
|
مفيد الجزائري وزير الثقافة العراقي يري أن بلاده تعيد بناء الجسور
المثقف خطر علي مجتمع الاستبداد |
 | |
بغداد/ ندي عمران يقال إن الإبداع يولد من رحم المعاناة, وهو قول ينطبق تماما علي الإبداع العراقي والثقافة العراقية.. فقد شاءت ظروف المبدعين العراقيين أن تكون المعاناة العلامة الفارقة لإبداعاتهم في شتي صنوف الأدب في الرواية والقصة والشعر والمسرح, لكنها تحاول اليوم أن تدشن تاريخا جديدا, وافقا واعدا, بعد أن سقطت الرموز والتماثيل والشواهد المزيفة. ويري المثقفون العراقيون أن فرصتهم قد حانت لطرح البدائل وتحويل الثقافة إلي ظاهرة اجتماعية وفنية تعم البلد.. لكن السيد مفيد محمد جواد الجزائري وزير الثقافة يحاول أن يخلق مع كوكبة من المثقفين العراقيين في كل مجالات الإبداع مفهوما جديدا للثقافة, هي مزيج من التراث الإبداعي العراقي, وما حققه المبدعون العراقيون من نتاج ناضج بالمنافي, وتطلعات الإنسان العراقي الجديد إلي ثقافة ناصعة توقظ الأمل وتعيد إنتاجه. يقول الوزير العراقي الجزائري: إن النزوع الثقافي عند الإنسان العراقي نزوع لم يرتبط بتعلم اللغة وفتح المدارس ومكافحة الأمية, الرغبة والميل إلي الثقافة موجودة بدم العراقي البسيط, وعندما تتوفر لها ظروف وشروط ملائمة نري تفتح واكتشاف المواهب, وهذا موجود بشكل فطري مثلا الكثير من النساء العراقيات من جيل أمهاتنا ينظمن الشعر الشعبي وهن أميات لم يتلقين التعليم, ويا لبلاغة وحكمة ما ينظمنه.. هذا الميل العريق والرغبة في كل أشكال التعبير الثقافي ملحوظة, وحتي فيما يتعلق بالكتاب, منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي أشيعت مقولة إن القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ.. بينما الآن هناك غربة بين الإنسان العراقي والكتاب وهي ظاهرة غريبة جدا بسبب تأثيرات السياسة الديكتاتورية المعادية للثقافة.. وهذا يبدأ أو ينسحب علي عادات تعلم القراءة والبحث عن منابع الثقافة فقبل50 سنة مثلا كانت العادة المحببة لنا أثناء العطلة الصيفية هي القراءة كنا كالماكينة نلتهم أي كتاب يقع بأيدينا, الآن وجدت أن الجيل الجديد موقفه غير مبال من الكتاب, تمت تربية جيلين أو ثلاثة بروح النفور من الكتاب وعدم الشعور بأي حاجة للبحث لأنه لم يجر تربيته حتي علي ثقافة وتاريخ وجغرافية بلده, وجدت أن خريجي الجامعات أميون ثقافيا, نعم يقرأون ويكتبون لكنهم معدومو الثقافة, وهؤلاء ثمرة نظام يزعم أنه تعليمي ولكنه في الحقيقة تجهيلي يخرج ناسا جهلة لأن الديكتاتورية لا تريد ناسا متعلمين, المثقف خطر علي الأنظمة الديكتاتورية, خطر علي الاستبداد وسيادة الرأي الواحد والفكر الواحد, الثقافة هي ضوء الديمقراطية,, وهذا طبق بشكل كامل عندنا في العراق في ظل النظام الديكتاتوري يجب أن يكون الناس جهلة وطيعين, المطلوب أن يكون هناك إنسان ممتثل طيع وخانع وإلا لن يستطيع رأس النظام أن يديم نظامه. هذا يعني أن هناك كارثة ثقافية ؟ حقا.. وإلي جانب هذا هناك ما لحق من خراب بالمرافق الثقافية المختلفة. كانت هناك ثقافة مصنوعة, الروائي يملي عليه أحداث الرواية وشخوصها ونتائجها, والشاعر تملي عليه القصيدة وكذلك المسرحي والصحفي, كيف تتصدي الثقافة الجديدة لهذا الواقع ؟ الكثير من الأمور انقلبت رأسا علي عقب, الرقابة التي كانت مفروضة علي الصحفي والفنان الآن أزيلت بالكامل, الآن حرية في الإبداع والإنتاج بأي شكل من أشكال التعبير, وهذه قيمة كبيرة, وزارة الثقافة تسعي لأن تكون الحارس الأمين لحرية الثقافة والفكر والإبداع, هذا جانب.. من جانب آخر يقابله الإمكانات المادية الشحيحة والسبب أن البلد أفقر بالكامل في ظل السياسات السابقة, الإرهاب الداخلي, الحصار الاقتصادي, الاستثمار السئ لثروات البلد, الحروب وبضمنها الحرب الأخيرة التي أسقطت النظام, ثم إن الحرب نفسها دمرت الكثير من المرافق الثقافية ودور النشر ثم جاءت عمليات السلب والنهب والحرق والتدمير, ووجدنا أنفسنا في حالة يرثي لها علي صعيد المرافق الثقافية, نحن الآن بحاجة ماسة إلي بناء وإلي حماية ما لا يحصي من المواقع الثقافية والأثرية التي مازالت حتي الآن تتعرض للسرقة. سمعنا أن جهات إيطالية تقوم بأعمال ترميم للمتحف العراقي ؟ افتتحنا أول ورشة جهزت من قبل جهات إيطالية وهي عبارة عن مختبر لترميم وصيانة الآثار والقطع الأثرية التي تعرض في المتحف, وهو ما نعتبره أول الغيث ونأمل أن ينهمر بعده المطر.
|
 | | محررة المجلة مع وزير الثقافة العراقى |
هذا يؤشر إلي بناء علاقات ثقافية مع إيطاليا ومع منظمة اليونسكو, هل هناك نية لمد جسر ثقافي مع عواصم ثقافية في المرحلة المقبلة ؟ نسعي لبناء جسور ثقافية مع اليونسكو كمنظمة عالمية معنية بالثقافة تستطيع أن تؤمن لنا إعانات لتأمين مشاريع ثقافية.. إيطاليا جهزت لنا مختبرا لترميم الآثار وهو الخطوة الأولي في التعاون, الخطوة الثانية ستتم بالتعاون مع اليابان التي ستجهز هذا المختبر بأجهزة ومعدات حديثة جدا للعناية بالآثار, ونقصد القطع الأثرية التي سرقت من المتحف وأعيد قسم منها وهي تشكل ثلث ما سرق, هناك عشرة آلاف قطعة أعيدت وعشرة آلاف قطعة أخري لا نعرف عنها شيئا, قسم منه تم تهريبه خارج العراق وقسم لا يزال داخل العراق, والقطع المعادة متضررة وتحتاج إلي ترميم. نأمل أن تتطور علاقاتنا الثقافية مع الدول العربية الشقيقة فيما يتعلق بإدارة العملية الثقافية, مصر مثلا لديها تجربة ثقافية واسعة بالنشر ومعارض الكتب, كذلك سوريا وتونس والكويت.. وهناك جهات عالمية ترغب أن تساهم في حياتنا الثقافية مثل معهد جوتة الألماني الذي تقدم بعرض للاستفادة من البيوت التراثية العراقية كمعارض ودور عرض للآثار, وبدورنا سنضع هذه البيوت تحت تصرف أية جهة تستخدمها وتصونها طالما نحن عاجزون عن حمايتها. لكن الثقافة العراقية استطاعت أن تعبر عن نفسها وتأخذ دورها, والمثقف العراقي ورموز العراق في الشعر والأدب معروفون في الوطن العربي. نعم, وهذا كان محط تقدير واسع النطاق عربيا وعالميا لحيوية ودينامية الثقافة العراقية وقدرتها علي النمو والتطور رغم قسوة الظروف.. هناك آلاف المثقفين هاجروا إلي الخارج, وآلاف أخري واصلوا إبداعهم بظروف بالغة القسوة وأحيانا اضطروا إلي إخفاء ثمار هذا الإبداع حتي لا يضعوا أنفسهم وأقلامهم في خدمة النظام المعادي للثقافة, وهذا يدل علي أصالة وحيوية الإبداع العراقي. بمناسبة المثقفين في الخارج, رغم مرور عام علي انتهاء الحرب وتغير النظام لم يعد الكثير من المثقفين للعراق ما عدا أولئك المرتبطين بأحزاب سياسية ؟ ? السبب هو الظروف السائدة بالبلد, نعم مرت سنة لكن الأمور لم تستقر كما كنا نأمل, مازال الوضع الأمني غير مشجع, مازالت هناك بطالة واسعة, أمور كثيرة في الحياة غير مؤمنة مثل الكهرباء والخدمات الأخري.. أعتقد أن هناك كثرة من المثقفين الموجودين في الخارج يتمنون العودة إلي العراق لكن هناك غياب كامل للشروط الضرورية لحياة طبيعية ولعل في مقدمتها الأمان, وحتي لو تجاوزنا مشكلة الأمان فماذا يفعل المثقف هنا في العراق ونحن لا نستطيع أن نؤمن له وظيفة أو مصدرا يعيش منه هو وأطفاله, وأعتقد أننا لن نتمكن من توفيرها في الوقت الحاضر, الأمر مرتبط بنقل السلطة وإنهاء الاحتلال وانطلاق مشاريع الإعمار وعودة الخدمات.... إلخ. في مجال الأدب والنشر والفنون الأخري لم يستخدم البعض فضاء الحرية استخداما صحيحا وكل ما هو مطروح الآن عبارة عن فوضي, لم نقرأ نصا أو قصيدة جيدة ولم نشاهد عرضا مسرحيا, والصحف علي تعددها وكثرتها لم ترتق بعد إلي مستوي الوضع الجديد في العراق ؟ هذه هي حصيلة وثمرة الوضع غير الطبيعي, نحن بلد محتل من ناحية والكلمة الأخيرة فيما يتعلق بحياته ومصائره والقرارات التي تتعلق به بيد سلطة الاحتلال حسب قرار مجلس الأمن الدولي, وإلي جانب سلطة الاحتلال هناك سلطة محلية لكنها سلطة ليست كاملة الصلاحيات, نحن نسعي من أجل نقل السلطة إلي الجانب العراقي لكي يتمتع بثرواته وحقوقه بشكل كامل... الواقع الراهن يشير إلي أن العراق جسم له رأسان هذان الرأسان ليسا متكافئين, ويصعب تصور أن هذا الجسم يعيش بصورة طبيعية بوجود هذه الازدواجية.. الأمور الآن لا تقاس بعدد الأشهر التي مرت علينا, بل تقاس بما إذا كان البلد يتمتع باستقلاله وسيادته حقا, وأن أبناءه يديرون أموره بأنفسهم وأن الكلمة الأخيرة كلمتهم, وأنهم باشروا ببناء العراق الديمقراطي فعلا, إذا توافرت هذه المستلزمات فيمكن أن نتصور أن هنالك أمورا ينبغي أن تؤمن شيئا فشيئا, وعند ذاك يمكن أن نقول إننا بدأنا رحلة البناء ثقافيا وعلميا واجتماعيا. دار الشئون الثقافية من الدور المهمة في مجال الطبع والنشر ما هي مشاريع النشر في هذه الدار ؟ لدينا مشروع طموح فيما يتعلق بالنشر, من أبرز السمات السيئة للنظام السابق أنه أقصي حركة النشر, ولم تكن تصدر إلا في حدود ضيقة جدا ومعظمها كانت تتحدث عن عظمة الرئيس وعبقريته وخطبه وجولاته وصولاته, اكتشفنا أن هناك العديد من الكتب التي أقرت وكانت مهيأة للطبع ثم منعت, لأنها تحمل الوعي والثقافة إلي الناس, وقد باشرنا طبع وإصدار العديد من الكتب التي كان الكثير من الشعراء والأدباء يكتبونها ويخبئونها خوفا من ملاحقتهم, كذلك الكتب التي أصدرها المثقفون في الخارج واطلع عليها القارئ العربي ولم تصل إلي العراق, والكتب العربية والعالمية التي صدرت ولم نقرأها, نحن بحاجة إلي ثورة في مجال نشر الكتب, وهذه ينبغي أن لا تقوم بها الدولة, نريد أن ينهض القطاع الخاص بمهمة نشر الكتب أما دار الشئون الثقافية فدورها سيكون نشر الكتب التي لا يستطيع القطاع الخاص نشرها لارتفاع قيمتها, أما بقية الكتب نريد أن ينهض بها القطاع الخاص ونشجع دور النشر الأهلية ونؤمن بعض مستلزمات عملها لكي نضمن صدور كتب زهيدة الثمن, ونقرب الكتاب للمواطن ونجعله تحت تصرفه بعد أن حاول النظام السابق تنفير الناس منه. لم ينتج لحد الآن عرض مسرحي أو فيلم سينمائي؟ ? أقمنا العام الماضي مهرجانا مسرحيا أعدنا فيه تقديم أعمال مسرحية كانت عرضت في السبعينيات وحازت علي إعجاب الجمهور, وعرضت بظروف أمنية صعبة بحيث لم يتمكن الجمهور من الحضور إلي المسرح, الآن نتهيأ لمهرجان مونودراما... في السينما الموضوع أصعب لأنها تتطلب أجهزة ومعدات وقد تعرضت إلي السرقة بعد انتهاء الحرب ونحاول الآن الحصول علي أجهزة. دور السينما لاتزال تعرض أفلاما رخيصة, وفي قلب بغداد مما بات يشكل ظاهرة ثقافية واجتماعية خطيرة, ألا تستطيع وزارتكم التدخل للحد من هذه الظاهرة ؟ ? دور السينما لا سيطرة لنا عليها, هي ملك خاص وننتظر صدور قانون وتشريعات ويعود الاستقرار والأمان, في مثل هذه الظروف يصعب الانصياع للإجراءات والقرارات مثلا هنالك فوضي في السير والسائقين لا يمتثلون للنظام وهذا ينسحب علي كل مرافق الحياة, وإذا استطعنا إقناع صاحب السينما بعرض أفلام جيدة علينا أن نسال أنفسنا من هم رواد السينما ليست هناك عائلة عراقية الآن ترتاد دور السينما, بل أغلب رواد السينما هم من المراهقين وغير المتعلمين وهؤلاء يصعب تقويمهم الآن, قريبا سيتم افتتاح نادي للسينما في دائرة السينما والمسرح ونوادي أخري خارج بغداد ونؤمن عودة بعض صالات السينما للحياة الثقافية, ولكنه كله يرتبط بالأجواء العامة وعودة الاستقرار للحياة. |
|
|
 |
|
|
 |
|
|