379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نافذة
العمود الفقري للحياة المصرية

محمد حبوشة


للإمام محمد عبده‏-‏ يرحمه الله‏-‏ دعاء غاية في الروعة والرقة في آن واحد يقول فيه‏:‏ اللهم ارزقني إيمان الفلاح البسيط‏,‏ الذي يأكل من العشب‏,‏ وينام علي العشب‏,‏ ويصلي علي العشب‏,‏ ويموت علي العشب‏.‏
ولو تأملنا قليلا الحكمة الكامنة في تفاصيل هذا الدعاء الجميل لأدركنا علي الفور أن هذا الرجل رغم ما بلغه من علم ومعرفة بأمور دينه ودنياه‏,‏ إلا أنه عاد في نهاية المطاف إلي موضع الفطرة الطيبة‏.‏
كان ذلك التصور عن حياة الفلاح المصري لدي الإمام الشيخ منذ زمن طويل‏,‏ ومن هنا أتصور أنه لو أطال الله في عمره إلي أن يعيش حتي هذا الزمان‏,‏ لكان قد غير وجهة الدعاء إلي مكان آخر‏,‏ حيث اختفت ملامح تلك الفطرة الطيبة‏,‏ وحدث ما يسمي بلغة الفلاحين تجريف كامل لحياة هذا المواطن البسيط‏,‏ ولم يعد العشب كما كان‏,‏ ولم يعد للحياة ذلك الطعم أو النكهة التي كان يشعر بها الفلاح حتي نهاية الثمانينيات من هذا القرن‏.‏ فقد أصاب التجريف كل موطئ قدم في ريف مصر‏,‏ ولم تعد الحياة تهنأ بقدر من الطمأنينة كما كنا نشعر زمان‏.‏
كان الريف زمان مصنع الرجال‏,‏ لكنه مع الأسف الشديد أصبح مصنعا للقنابل الموقوتة تحت نيران الغلاء‏,‏ و الخراب الذي أصاب الزرع والضرع والماء‏,‏ ومن قبل كل هذا التراب الذي يدخل في البنية الأساسية لصناعة ذلك الإنسان‏,‏ وذلك كله بفعل توالي النكبات والنكسات الكبري في حياة الأمة جراء السياسات الزراعية التي ظلت تأكل من نسيج حياة الفلاح المصري مثلما جاءت الدودة الأمريكية البغيضة بلونها الأخضر‏,‏ لتأكل عيدان القطن وتضرب اللوزة في مراحل ما قبل نضج المحصول‏.‏
والقطن باعتباره العمود الفقري في حياة الفلاح المصري‏,‏ كان صاحب النصيب الأكبر في الإحساس والشعور الكبير بالتجريف الأكبر في حياة الفلاح المصري‏,‏ لأنه مصدر النقود السائلة الوحيد الذي يدخل الولد والبنت المدرسة ويكسو كل أفراد العائلة‏,‏ ويزوج البنات والصبيان‏,‏ ويبقي منه بالكاد القليل الذي يسد رمق الفلاح من لحظات السعادة والطمأنينة عندما يشرع هذا الإنسان البسيط في قدر من التوسع في حياته‏.‏
والحقيقة المرة أنه استعراضا لسياسات الزراعة المصرية خلال العشرين سنة الأخيرة‏,‏ سوف لا يصيبنا العجز والإحباط بقدر فقدنا ذلك الأمل في غد أفضل مادام المسئولون مازالوا يقبعون علي نفس الكراسي يحصون الأرقام ويصرحون بزيادة رقعة مصر الزراعية التي تزيد بالآلاف وملايين الأفدنة التي نراها في صورة مانشيتات الصحف‏,‏ دون أن ينعكس ذلك ليكسر حدة الفقر المحصولي الذي يلخص فشل كل تلك السياسات‏,‏ والدليل أن حاجتنا السنوية للقمح تزيد ولا تقل‏,‏ وأصبحنا نستورد كل شيءحتي الفول المدمس الذي وضعه الخالق سبحانه وتعالي كميزة نسبية لهذه الأرض‏,‏ وعدد صفاته ومعانيه التي لا يمكن أن تنمو في غير طينة مصر‏.‏
الكلام السابق بمناسبة خبر صغير قرأته في الصحف أخيرا يقول‏:‏ أن هناك خطة لتطوير‏600‏ قرية مصرية‏,‏ وما استرعي انتباهي في الخبر المذكور أن هذه القري المستهدفة في خطط التطور سوف تكون نموذجا عصريا للقرية المصرية‏.‏
والواقع أنني سوف أحسن النية مثل ملايين المصريين بأن الأجهزة المهتمة بالتنمية المحلية وتنمية القرية ستكون صادقة في نواياها ولكن الأمنية الكبري أن تكون صادقة في التنفيذ لإيماني الشديد بأن الفلاح هو العمود الفقري للحياة المصرية‏.‏
وأتصور أن سياسة مصر في التعامل مع كل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية لا يمكن أن تسودها رياح التغيير الحقيقي إلا بتطوير مصنع الرجال الحقيقي واستعادة روح القرية المصرية الحقيقية‏,‏ روح القرية المصرية المنتجة‏,‏ لا المستهلكة وأن تكون القرية نقطة جذب جديدة بعيدا عن ضجيج المدن التي أصبحت مثل بيوت الأشباح بفعل تكدس البشر فيها وانحسار المساحة الخضراء‏,‏ وسحابات الدخان الكثيف في ليالي الصيف والشتاء‏,‏ وفضلا عن كل ذلك كونها أصبحت المقر الدائم لقنابل البشر الموقوتة بفعل البطالة التي أصبحت مثل الرطوبة التي تنهش عظام المباني العتيقة فتصيها بالضعف والهوان‏.‏
ليكن منطلق التغيير نظرة متأنية للقرية المصرية لا لكي تكون واجهة حضارية‏,‏ بل استعادة دورها القديم في تصدير الخير الوفير‏,‏ ولن يأتي ذلك إلا بإعادة الحياة عبر سياسات جديدة تنفض الغبار عن كاهل الفلاح المصري الذي عصفت الأزمات المتتالية بعظامه وجعلته يشعر بالضآلة أمام عيدان القمح والذرة والقطن التي تطاوله دونما محصول يسد به رمقه ورمق أبنائه بعد أن نجح في اختراع أساليب الري التي كانت تذهل الأشجار نفسها‏,‏ ربما أبدو متحيزا بعض الشيء‏,‏ أو متفائلا في أن إصلاح حياة الفلاح المصري هي بداية الإصلاح لهذه الأمة التي أصبحت مهيضة الجناح‏,‏ لأنها يوما لم تعد تملك قوت يومها‏!‏ لكن أليس معي بعض الحق علي الأقل في تسليط الضوء علي حياة أحد بناة هذه الحضارة العريقة علي مدار آلاف السنين؟‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا