379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

غواص

بين الشدة واللين

د‏.‏ مبروك عطية
أستاذ ورئيس قسم اللغويات ــ كلية الدراسات الإسلامية ـ جامعة الأزهر


المسلم كغيره إنسان‏,‏ مفطور علي الأكل والشرب‏,‏ لكنه يأكل ويشرب وينام ويمارس الرياضة طلبا للنفع‏,‏ حيث ينتفع بطعامه وشرابه‏,‏ ورياضته‏,‏ فيصح بدنه ويقوي‏,‏ كي يعمل وينفع نفسه وأهله ومجتمعه وأمته‏,‏ ورحم الله الشافعي الذي علق علي حديث بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه‏,‏ بقوله‏:‏ ليستطيع أداء الصلاة قائما‏,‏ فأول ما فكر فيه الإمام من إقامة الصلب نصب الطول فكر في إقامة الصلاة للأكل المنتفع بطعامه قائما لا قاعدا‏,‏ ولا علي جنبه الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم‏.‏
والطعام لا يفيد آكله لأسباب يمكن حصرها في موضعين‏:‏ الأول‏:‏ أن يكون الطعام فاسدا في ذاته‏,‏ فإنه في هذا الموضع يضره ولا ينفعه‏,‏ وقد حرم الإسلام الخبائث لضررها‏,‏ يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث‏,‏ وقد أثبت العلم ضرر الأشياء التي حرمت نبض الذكر الحكيم‏,‏ كالميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها‏,‏ فإذا اضطر المسلم وهو في سفر حلال إلي أكل شئ من ذلك‏,‏ أكل منه بقدر ضئيل إلي أن يبلغ الطيب‏,‏ فيذهب الله به قليل الخبيث‏,‏ ومن ثم قال العلماء‏:‏ الضرورة تقدر بقدرها‏,‏ فلا يبالغ في حال الضرورة فيؤذي نفسه‏,‏ وكذلك حرم الإسلام سائر الشهوات في غير سبيلها‏,‏ فشرع الزواج مسلكا حلالا لغريزة الجنس‏,‏ وحرم الزنا‏,‏ واللواط وغيرهما‏,‏ وقد انتشر بسبب ارتكاب ذلك الإيدز وضعفت المناعة عند الذين لم يجدوا وازعا للمناعة من دين وعفة‏,‏ و جعل العمل سبيل إلي الكسب الحال‏,‏ فما أكل أحد طعاما قط خير من أن يأكل من عمل يده‏,‏ وإن نبي الله داود‏-‏ عليه السلام‏-‏ كان يأكل من عمل يده وعلمناه صنعة لبوس لكم‏,‏ فالعامل ينفع غيره بعمله‏,‏ وينفع نفسه من أثر عمله‏,‏ وحرم السرقة لما فيها من ضرر المسروق‏,‏ وإن كان فيها منفعة للسارق‏,‏ فلا ضرر ولا ضرار‏.‏
والثاني‏:‏ أن يكون الطعام طيبا صالحا غير فاسد‏,‏ لكن النفس غير طيبة‏,‏ نفس مضطربة‏,‏ باضطرابها أفسدت الطعام فيبطن صاحبها‏,‏ فلم تحسن المعدة استقباله‏,‏ ولا الشهية من قبل التهامه‏,‏ تعطلت المجاري التي يسلكها‏,‏ وفزعت المعدة التي يستقر فيها‏,‏ فكان مقام الطعام في البدن كمقام الضيف غير المرغوب فيه‏,‏ أصبح غريبا‏,‏ لم يلق ودا ولا أنسا‏,‏ فعربد من بعد استقرار‏,‏ وحارب من بعد سلام‏,‏ فكانت النتيجة الضرر لا النفع‏,‏ والإساءة لا الإحسان‏,‏ والطب الحديث المتقدم قد وقف علي ذلك وأيده‏,‏ وسماه تغيير الهرمونات في الجسم‏,‏ وسبب تغير الهرمونات اضطراب النفس‏,‏ وقد تضطرب النفس بسبب يتعلق بالحياة الدنيا‏,‏ من سوء معاملة‏,‏ وخسارة تجارة‏,‏ وفشل في تجربة‏,‏ وإخفاق في سعي‏,‏ وقسوة من رحم‏,‏ وغلظة من رئيس‏,‏ وظلم من ظالم‏,‏ فتضطرب النفس البشرية‏,‏ والمسلم بشر‏,‏ وقد عالج الإسلام هذه الأسباب وغيرها‏,‏ فأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي‏,‏ ونهي عن الفحشاء و المنكر والبغي‏,‏ ولك أن تنظر إلي الحياة متي تحققت فيها هذه الآية من سورة النحل‏,‏ حيث قال ربنا‏-‏ تعالي‏-:‏ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلم تذكرون‏,‏ كيف تكون الحياة؟ إنها بلاشك حياة لا سبب فيها يدعو إلي تغير الهرمون ومن ثم إلي عدم الانتفاع بالطعام والشراب‏,‏ ومن هنا قال الناس‏:‏ فلان بياكل والأكل بياكل فيه‏,‏ أي لا يظهر عليه أثر للطعام والشراب‏,‏ وقالوا‏:‏ لاقيني ولا تغديني‏,‏ أي أحسن لقائي‏,‏ وأدخل البشر علي نفسي‏,‏ ولا تقدم لي طعاما‏,‏ فإنني إن أحسنت لقائي انتفعت بما تقدمه لي أو بما يقدمه لي غيرك من قليل الزاد‏,‏ أما إذا أسأت إلي فقد جرحت نفسي‏,‏ وأوجعت قلبي‏,‏ فلن أنتفع بما تقدمه إلي من لذيذ الطعام والشراب‏,‏ أمر الإسلام بحسن اللقاء‏,‏ وإفشاء السلام‏,‏ وقال الشاعر‏:‏
إذا جاءك الضيف فابسم له وقدم إليه وشيك القري
والقري بكسر القاف وفتح الراء ما يقدم للضيف‏,‏ أي ابتسم في وجهه‏,‏ وقدم له الموجود بسرعة‏,‏ فإن القادم يحب الطعام‏,‏ و الابتسام قبل الطعام تهيئة للنفس‏,‏ دخل ضيف إبراهيم عليه فقالوا سلاما‏,‏ قال سلام‏,‏ ونصب سلاما‏,‏ أي نقول سلاما‏,‏ ورفع سلام‏,‏ أبلغ وأعظم أي سلام دائم ثابت عليكم لا يتغير‏,‏ ولا يتحول‏,‏ فأنتم عندي في سلام دائم أبدا ما أقمتم‏,‏ ومالبث أن جاء بعجل حنيذ‏,‏ لكنه قدم السلام الدائم علي العجل‏,‏ وبث الطمأنينة في نفوس الضيوف قبل أن يعرض الطعام عليهم‏,‏ وقد سجلت كتب التاريخ والسير عن سيدنا النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أنه ما شوهد إلا مبتسما‏,‏ وقبل أن يأتي حديث القرآن عن النفقة الزوجية تحدث عن الزواج بأنه سكن ومودة ورحمة‏,‏ فقال تعالي‏:‏ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها‏,‏ وجعل بينكم مودة ورحمة‏,‏ فإذا سكنت النفس‏,‏ وانتشرت المودة وسرت أنهار الرحمة طاب الطعام والشراب‏,‏ وحسنت المعاشرة‏.‏
لكن هناك من الأسباب سبب أشد وقعا علي النفس من جميع هذه الأسباب‏,‏ وهو أن يعيش المسلم حالة يأس من رحمة الله‏-‏ عز وعلا‏-‏ ويعلم أنه لن يغفر الله له‏,‏ عندئذ لا ينفعه طعام ولا شراب‏,‏ ولا تستقيم خطاه علي طريق‏,‏ ولا يشعر بنعيم الدنيا لو كانت بكل ما فيها نعيما وملذات‏,‏ والصفوة من المسلمين هم الذين يقدرون ذلك السبب‏,‏ ويتأثرون به‏,‏ ولا يعودون إلي طبيعتهم البشرية من الانتفاع بالطعام والشراب إذا غاب هذا الإحساس في طيات إحساس جديد‏,‏ هو الطمع في رحمة الله‏-‏ تعالي‏-‏ روي أن عمر بن الخطاب قال‏:‏ حين نزلت هذه الآية‏:‏ من يعمل سوءا يجز به لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب‏,‏ لأنه ما من مسلم إلا يعمل سوءا علي اختلاف الدرجات‏,‏ ومعني ذلك أنه يجزي به‏,‏ فمن ذا الذي يقول‏:‏ أنا لم أعمل سوءا أبدا؟
لكن الأمل يتجدد في نفس القارئ‏,‏ حين يعلم أنه‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ قال‏:‏ حتي أنزل الله بعد ذلك ورخص‏:‏ من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما‏,‏ أي بنزول هذه الآية نفع الطعام والشراب‏,‏ يتجدد الأمل في النفوس‏,‏ حيث حصل الرجاء واطمأنت به القلوب‏,‏ فمن أصدق من الله حديثا‏.‏
ففي القرآن الكريم شدة ولين‏,‏ خوف ورجاء‏,‏ وعقاب وثواب‏,‏ يقول الله‏-‏ تعالي‏-:‏ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم‏,‏ وأن عذابي هو العذاب الأليم‏.‏
ولو عاش المسلم علي الشدة فقط ما نفعه طعامه ولا شرابه‏,‏ ولو وجدناه حزينا كئيبا أبدا‏,‏ لا فسحة عنده لابتسام‏,‏ ولا مجال عنده إلا للآلام‏,‏ فكيف ينهض ويعمر‏,‏ ويجاهد‏,‏ ويحمي عقيدته وأرضه‏,‏ وكيف يعمل ويتكسب؟ إنه للموت أقرب منه إلي الحياة‏,‏ ولليأس القاتل أقرب منه إلي الأمل الباعث همته ونشاطه‏.‏
ولو عاش المسلم علي اللين فقط ما عمل حسنة واحدة‏,‏ وما اجتهد‏,‏ وما تاب‏,‏ وما أناب‏,‏ وما استغفر‏,‏ فكان أقرب للتواكل منه إلي التوكل‏,‏ وللتفريط أقرب منه إلي الالتزام‏,‏ إنها موازنة دقيقة ومعادلة ربانية أن يتقلب المسلم بين الشدة فيعتصر‏,‏ وبين اللين فينشرح‏,‏ إذا سحبته الشهرة إلي اليأس مد الأمل إليه ذراعه‏,‏ فأنقذه من عطب الشيطان وخزيه‏,‏ الذي يدعوه إلي عذاب السعير‏,‏ وإذا مال به اللين إلي الترف والكسل قرعته آيات الشدة‏,‏ فأفاق من دعته‏,‏ واجتهد في إرضاء ربه‏,‏ فوقوفه عند آيات الشدة فقط ظلم وجهل‏,‏ ووقوفه عند آيات اللين فقط غرور وتخلف‏,‏ ودعوة إلي التواكل والتكاسل‏,‏ ومن هنا يكون المنهج السليم في الدعوة إلي الله‏-‏ عز وعلا‏-‏ والتي قال الله فيها ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة‏,‏ وكثيرا ما ينسي الناس في زماننا الحكمة بمعناها الصحيح‏,‏ ينهلون منها الهدوء وعدم التعصب‏,‏ ويركزون اهتمامهم علي الموعظة الحسنة‏,‏ وينسون أن الحكمة تقتضي تلك المعادلة‏,‏ وخير من دعا إلي الله‏-‏ عز وجل‏-‏ رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ الذي أنزل عليه الذكر‏,‏ وأتاه الله الحكمة‏,‏ وقد وصفه ربه تعالي بقوله‏:‏ ومبشرا ونذيرا‏,‏ فالبشري للمؤمنين‏,‏ والإنذار لمن أعرض وتولي‏,‏ أما أن نجد أناسا حملوا جهنم عمرهم إلي الناس‏,‏ فليس علي لسانهم إلا العذاب‏,‏ وأن المرأة في النار‏,‏ وأن أي تصرف منها زنا‏,‏ وأن طعامنا حرام‏,‏ وشرابنا حرام‏,‏ وأنه لن يستجيب الله لنا‏,‏ وأننا في أسفل سافلين بدون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏,‏ وأن وأن والشجاع الأقرع في انتظارنا‏,‏ فهؤلاء أهل اليأس‏,‏ وهم أول من يحرم رحمة الله لما جاء في صحيح البخاري‏,‏ لأنهم كانوا سببا في يأس الناس من رحمة الله‏,‏ أو أن نجد من فتحوها علي البحري هواء عليل‏,‏ وجنات تجري من تحتها الأنهار‏,‏ وحور عين‏,‏ وكل شئ حلال‏,‏ وافعل ولا حرج في كل الأمور‏,‏ ومن قال يارب‏,‏ فتح له السماوات والأرض‏,‏ وقال لبيك عبدي‏,‏ وأن وأن‏,‏ وأن الجنة في انتظار كل من نطق بالشهادتين‏,‏ وإن عاث في الأرض فسادا‏,‏ فهؤلاء دعاة إلي التواكل‏,‏ ولو وقفوا علي الحكمة لدعوا بها جامعين بين الشدة واللين‏,‏ ناظرين في أحكام الدين بنية أن يتعلموا ويعلموا‏,‏ والله من وراء القصد‏*‏