379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مرة أخري

الرقابة المجتمعية وبيان مجمع الكنيسة

سيد محمود حسن


في سابقة هي الأولي من نوعها‏,‏ صدر عن المجمع المقدس لبطريركية الأقباط الأرثوذكس في مصر بيانا حمل عنوانا لافتا هو نظرة مصرية عن فيلم بحب السيما وأكثر ما يلفت النظر في البيان‏,‏ صدوره لما يسمي لجنة المصنفات الكنيسية‏,‏ ويبدو أنها اللجنة المنوط بها تقييم ورقابة الأعمال الفنية التي تتناول حياة المسيحيين أو العقيدة المسيحية في المصنفات الفنية‏,‏ وهذه هي المرة الأولي حسب علمي التي يصدر فيها بيان عن هذه اللجنة‏,‏ بصدد أي عمل فني‏,‏ وهنا مكمن الخطورة‏,‏ خاصة أن كاتب البيان اعتبر أن رأيه يلخص وجهة نظر مصرية تجاه الفيلم‏,‏ علي الرغم من أن البيان حمل تعبيرات رقابية جاءت أقوي من اجتهاد كاتبه الذي حاول أن تأتي ملاحظاته علي الفيلم مستندة إلي مصطلحات نقدية أكثر من أي شئ آخر‏.‏
وكان يمكن التفاعل مع البيان باعتباره يتضمن وجهة نظر في الفيلم‏,‏ يمكن الاختلاف أو الاتفاق معها‏,‏ لولا أنها جاءت صادرة عن مؤسسة دينية كان ينبغي أن تنأي بنفسها عن هذا الجدال‏,‏ خاصة أن مثقفين مسيحيين كبارا كانوا ضمن اللجنة العليا للرقابة التي أجازت الفيلم‏,‏ ومن ثم فإن توريط مؤسسة دينية في هذا الأمر من شأنه إحراج هذه الأسماء الكبيرة‏,‏ وإظهار المؤسسة كشبح يطارد المبدعين والمسيحيين المستنيريين‏,‏ وقد بدأ البيان بتسجيل عدة ملاحظات عن أداء الرقابة عن المصنفات الفنية‏,‏ لكنه تمادي إلي حد اتهام الرقابة بأنها تفتح الباب لأي مصنف يعبث بصورة أي فئة من فئات المجتمع باسم حرية التغيير‏,‏ وعلي الرغم من أن كاتب البيان صاغ هذه الفكرة في صورة سؤال‏,‏ إلا أنه انتهي إلي اتهام الرقابة بطريقة واضحة بأنها تثير الحساسيات‏,‏ وبطبيعة الحال لا يمكن الدفاع عن أداء جهاز الرقابة‏,‏ وسبق لنا أن سجلنا في أكثر من موضع اختلافنا مع الآليات التي تعمل بها‏,‏ لكن انطلاقا من رؤية تسعي إلي توسيع هامش الحريات‏,‏ لا إلي مزيد من التضييق‏,‏ وعلي الطريقة التي يري كاتب البيان أنها تحمي المجتمع‏,‏ إذ أن الأمر المؤكد أن الرقابة تعمل وفق القانون‏,‏ وبهدف رئيسي هو الحفاظ علي الوحدة الوطنية‏,‏ ولا تعمل من أجل إثارة النعرات الطائفية كما حاول البيان إيهامنا بذلك‏,‏ بل أكثر من ذلك‏,‏ انتهي إلي أن فيلم بحب السيما يمثل إساءة‏,‏ وإذا كان كاتب التقرير قد اعتبر بطل الفيلم يعاني فهما خاطئا للدين‏,‏ فإننا نعتقد أن كاتب البيان يعاني هو الآخر فهما خاطئا لطبيعة العمل الفني‏,‏ ويحاكمه علي أساس مطابقته للواقع دون أن يفكر لحظة أنه عمل ينطلق من الواقع‏,‏ لكن وفق رؤية تنسجم مع خيال كاتبه‏,‏ وللأسف لم ير البيان في الفيلم إلا الصورة التي انتهي إلي وصفها بـ الابتذال‏,‏ وهي رؤية يسهل الاختلاف معها‏,‏ انطلاقا من معايير نقدية واضحة‏,‏ إذ سعي صانعو الفيلم‏-‏ ونجحوا في ذلك‏-‏ في الربط بين الاستبداد السياسي والاجتماعي‏,‏ والنظر إلي الثاني باعتباره قرين الأول‏,‏ لكن أغرب نتيجة انتهي إليها التقرير أن صانعي الفيلم كان هدفهم بـ المشاهد المبتذلة الجوفاء تحقيق المكسب ومغازلة شباك التذاكر‏.‏
ولا نظن أن السعي للكسب من وراء أي عمل فني هو أمر منكور لذاته‏,‏ وأعتقد أن كاتب التقرير لو أجهد نفسه قليلا في رؤية أعمال أسامة فوزي وهاني فوزي السابقة‏,‏ لأدرك أن مغازلة شباك التذاكر لم يكن في أي يوم من الأهداف العظيمة التي يسعيان إلي تحقيقها‏,‏ وأبرز تلك الأهداف قدرتهما علي صناعة سينما حقيقية‏.‏ وهي السينما التي تعمل علي حصارها الرقابة المجتمعية التي يمثلها أصحاب البيان‏,‏ والتي تظهر من خلال مجموعة القوي والحركات والتنظيمات الاجتماعية التي قد تتخذ من بعض الأفلام السينمائية موقف العداء‏,‏ ولا نملك في النهاية إلا دعوة أصحاب البيان لمراجعة التقرير المهم الذي صدر الأسبوع الماضي تحت عنوان المقصلة والتنور‏,‏ والذي يشير إلي حظر هذه الرقابة لأنها لا تستند إلي شرط التنظيم أو الأبعاد السياسية المباشرة‏,‏ وإنما يرتبط بها اتجاه عام محافظ سائد في المجتمع المصري يمارس تأثيره بفرض قيود علي مجري حرية الرأي والتعبير‏.‏