏ خطر علي الاستبداد وسيادة الرأي الواحد والفكر الواحد‏,‏ الثقافة هي ضوء الديمقراطية‏,,‏ وهذا طبق بشكل كامل عندنا في العراق في ظل النظام الديكتاتوري يجب أن يكون الناس جهلة وطيعين‏,‏ المطلوب أن يكون هناك إنسان ممتثل طيع وخانع وإلا لن يستطيع رأس النظام أن يديم نظامه‏.‏
هذا يعني أن هناك كارثة ثقافية ؟
حقا‏..‏ وإلي جانب هذا هناك ما لحق من خراب بالمرافق الثقافية المختلفة‏.‏
‏‏ كانت هناك ثقافة مصنوعة‏,‏ الروائي يملي عليه أحداث الرواية وشخوصها ونتائجها‏,‏ والشاعر تملي عليه القصيدة وكذلك المسرحي والصحفي‏,‏ كيف تتصدي الثقافة الجديدة لهذا الواقع ؟
الكثير من الأمور انقلبت رأسا علي عقب‏,‏ الرقابة التي كانت مفروضة علي الصحفي والفنان الآن أزيلت بالكامل‏,‏ الآن حرية في الإبداع والإنتاج بأي شكل من أشكال التعبير‏,‏ وهذه قيمة كبيرة‏,‏ وزارة الثقافة تسعي لأن تكون الحارس الأمين لحرية الثقافة والفكر والإبداع‏,‏ هذا جانب‏..‏ من جانب آخر يقابله الإمكانات المادية الشحيحة والسبب أن البلد أفقر بالكامل في ظل السياسات السابقة‏,‏ الإرهاب الداخلي‏,‏ الحصار الاقتصادي‏,‏ الاستثمار السئ لثروات البلد‏,‏ الحروب وبضمنها الحرب الأخيرة التي أسقطت النظام‏,‏ ثم إن الحرب نفسها دمرت الكثير من المرافق الثقافية ودور النشر ثم جاءت عمليات السلب والنهب والحرق والتدمير‏,‏ ووجدنا أنفسنا في حالة يرثي لها علي صعيد المرافق الثقافية‏,‏ نحن الآن بحاجة ماسة إلي بناء وإلي حماية ما لا يحصي من المواقع الثقافية والأثرية التي مازالت حتي الآن تتعرض للسرقة‏.‏
‏‏ سمعنا أن جهات إيطالية تقوم بأعمال ترميم للمتحف العراقي ؟
افتتحنا أول ورشة جهزت من قبل جهات إيطالية وهي عبارة عن مختبر لترميم وصيانة الآثار والقطع الأثرية التي تعرض في المتحف‏,‏ وهو ما نعتبره أول الغيث ونأمل أن ينهمر بعده المطر‏.‏
‏‏
محررة المجلة مع وزير الثقافة العراقى
هذا يؤشر إلي بناء علاقات ثقافية مع إيطاليا ومع منظمة اليونسكو‏,‏ هل هناك نية لمد جسر ثقافي مع عواصم ثقافية في المرحلة المقبلة ؟
نسعي لبناء جسور ثقافية مع اليونسكو كمنظمة عالمية معنية بالثقافة تستطيع أن تؤمن لنا إعانات لتأمين مشاريع ثقافية‏..‏ إيطاليا جهزت لنا مختبرا لترميم الآثار وهو الخطوة الأولي في التعاون‏,‏ الخطوة الثانية ستتم بالتعاون مع اليابان التي ستجهز هذا المختبر بأجهزة ومعدات حديثة جدا للعناية بالآثار‏,‏ ونقصد القطع الأثرية التي سرقت من المتحف وأعيد قسم منها وهي تشكل ثلث ما سرق‏,‏ هناك عشرة آلاف قطعة أعيدت وعشرة آلاف قطعة أخري لا نعرف عنها شيئا‏,‏ قسم منه تم تهريبه خارج العراق وقسم لا يزال داخل العراق‏,‏ والقطع المعادة متضررة وتحتاج إلي ترميم‏.‏ نأمل أن تتطور علاقاتنا الثقافية مع الدول العربية الشقيقة فيما يتعلق بإدارة العملية الثقافية‏,‏ مصر مثلا لديها تجربة ثقافية واسعة بالنشر ومعارض الكتب‏,‏ كذلك سوريا وتونس والكويت‏..‏ وهناك جهات عالمية ترغب أن تساهم في حياتنا الثقافية مثل معهد جوتة الألماني الذي تقدم بعرض للاستفادة من البيوت التراثية العراقية كمعارض ودور عرض للآثار‏,‏ وبدورنا سنضع هذه البيوت تحت تصرف أية جهة تستخدمها وتصونها طالما نحن عاجزون عن حمايتها‏.‏
‏‏ لكن الثقافة العراقية استطاعت أن تعبر عن نفسها وتأخذ دورها‏,‏ والمثقف العراقي ورموز العراق في الشعر والأدب معروفون في الوطن العربي‏.‏
نعم‏,‏ وهذا كان محط تقدير واسع النطاق عربيا وعالميا لحيوية ودينامية الثقافة العراقية وقدرتها علي النمو والتطور رغم قسوة الظروف‏..‏ هناك آلاف المثقفين هاجروا إلي الخارج‏,‏ وآلاف أخري واصلوا إبداعهم بظروف بالغة القسوة وأحيانا اضطروا إلي إخفاء ثمار هذا الإبداع حتي لا يضعوا أنفسهم وأقلامهم في خدمة النظام المعادي للثقافة‏,‏ وهذا يدل علي أصالة وحيوية الإبداع العراقي‏.‏
‏‏ بمناسبة المثقفين في الخارج‏,‏ رغم مرور عام علي انتهاء الحرب وتغير النظام لم يعد الكثير من المثقفين للعراق ما عدا أولئك المرتبطين بأحزاب سياسية ؟
‏?‏ السبب هو الظروف السائدة بالبلد‏,‏ نعم مرت سنة لكن الأمور لم تستقر كما كنا نأمل‏,‏ مازال الوضع الأمني غير مشجع‏,‏ مازالت هناك بطالة واسعة‏,‏ أمور كثيرة في الحياة غير مؤمنة مثل الكهرباء والخدمات الأخري‏..‏ أعتقد أن هناك كثرة من المثقفين الموجودين في الخارج يتمنون العودة إلي العراق لكن هناك غياب كامل للشروط الضرورية لحياة طبيعية ولعل في مقدمتها الأمان‏,‏ وحتي لو تجاوزنا مشكلة الأمان فماذا يفعل المثقف هنا في العراق ونحن لا نستطيع أن نؤمن له وظيفة أو مصدرا يعيش منه هو وأطفاله‏,‏ وأعتقد أننا لن نتمكن من توفيرها في الوقت الحاضر‏,‏ الأمر مرتبط بنقل السلطة وإنهاء الاحتلال وانطلاق مشاريع الإعمار وعودة الخدمات‏....‏ إلخ‏.‏
‏‏ في مجال الأدب والنشر والفنون الأخري لم يستخدم البعض فضاء الحرية استخداما صحيحا وكل ما هو مطروح الآن عبارة عن فوضي‏,‏ لم نقرأ نصا أو قصيدة جيدة ولم نشاهد عرضا مسرحيا‏,‏ والصحف علي تعددها وكثرتها لم ترتق بعد إلي مستوي الوضع الجديد في العراق ؟
هذه هي حصيلة وثمرة الوضع غير الطبيعي‏,‏ نحن بلد محتل من ناحية والكلمة الأخيرة فيما يتعلق بحياته ومصائره والقرارات التي تتعلق به بيد سلطة الاحتلال حسب قرار مجلس الأمن الدولي‏,‏ وإلي جانب سلطة الاحتلال هناك سلطة محلية لكنها سلطة ليست كاملة الصلاحيات‏,‏ نحن نسعي من أجل نقل السلطة إلي الجانب العراقي لكي يتمتع بثرواته وحقوقه بشكل كامل‏...‏ الواقع الراهن يشير إلي أن العراق جسم له رأسان هذان الرأسان ليسا متكافئين‏,‏ ويصعب تصور أن هذا الجسم يعيش بصورة طبيعية بوجود هذه الازدواجية‏..‏ الأمور الآن لا تقاس بعدد الأشهر التي مرت علينا‏,‏ بل تقاس بما إذا كان البلد يتمتع باستقلاله وسيادته حقا‏,‏ وأن أبناءه يديرون أموره بأنفسهم وأن الكلمة الأخيرة كلمتهم‏,‏ وأنهم باشروا ببناء العراق الديمقراطي فعلا‏,‏ إذا توافرت هذه المستلزمات فيمكن أن نتصور أن هنالك أمورا ينبغي أن تؤمن شيئا فشيئا‏,‏ وعند ذاك يمكن أن نقول إننا بدأنا رحلة البناء ثقافيا وعلميا واجتماعيا‏.‏
‏‏ دار الشئون الثقافية من الدور المهمة في مجال الطبع والنشر ما هي مشاريع النشر في هذه الدار ؟
لدينا مشروع طموح فيما يتعلق بالنشر‏,‏ من أبرز السمات السيئة للنظام السابق أنه أقصي حركة النشر‏,‏ ولم تكن تصدر إلا في حدود ضيقة جدا ومعظمها كانت تتحدث عن عظمة الرئيس وعبقريته وخطبه وجولاته وصولاته‏,‏ اكتشفنا أن هناك العديد من الكتب التي أقرت وكانت مهيأة للطبع ثم منعت‏,‏ لأنها تحمل الوعي والثقافة إلي الناس‏,‏ وقد باشرنا طبع وإصدار العديد من الكتب التي كان الكثير من الشعراء والأدباء يكتبونها ويخبئونها خوفا من ملاحقتهم‏,‏ كذلك الكتب التي أصدرها المثقفون في الخارج واطلع عليها القارئ العربي ولم تصل إلي العراق‏,‏ والكتب العربية والعالمية التي صدرت ولم نقرأها‏,‏ نحن بحاجة إلي ثورة في مجال نشر الكتب‏,‏ وهذه ينبغي أن لا تقوم بها الدولة‏,‏ نريد أن ينهض القطاع الخاص بمهمة نشر الكتب أما دار الشئون الثقافية فدورها سيكون نشر الكتب التي لا يستطيع القطاع الخاص نشرها لارتفاع قيمتها‏,‏ أما بقية الكتب نريد أن ينهض بها القطاع الخاص ونشجع دور النشر الأهلية ونؤمن بعض مستلزمات عملها لكي نضمن صدور كتب زهيدة الثمن‏,‏ ونقرب الكتاب للمواطن ونجعله تحت تصرفه بعد أن حاول النظام السابق تنفير الناس منه‏.‏
‏‏ لم ينتج لحد الآن عرض مسرحي أو فيلم سينمائي؟
‏?‏ أقمنا العام الماضي مهرجانا مسرحيا أعدنا فيه تقديم أعمال مسرحية كانت عرضت في السبعينيات وحازت علي إعجاب الجمهور‏,‏ وعرضت بظروف أمنية صعبة بحيث لم يتمكن الجمهور من الحضور إلي المسرح‏,‏ الآن نتهيأ لمهرجان مونودراما‏...‏ في السينما الموضوع أصعب لأنها تتطلب أجهزة ومعدات وقد تعرضت إلي السرقة بعد انتهاء الحرب ونحاول الآن الحصول علي أجهزة‏.‏
‏‏ دور السينما لاتزال تعرض أفلاما رخيصة‏,‏ وفي قلب بغداد مما بات يشكل ظاهرة ثقافية واجتماعية خطيرة‏,‏ ألا تستطيع وزارتكم التدخل للحد من هذه الظاهرة ؟
‏?‏ دور السينما لا سيطرة لنا عليها‏,‏ هي ملك خاص وننتظر صدور قانون وتشريعات ويعود الاستقرار والأمان‏,‏ في مثل هذه الظروف يصعب الانصياع للإجراءات والقرارات مثلا هنالك فوضي في السير والسائقين لا يمتثلون للنظام وهذا ينسحب علي كل مرافق الحياة‏,‏ وإذا استطعنا إقناع صاحب السينما بعرض أفلام جيدة علينا أن نسال أنفسنا من هم رواد السينما ليست هناك عائلة عراقية الآن ترتاد دور السينما‏,‏ بل أغلب رواد السينما هم من المراهقين وغير المتعلمين وهؤلاء يصعب تقويمهم الآن‏,‏ قريبا سيتم افتتاح نادي للسينما في دائرة السينما والمسرح ونوادي أخري خارج بغداد ونؤمن عودة بعض صالات السينما للحياة الثقافية‏,‏ ولكنه كله يرتبط بالأجواء العامة وعودة الاستقرار للحياة‏.‏