
|
غواص
بين الشدة واللين |
 | |
د. مبروك عطية أستاذ ورئيس قسم اللغويات ــ كلية الدراسات الإسلامية ـ جامعة الأزهر المسلم كغيره إنسان, مفطور علي الأكل والشرب, لكنه يأكل ويشرب وينام ويمارس الرياضة طلبا للنفع, حيث ينتفع بطعامه وشرابه, ورياضته, فيصح بدنه ويقوي, كي يعمل وينفع نفسه وأهله ومجتمعه وأمته, ورحم الله الشافعي الذي علق علي حديث بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه, بقوله: ليستطيع أداء الصلاة قائما, فأول ما فكر فيه الإمام من إقامة الصلب نصب الطول فكر في إقامة الصلاة للأكل المنتفع بطعامه قائما لا قاعدا, ولا علي جنبه الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم. والطعام لا يفيد آكله لأسباب يمكن حصرها في موضعين: الأول: أن يكون الطعام فاسدا في ذاته, فإنه في هذا الموضع يضره ولا ينفعه, وقد حرم الإسلام الخبائث لضررها, يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث, وقد أثبت العلم ضرر الأشياء التي حرمت نبض الذكر الحكيم, كالميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها, فإذا اضطر المسلم وهو في سفر حلال إلي أكل شئ من ذلك, أكل منه بقدر ضئيل إلي أن يبلغ الطيب, فيذهب الله به قليل الخبيث, ومن ثم قال العلماء: الضرورة تقدر بقدرها, فلا يبالغ في حال الضرورة فيؤذي نفسه, وكذلك حرم الإسلام سائر الشهوات في غير سبيلها, فشرع الزواج مسلكا حلالا لغريزة الجنس, وحرم الزنا, واللواط وغيرهما, وقد انتشر بسبب ارتكاب ذلك الإيدز وضعفت المناعة عند الذين لم يجدوا وازعا للمناعة من دين وعفة, و جعل العمل سبيل إلي الكسب الحال, فما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده, وإن نبي الله داود- عليه السلام- كان يأكل من عمل يده وعلمناه صنعة لبوس لكم, فالعامل ينفع غيره بعمله, وينفع نفسه من أثر عمله, وحرم السرقة لما فيها من ضرر المسروق, وإن كان فيها منفعة للسارق, فلا ضرر ولا ضرار. والثاني: أن يكون الطعام طيبا صالحا غير فاسد, لكن النفس غير طيبة, نفس مضطربة, باضطرابها أفسدت الطعام فيبطن صاحبها, فلم تحسن المعدة استقباله, ولا الشهية من قبل التهامه, تعطلت المجاري التي يسلكها, وفزعت المعدة التي يستقر فيها, فكان مقام الطعام في البدن كمقام الضيف غير المرغوب فيه, أصبح غريبا, لم يلق ودا ولا أنسا, فعربد من بعد استقرار, وحارب من بعد سلام, فكانت النتيجة الضرر لا النفع, والإساءة لا الإحسان, والطب الحديث المتقدم قد وقف علي ذلك وأيده, وسماه تغيير الهرمونات في الجسم, وسبب تغير الهرمونات اضطراب النفس, وقد تضطرب النفس بسبب يتعلق بالحياة الدنيا, من سوء معاملة, وخسارة تجارة, وفشل في تجربة, وإخفاق في سعي, وقسوة من رحم, وغلظة من رئيس, وظلم من ظالم, فتضطرب النفس البشرية, والمسلم بشر, وقد عالج الإسلام هذه الأسباب وغيرها, فأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي, ونهي عن الفحشاء و المنكر والبغي, ولك أن تنظر إلي الحياة متي تحققت فيها هذه الآية من سورة النحل, حيث قال ربنا- تعالي-: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلم تذكرون, كيف تكون الحياة؟ إنها بلاشك حياة لا سبب فيها يدعو إلي تغير الهرمون ومن ثم إلي عدم الانتفاع بالطعام والشراب, ومن هنا قال الناس: فلان بياكل والأكل بياكل فيه, أي لا يظهر عليه أثر للطعام والشراب, وقالوا: لاقيني ولا تغديني, أي أحسن لقائي, وأدخل البشر علي نفسي, ولا تقدم لي طعاما, فإنني إن أحسنت لقائي انتفعت بما تقدمه لي أو بما يقدمه لي غيرك من قليل الزاد, أما إذا أسأت إلي فقد جرحت نفسي, وأوجعت قلبي, فلن أنتفع بما تقدمه إلي من لذيذ الطعام والشراب, أمر الإسلام بحسن اللقاء, وإفشاء السلام, وقال الشاعر: إذا جاءك الضيف فابسم له وقدم إليه وشيك القري والقري بكسر القاف وفتح الراء ما يقدم للضيف, أي ابتسم في وجهه, وقدم له الموجود بسرعة, فإن القادم يحب الطعام, و الابتسام قبل الطعام تهيئة للنفس, دخل ضيف إبراهيم عليه فقالوا سلاما, قال سلام, ونصب سلاما, أي نقول سلاما, ورفع سلام, أبلغ وأعظم أي سلام دائم ثابت عليكم لا يتغير, ولا يتحول, فأنتم عندي في سلام دائم أبدا ما أقمتم, ومالبث أن جاء بعجل حنيذ, لكنه قدم السلام الدائم علي العجل, وبث الطمأنينة في نفوس الضيوف قبل أن يعرض الطعام عليهم, وقد سجلت كتب التاريخ والسير عن سيدنا النبي- صلي الله عليه وسلم- أنه ما شوهد إلا مبتسما, وقبل أن يأتي حديث القرآن عن النفقة الزوجية تحدث عن الزواج بأنه سكن ومودة ورحمة, فقال تعالي: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها, وجعل بينكم مودة ورحمة, فإذا سكنت النفس, وانتشرت المودة وسرت أنهار الرحمة طاب الطعام والشراب, وحسنت المعاشرة. لكن هناك من الأسباب سبب أشد وقعا علي النفس من جميع هذه الأسباب, وهو أن يعيش المسلم حالة يأس من رحمة الله- عز وعلا- ويعلم أنه لن يغفر الله له, عندئذ لا ينفعه طعام ولا شراب, ولا تستقيم خطاه علي طريق, ولا يشعر بنعيم الدنيا لو كانت بكل ما فيها نعيما وملذات, والصفوة من المسلمين هم الذين يقدرون ذلك السبب, ويتأثرون به, ولا يعودون إلي طبيعتهم البشرية من الانتفاع بالطعام والشراب إذا غاب هذا الإحساس في طيات إحساس جديد, هو الطمع في رحمة الله- تعالي- روي أن عمر بن الخطاب قال: حين نزلت هذه الآية: من يعمل سوءا يجز به لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب, لأنه ما من مسلم إلا يعمل سوءا علي اختلاف الدرجات, ومعني ذلك أنه يجزي به, فمن ذا الذي يقول: أنا لم أعمل سوءا أبدا؟ لكن الأمل يتجدد في نفس القارئ, حين يعلم أنه- رضي الله عنه- قال: حتي أنزل الله بعد ذلك ورخص: من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما, أي بنزول هذه الآية نفع الطعام والشراب, يتجدد الأمل في النفوس, حيث حصل الرجاء واطمأنت به القلوب, فمن أصدق من الله حديثا. ففي القرآن الكريم شدة ولين, خوف ورجاء, وعقاب وثواب, يقول الله- تعالي-: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم, وأن عذابي هو العذاب الأليم. ولو عاش المسلم علي الشدة فقط ما نفعه طعامه ولا شرابه, ولو وجدناه حزينا كئيبا أبدا, لا فسحة عنده لابتسام, ولا مجال عنده إلا للآلام, فكيف ينهض ويعمر, ويجاهد, ويحمي عقيدته وأرضه, وكيف يعمل ويتكسب؟ إنه للموت أقرب منه إلي الحياة, ولليأس القاتل أقرب منه إلي الأمل الباعث همته ونشاطه. ولو عاش المسلم علي اللين فقط ما عمل حسنة واحدة, وما اجتهد, وما تاب, وما أناب, وما استغفر, فكان أقرب للتواكل منه إلي التوكل, وللتفريط أقرب منه إلي الالتزام, إنها موازنة دقيقة ومعادلة ربانية أن يتقلب المسلم بين الشدة فيعتصر, وبين اللين فينشرح, إذا سحبته الشهرة إلي اليأس مد الأمل إليه ذراعه, فأنقذه من عطب الشيطان وخزيه, الذي يدعوه إلي عذاب السعير, وإذا مال به اللين إلي الترف والكسل قرعته آيات الشدة, فأفاق من دعته, واجتهد في إرضاء ربه, فوقوفه عند آيات الشدة فقط ظلم وجهل, ووقوفه عند آيات اللين فقط غرور وتخلف, ودعوة إلي التواكل والتكاسل, ومن هنا يكون المنهج السليم في الدعوة إلي الله- عز وعلا- والتي قال الله فيها ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة, وكثيرا ما ينسي الناس في زماننا الحكمة بمعناها الصحيح, ينهلون منها الهدوء وعدم التعصب, ويركزون اهتمامهم علي الموعظة الحسنة, وينسون أن الحكمة تقتضي تلك المعادلة, وخير من دعا إلي الله- عز وجل- رسول الله- صلي الله عليه وسلم- الذي أنزل عليه الذكر, وأتاه الله الحكمة, وقد وصفه ربه تعالي بقوله: ومبشرا ونذيرا, فالبشري للمؤمنين, والإنذار لمن أعرض وتولي, أما أن نجد أناسا حملوا جهنم عمرهم إلي الناس, فليس علي لسانهم إلا العذاب, وأن المرأة في النار, وأن أي تصرف منها زنا, وأن طعامنا حرام, وشرابنا حرام, وأنه لن يستجيب الله لنا, وأننا في أسفل سافلين بدون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون, وأن وأن والشجاع الأقرع في انتظارنا, فهؤلاء أهل اليأس, وهم أول من يحرم رحمة الله لما جاء في صحيح البخاري, لأنهم كانوا سببا في يأس الناس من رحمة الله, أو أن نجد من فتحوها علي البحري هواء عليل, وجنات تجري من تحتها الأنهار, وحور عين, وكل شئ حلال, وافعل ولا حرج في كل الأمور, ومن قال يارب, فتح له السماوات والأرض, وقال لبيك عبدي, وأن وأن, وأن الجنة في انتظار كل من نطق بالشهادتين, وإن عاث في الأرض فسادا, فهؤلاء دعاة إلي التواكل, ولو وقفوا علي الحكمة لدعوا بها جامعين بين الشدة واللين, ناظرين في أحكام الدين بنية أن يتعلموا ويعلموا, والله من وراء القصد*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|