379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
كيف تتعامل مصر مع حالة غزة؟

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


لم يفاجئنا الأستاذ فهمي هويدي بمقاله في الأهرام يوم الثلاثاء‏15‏ يونيو الجاري والمنتقد لموقف الحكومة المصرية من التعامل مع خطة شارون للانسحاب من غزة‏.‏ ولكن المفاجأة ـ كما هي العادة‏!‏ ـ جاءت من التجاهل التام لكل الاعتبارات الإستراتيجية المرتبطة بالموقف‏,‏ وعلي أية حال ما إن بدأت القيادة المصرية في العمل من أجل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من غزة حتي بدأ الهجوم عليها صراحة وغمزا ولمزا من قبل القوي القوموية والإسلاموية في العالم العربي ومصر‏.‏ ويقوم الهجوم علي منطق يقوم وفق التسلسل التالي‏:‏ أن العمليات الانتحارية الاستشهادية قد نجحت وانتصرت علي إسرائيل‏,‏ ومن هنا جاءت خطة شارون لبناء السور حتي يحمي إسرائيل خلفه من هجمات المقاومة‏,‏ والانسحاب الجزئي من غزة وأجزاء من الضفة الغربية‏,‏ وإزالة المستوطنات في الأولي وبعضها ـ أربع ـ في الثانية‏.‏ وإذا كان الحال كذلك‏,‏ فلابد من ترك الحال علي حاله‏,‏ لأن استمرار النضال سوف يؤدي في النهاية إلي رحيل الإسرائيليين‏,‏ ويصبح ممكنا تحرير فلسطين من النهر إلي البحر‏,‏ والتدخل المصري هنا لا يخدم هدفا إلا إنقاذ شارون من مأزقه الأمني‏,‏ فضلا عن أنه سوف يساهم في دعم أجهزة الأمن الفلسطينية وتوحيدها مما قد يتسبب في حرب أهلية فلسطينية‏.‏
هذا المنطق فيه عوار في المعلومات‏,‏ وعجز هائل في التقدير لحقائق الأمور‏,‏ واستهتار كامل بالمصالح الوطنية والقومية العليا‏,‏ فمن ناحية فإن ما جري في غزة خلال السنوات الماضية كان مهددا للمصالح المصرية المباشرة‏,‏ فعندما تقوم جماعات فلسطينية بحفر‏46‏ نفقا علي الحدود المصرية الفلسطينية يجري فيها تهريب السلاح فإن الأمر يدخل مصر في ساحة للمواجهة لم يتم استشارتها فيها ولا التعاون معها بشأنها‏.‏ وعندما يربط ذلك بمحاولة فلسطينية أخري لاستخدام بحارة مصريين في سفينة كارين إيه لحمل السلاح من إيران إلي فلسطين عبر قناة السويس دون معرفة منا فإننا لابد وأن نستنتج أن هناك بين الإخوة الفلسطينيين‏,‏ ومعهم مصريون يدافعون عنهم‏,‏ يريدون توريط مصر فيما لم تقرره سلطاتها الشرعية‏,‏ وما لا يقل خطورة عن ذلك‏,‏ أن هذه الأنفاق لم تستخدم فقط لنقل السلاح إلي إسرائيل‏,‏ بل إنها استخدمت لنقل السلاح إلي مصر‏,‏ ومعها المخدرات‏,‏ وفي بعض الأحيان استخدمت من أجل نقل مستوطنين جدد من أوروبا الشرقية إلي إسرائيل‏.‏ المسألة بهذه الطريقة ليست نضالية فقط من أجل تحرير فلسطين‏,‏ وإنما هي متعلقة بأمور الأمن القومي المصري‏,‏ واستقلال القرار المصري في اتخاذ القرارات التي سوف تمس مستقبل المصريين ومستقبل أطفالهم‏.‏
ومن ناحية أخري فإن هناك أخطاء في فهم ما يسمي بمأزق شارون وخطته للانسحاب الجزئي الأحادي‏,‏ فلا شك أنه نتج جزئيا عن المقاومة الفلسطينية‏,‏ ولكنه نتج أيضا عن اتفاقيات جنيف التي أعطت طرحا مختلفا لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يتمشي مع خريطة الطريق والمبادرة العربية‏,‏ كما نتج أخيرا ـ وهذا هو أهم الأسباب علي الإطلاق ـ عن الحقائق الديموغرافية علي الأرض‏.‏ هذا العامل الأخير قد شكل أهم المؤثرات علي القرار الإسرائيلي سواء من ذهبوا علي اتفاق جنيف أم هؤلاء الذين ذهبوا في اتجاه خطة شارون‏,‏ فبالإضافة إلي أن الزيادة السكانية الطبيعية الفلسطينية أعلي من تلك الإسرائيلية‏,‏ فإن مصادر الهجرة اليهودية قد أخذت في النضوب‏,‏ وعندما قامت دولة إسرائيل كانت نسبة العرب فيها‏%18,‏ والآن فإنهم يمثلون‏%19‏ بسبب الهجرة من دول الاتحاد السوفيتي السابق‏,‏ هذه النسبة سوف تتغير خلال العشرين عاما القادمة‏,‏ ليس فقط بسبب الزيادة الطبيعية‏,‏ وإنما لأن عملية أوسلو قد أسفرت عن عودة‏100‏ ألف فلسطيني إلي إسرائيل‏,‏ بالإضافة إلي‏150‏ ألف فلسطيني وعربي ـ مصري وأردني ـ دخلوا إسرائيل بطريقة غير شرعية‏.‏
ومن ناحية ثالثة فإن مصر ليست إزاء مأزق إسرائيلي فقط‏,‏ وإنما مأزق فلسطيني أيضا‏,‏ فرغم كل عيوب عملية أوسلو المعروفة‏,‏ فإن نتائجها لم تكون وهمية وغير حقيقية كما يحاول معارضوها ـ وخاصة الأستاذ هويدي ـ أن يقولوا لنا‏,‏ فقد تحررت أراض فلسطينية وأصبحت بعيدة عن مرمي الاستيطان الإسرائيلي‏,‏ ومارس عدد من الفلسطينيين حق العودة بالفعل‏,,‏ وقامت سلطة وطنية فلسطينية تحافظ علي الهوية العربية للفلسطينيين‏,‏ كل ذلك تمت الإطاحة به‏,‏ مع عودة للاحتلال‏,‏ وزيادة في الاستيطان وصلت في غزة إلي‏21‏ مستوطنة‏,‏ وجاء السور لكي يغتصب أراض فلسطينية جديدة ويضمها عمليا إلي إسرائيل ويعزل الفلسطينيين داخل معازل عرقية‏.‏
ومن الناحية الرابعة فإن المأزق الإسرائيلي والمأزق الفلسطيني يخلقان مأزقا مصريا وعربيا لا شك فيه‏,‏ فقد كانت النتيجة الإسرائيلية الكبري لعسكرة الانتفاضة ليس فقط تحقيق نكبة فلسطينية جديدة لا تقل في فداحتها عن نكبتي‏1948‏ و‏1967,‏ وإنما تكريس ازدواجية القرار الفلسطيني بين السلطة الوطنية من جانب والجماعات والأحزاب الإسلامية من جانب آخر‏,‏ وأحيانا تمزيق هذا القرار الفلسطيني بين أكثر من جماعة في السلطة‏,‏ وأكثر من جماعة إسلامية‏,‏ إن هذا الوضع يخلق أوضاعا منذرة بالفوضي والانفلات والاحتراب الداخلي والتأثير علي الحدود المصرية الفلسطينية‏,‏ ومن يعرف تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي فقد كان في كثير من مراحله تاريخ توريط جماعات صغيرة لدول وأمم في قرارات كبري لم تشارك في صنعها‏,‏ ولا تم التشاور معها بشأنها‏.‏
ومن الناحية الخامسة فإن الظروف العالمية الراهنة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ وما بعد ا لحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق‏,‏ وظروف الانتخابات الأمريكية‏,‏ كلها تدفع القضية الفلسطينية نحو النسيان علي الساحة الدولية‏,‏ وعندما تنسي القضية فإنها علي الأرض تعني مزيدا من التوسع الإسرائيلي‏,‏ ومزيدا من القهر للشعب الفلسطيني‏.‏ وعندما تطول حالة الأزمة فإنها تؤثر علي مصر من الناحية الاقتصادية بالتأثير سلبا علي السياحة والاستثمارات الخارجية‏,‏ ومن الناحية السياسية لأنها تعطي وقودا للجماعات الأصولية التي باتت تسعي إلي تدمير الدولة العربية من السعودية وحتي المغرب‏.‏
ومن الناحية السادسة فإن مصر تشارك الكثيرين التشكك فيما يفعله شارون وحكومته‏,‏ ولكن القيادة المصرية لا تؤمن بالدبلوماسية التي يتحكم فيها الطرف الآخر‏,‏ بل إنها تدفع بالسياسة التي تحل مأزق الجميع تحرك الموقف من حالته المتردية الراهنة إلي حالة أفضل قليلا مما نحن عليه‏,‏ وبعد أن كان شارون يرفض تدخلا دوليا بات هناك تدخل دولي‏,‏ وبعد أن كان يرفض الحديث مع القيادة الفلسطينية أصبح قابلا بذلك‏,‏ وبعد أن كان آمنا في السلطة‏,‏ بات بغير أغلبية‏,‏ وفي النهاية فإن الخيارات كلها ليست سهلة إطلاقا‏,‏ ولكن الحركة في كل الأحوال أفضل من بقاء الأوضاع علي حالها‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا