
|
مرة أخري
الرقابة المجتمعية وبيان مجمع الكنيسة |
 | |
سيد محمود حسن في سابقة هي الأولي من نوعها, صدر عن المجمع المقدس لبطريركية الأقباط الأرثوذكس في مصر بيانا حمل عنوانا لافتا هو نظرة مصرية عن فيلم بحب السيما وأكثر ما يلفت النظر في البيان, صدوره لما يسمي لجنة المصنفات الكنيسية, ويبدو أنها اللجنة المنوط بها تقييم ورقابة الأعمال الفنية التي تتناول حياة المسيحيين أو العقيدة المسيحية في المصنفات الفنية, وهذه هي المرة الأولي حسب علمي التي يصدر فيها بيان عن هذه اللجنة, بصدد أي عمل فني, وهنا مكمن الخطورة, خاصة أن كاتب البيان اعتبر أن رأيه يلخص وجهة نظر مصرية تجاه الفيلم, علي الرغم من أن البيان حمل تعبيرات رقابية جاءت أقوي من اجتهاد كاتبه الذي حاول أن تأتي ملاحظاته علي الفيلم مستندة إلي مصطلحات نقدية أكثر من أي شئ آخر. وكان يمكن التفاعل مع البيان باعتباره يتضمن وجهة نظر في الفيلم, يمكن الاختلاف أو الاتفاق معها, لولا أنها جاءت صادرة عن مؤسسة دينية كان ينبغي أن تنأي بنفسها عن هذا الجدال, خاصة أن مثقفين مسيحيين كبارا كانوا ضمن اللجنة العليا للرقابة التي أجازت الفيلم, ومن ثم فإن توريط مؤسسة دينية في هذا الأمر من شأنه إحراج هذه الأسماء الكبيرة, وإظهار المؤسسة كشبح يطارد المبدعين والمسيحيين المستنيريين, وقد بدأ البيان بتسجيل عدة ملاحظات عن أداء الرقابة عن المصنفات الفنية, لكنه تمادي إلي حد اتهام الرقابة بأنها تفتح الباب لأي مصنف يعبث بصورة أي فئة من فئات المجتمع باسم حرية التغيير, وعلي الرغم من أن كاتب البيان صاغ هذه الفكرة في صورة سؤال, إلا أنه انتهي إلي اتهام الرقابة بطريقة واضحة بأنها تثير الحساسيات, وبطبيعة الحال لا يمكن الدفاع عن أداء جهاز الرقابة, وسبق لنا أن سجلنا في أكثر من موضع اختلافنا مع الآليات التي تعمل بها, لكن انطلاقا من رؤية تسعي إلي توسيع هامش الحريات, لا إلي مزيد من التضييق, وعلي الطريقة التي يري كاتب البيان أنها تحمي المجتمع, إذ أن الأمر المؤكد أن الرقابة تعمل وفق القانون, وبهدف رئيسي هو الحفاظ علي الوحدة الوطنية, ولا تعمل من أجل إثارة النعرات الطائفية كما حاول البيان إيهامنا بذلك, بل أكثر من ذلك, انتهي إلي أن فيلم بحب السيما يمثل إساءة, وإذا كان كاتب التقرير قد اعتبر بطل الفيلم يعاني فهما خاطئا للدين, فإننا نعتقد أن كاتب البيان يعاني هو الآخر فهما خاطئا لطبيعة العمل الفني, ويحاكمه علي أساس مطابقته للواقع دون أن يفكر لحظة أنه عمل ينطلق من الواقع, لكن وفق رؤية تنسجم مع خيال كاتبه, وللأسف لم ير البيان في الفيلم إلا الصورة التي انتهي إلي وصفها بـ الابتذال, وهي رؤية يسهل الاختلاف معها, انطلاقا من معايير نقدية واضحة, إذ سعي صانعو الفيلم- ونجحوا في ذلك- في الربط بين الاستبداد السياسي والاجتماعي, والنظر إلي الثاني باعتباره قرين الأول, لكن أغرب نتيجة انتهي إليها التقرير أن صانعي الفيلم كان هدفهم بـ المشاهد المبتذلة الجوفاء تحقيق المكسب ومغازلة شباك التذاكر. ولا نظن أن السعي للكسب من وراء أي عمل فني هو أمر منكور لذاته, وأعتقد أن كاتب التقرير لو أجهد نفسه قليلا في رؤية أعمال أسامة فوزي وهاني فوزي السابقة, لأدرك أن مغازلة شباك التذاكر لم يكن في أي يوم من الأهداف العظيمة التي يسعيان إلي تحقيقها, وأبرز تلك الأهداف قدرتهما علي صناعة سينما حقيقية. وهي السينما التي تعمل علي حصارها الرقابة المجتمعية التي يمثلها أصحاب البيان, والتي تظهر من خلال مجموعة القوي والحركات والتنظيمات الاجتماعية التي قد تتخذ من بعض الأفلام السينمائية موقف العداء, ولا نملك في النهاية إلا دعوة أصحاب البيان لمراجعة التقرير المهم الذي صدر الأسبوع الماضي تحت عنوان المقصلة والتنور, والذي يشير إلي حظر هذه الرقابة لأنها لا تستند إلي شرط التنظيم أو الأبعاد السياسية المباشرة, وإنما يرتبط بها اتجاه عام محافظ سائد في المجتمع المصري يمارس تأثيره بفرض قيود علي مجري حرية الرأي والتعبير.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|