379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حكاية الشهيدة مني تسكن بين الأشجار الفلسطينية

‏ كتب ـ زياد عبدالفتاح


بين أشجار الخروع وألواح الزينكو الصدئة انطلقت مني أبو طبق‏(11‏ عاما‏)‏ كالفراشة في الطريق الترابية إلي الدكان المجاور لمنزلهم في حي‏'‏ عزبة بيت حانون‏'‏ شمال قطاع غزة‏.‏ رصاص الاحتلال مزق الصمت الجميل الذي خيم علي الحي الهادئ‏.‏ بعد دقائق‏(‏ يقتحم‏)‏ أخوها حازم المنزل بوجهه المحمر وعينيه المحملقتين ويصرخ‏'‏ قتلوا مني‏...‏ قتلوا مني‏'.‏ في اليوم الثالث للاجتياح الإسرائيلي لمدينة بيت لاهيا الذي بدأ فجر العشرين من نيسان‏2004‏ تردد في وسائل الإعلام أن الدبابات الإسرائيلية انسحبت من المنطقة الأمر الذي جعل حمدي أبو طبق‏(42‏ عاما‏)‏ يسمح لابنته مني أن تغادر المنزل‏.‏
قال أبو طبق‏:'‏ كنت منشغلا في ترميم المنزل الذي استأجرته حديثا طلبت مني بعض النقود لتشتري حلوي كنت مطمئنا لاعتقادي أن الدبابات الإسرائيلية انسحبت وخيم هدوء علي المنطقة أعطيتها النقود وانطلقت بعد دقائق سمعنا إطلاق نار انتابني خوف وبعد لحظات اقتحم ابني حازم المنزل وهو يلهث ويصرخ‏(‏ قتلوا مني‏)'‏
‏'‏أفتقد ضحكتها وابتسامتها أفتقد كل شيء فيها كانت مرحة وذات نظرة متمعنة اعتادت علي تقليد كل شيء تقلد المعلمة كيف تمشي وكيف تحكي في ساعات الغضب والمرح‏...‏ بعد أن نعود من حفل زواج أحد الأقارب أو المعارف كانت تقلد كل من في الحفل‏...‏ كانت حبوبة ومرحة جدا‏'‏ قال الوالد وهو يحاول حبس الدموع التي تنساب من عينيه‏.‏
شفا أبو طبق‏(42‏ عاما‏)‏ أم الضحية قالت إن مني كانت تحلم في أن تكون محامية وتنجح في مهنتها فترتدي العباءة السوداء وتدافع عن الأبرياء في المحكمة وسط الرجال من ذوي البنية الضخمة‏'‏ لقد قتلوها وقتلوا أحلامها معها ماذنبها‏...‏ يا الله‏'‏ قالت الأم والدموع تنهمر من عينيها‏.‏
‏'‏أمي ارفعي لفة شعري لفوق شوية علشان تبين هي والشبرة‏...‏ كويتي البنطلون اللي عليه فراشة‏'‏ جملتان اعتادت مني أن ترددهما كل صباح قبل ذهابها إلي المدرسة‏'‏ قالت الأم وهي تستذكر ابنتها‏'‏ قتلوها وقتلوا الفراشة وقتلو أحلامها معها‏'.‏
شاهد عيان حسام التلولي‏(18‏ عاما‏)‏ قال‏:‏ لن أنسي ذلك المشهد كان الدم يتدفق من بطنها وأمعاؤها ممزقة وكذلك ملابسها إلا أنها كانت خائفة أن تبكي أمها عليها كانت مني مستلقية علي ظهرها داخل سيارة الإسعاف وتساءلت‏:(‏ وين أمي أنا استشهدت هي بتعرف بأني اتصاوبت شو أمي حتقول بديش أستشهد عشان أمي ما تبكي ما حد يقول الها أمانة ما حد يقول الها‏)'‏ قال نصار الذي قاطعه جهاز اللاسلكي يطلب منه التوجه لإنقاذ بعض المصابين الذين استهدفهم الرصاص الإسرائيلي شمال مخيم جباليا‏.‏
‏'‏لن أنساها كانت آخر قبلة لم تكن الأولي لكنها غريبة غادرت مني وصلت إلي باب المنزل ثم استدارت ونظرت إلي وعادت بسرعة اقتربت مني ونظرت إلي نظرة لم أفهمها قبلتني وانطلقت نظرت إليها باستغراب لم أرها بعدها إلا في الكفن‏...‏حبيبتي‏'‏ قالت أختها نيفين‏(16‏ عاما‏)‏ بصوت متقطع‏.‏