379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الشرق الأوسط الصغير يتحدي الكبير في أسطنبول

قمة الإرهاب والأطماع الإمبراطورية

بوش

رسالة أسطنبول‏-‏ عبدالحليم غزالي


مثلما اخترع جورج بوش الأب بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام‏1991‏ وضرب العراق في العام ذاته‏,‏ تعبير النظام العالمي الجديد صنع جورج بوش الابن التعبير الأكثر تداولا في العالم الآن‏,‏ الشرق الأوسط الموسع أو الشرق الأوسط الكبير‏,‏ وذلك بعد الحرب الأمريكية الثانية علي العراق‏,‏ الذي يبدو أن نظريات وإستراتيجيات كبري تخرج من استهدافه‏,‏ ومن عباءة النظام العالمي الجديد خرج الشرق الأوسط الكبير الذي سيكون محور قمة دول حلف شمال الأطلنطي في أسطنبول بعد غد الاثنين‏,‏ ومعه قضية الإرهاب الذي يري بوش الابن أنه ابن شرعي للشرق الأوسط الصغير‏,‏ ومن أجل مكافحته جاء مشروع الشرق الأوسط الكبير‏,‏ وفي كل الأحوال يدفع العرب ثمن النظريات والطموحات‏,‏ بل والأطماع الإمبراطورية الأمريكية‏,‏ وهم يخسرون مع الصغير والكبير‏.‏
وإذا كانت الدول الثماني الصناعية الكبري التي تعتبر نفسها مجلس إدارة العالم‏,‏ بغض النظر عن إقحام روسيا في عضويتها من باب مخاطبة بقايا هيبة وقوة عظمي يشهد علي ماضيها المخيف حاضرها النووي الذي لا يستهان به‏,‏ فإن حلف الأطلنطي يعتبر نفسه جيش العالم‏,‏ ومن المنطقي أن يلتزم الجيش بتطبيق ما تريده القيادة‏,‏ خاصة في الناحية الأمنية والعسكرية التي هي من صميم اختصاصه‏.‏
من هنا تبدو قمة أسطنبول استكمالا لقمة جزيرة سي الأمريكية الخاصة بالدول الثماني الصناعية الكبري‏,‏ والمهمة الأكثر وضوحا في أسطنبول هو إضافة الشق الأمني العسكري لمشروع الشرق الأوسط الكبير‏.‏
وفي هذا السياق أكد الأمين العام لحلف الأطلنطي جابا دي هوسب شيفر خطة لمكافحة الإرهاب والتعاون الأمني مع دول الشرق الأوسط الكبير‏,‏ وحسب تسريبات الصحف التركية‏,‏ فإن الخطة لها شقان‏,‏ الأول يتصل بدول الحلف فقط‏,‏ والثاني يخص العلاقات مع هذه الساحة الشاسعة من البشر‏,‏ الأرض الممتدة من أفغانستان شرقا حتي المغرب غربا‏.‏
وتنص خطة الحلف التي من المقرر أن يقرها زعماء دوله‏,‏ وعلي رأسهم بوش‏,‏ ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير‏,‏ والرئيس الفرنسي جاك شيراك‏,‏ والمستشار الألماني جيرهارد شرودر‏,‏ علي إقامة وحدة مخابرات للحلف لتقاسم المعلومات بشأن الجماعات المسماه بالإرهابية‏,‏ وعلي رأسها تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن‏,‏ وأفرعه المحلية‏,‏ وخلاياه النائمة في الغرب‏,‏ وذلك بالاستفادة بالتقدم الهائل في تكنولوجيا المعلومات لرصد وتحليل أنشطة هذه الجماعات في أنحاء العالم‏.‏
كما تتضمن الخطة تشكيل قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب تشمل وحدات عسكرية رفيعة المستوي‏,‏ برية وبحرية وجوية‏,‏ قوامها‏22‏ ألف جندي‏,‏ و ذلك تحت اسم قوة الرد الكبير‏,‏ والرد الكبير هذا منطقي في الشرق الأوسط الكبير‏,‏ الذي هو مفرخة أزمات وهجمات ضد الولايات المتحدة والغرب‏,‏ وحسب نصوص الخطة فإن الرد سيكون كبيرا وسريعا أيضا‏,‏ بمعني أنه بالإمكان نشر وحدات من هذه القوة في أي مكان في الشرق الأوسط الكبير خلال خمسة أيام‏,‏ وحسب تخطيط الملف فإن بعدالقوة ستكون جاهزة للعمل بحلول عام‏.2006‏
بلير
ووفقا للخطة فلابد من أن تكون هناك آلية للتعاون المستمر بين الحلف ودول الشرق الأوسط الكبير تشمل تبادل المعلومات حول من يسمون بالإرهابيين وأنشطتهم من المحيط إلي طالبان‏,‏ حسب حدود الشرق الأوسط الكبير‏.‏
وتشير خطة الحلف بوضوح إلي الترابط بين مشروع الدول الثماني الصناعية الكبري‏,‏ ودور الحلف الذي سيتعاون مع دول الشرق الأوسط الكبير في مجال تدريب العناصر الأمنية الخاصة بها‏,‏ والقيام بإصلاحات أمنية ودفاعية في هذه الدول‏,‏ فضلا عن مجالات منع انتشار أسلحة الدمار الشامل‏,‏ ومكافحة المخدرات والسيطرة علي الحدود‏.‏
من هنا تسعي الولايات المتحدة إلي نقل الثقل الدفاعي للحلف من ألمانيا إلي تركيا بطلب فتح قواعد جديدة وتوسيع استخدام قاعدة إنجيرليك‏,‏ لأن تركيا في قلب الشرق الأوسط الكبير‏,‏ وستكون نقطة انطلاق للسيطرة عليه عسكريا بالتزامن مع السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية التي أحد وسائلها ترويج النموذج التركي في الحكم بعلمانيته الحادة وديمقراطيته الأعلي سقفا بين الدول الإسلامية‏.‏
ومن السهل فهم دوافع رفض معظم الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وجماعات حقوق الإنسان‏,‏ ومنظمات المجتمع المدني في تركيا‏,‏ لاستضافة أسطنبول عاصمة الخلافة الإسلامية سابقا لقمة جنرالات العالم‏,‏ فكل أعضاء هذه الأحزاب والنقابات والجماعات ضد سياسات الحلف‏,‏ وأيضا ضد توريط تركيا في مشاريع مشبوهة ظاهرها تحسين أوضاع الشعوب وإصلاح أحوالهم‏,‏ وجوهرها الهيمنة والأطماع الإمبريالية‏.‏
وكان من المنطقي أن تحول قوات الأمن التركية التي يقدر عددها بحوالي‏50‏ ألف جندي بمروحياتها ومدرعاتها وخبراء المفرقعات فيها ورجال العمليات الخاصة بها أسطنبول إلي قلعة محصنة يحرس سماءها الطيران الحربي وطائرات الأواكس ترصد حتي الطيور الي تفرس أعشابها خوفا وهلعا‏,‏ وأن تحمي بحارها ومضايقها السفن المدججة بأسلحة بإمكانها محاربة دول بأكملها وليس جماعات إرهابية ومن المنطقي أن يشعر سكان المدينة بأنهم أسري حرب‏,‏ كل واحد منهم أقرب إلي المشبوه والمشكوك في أمره إن عطس أو نظر إلي الوراء فجأة‏.‏
شيراك
وها هي الدولة التركية تستعيد حسها الأمني القديم‏,‏ حيث الآخرون دائما إرهابيون محتملون رغم ما جري من إصلاحات ديمقراطية‏,‏ والحديث عن الخلاص من ماضي إلغاء الآخر‏.‏
وعودة إلي ما سيشغل بوش ورفاقه في هذه القمة‏,‏ حيث هناك قضيتان مهمتان أخريان‏,‏ العراق وأفغانستان‏,‏ البوابة الشرقية للشرق الأوسط الكبير‏.‏
أما العراق فهناك اقتراح بأن يرسل الحلف آلاف الجنود إلي هناك لمواجهة التردي الأمني الذي بات يهدد الحكومة الانتقالية الجديدة التي ستتولي السلطة بشكل رسمي نهاية الشهر الجاري حسب قرار مجلس الأمن الأخير‏.‏
والمشكلة التي تواجه بوش هي تردد أعضاء الحلف في الإقدام علي مثل هذه الخطوة التي باتت تعني إرسال الجنود إلي الموت‏,‏ وهو ما أدي إلي سحب قوات بعض الدول المنتمية للحلف مثل أسبانيا‏,‏ خاصة في ظل الشعور بأن الحرب علي العراق لم تكن مبررة مع سقوط كل الحجج التي ساقها بوش وبلير وعلي رأسها الادعاء بامتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل وبوجود علاقات له مع تنظيم القاعدة‏,‏ وهو ما تم دحضه بالوثائق والبراهين الدامغة في الولايات المتحدة نفسها‏,‏ ومن المتوقع أن تنأي تركيا بنفسها عن مكاسب الحلف بهذا الشأن‏,‏ في ظل رفض الأكراد وجماعات عراقية أخري لوجود عسكري تركي في بلادهم‏,‏ رغم أن تركيا من الممكن أن تكون حبل الإنقاذ لورطة بوش الرهيبة في العراق‏.‏
وفيما يخص أفغانستان فسيحاول بوش ومع بقية الحلفاء دعم الوجود العسكري للأطلنطي هناك في مواجهة تصاعد الهجمات من جانب حركة طالبان‏,‏ وسيطرتها الفعلية علي الكثير من المناطق‏,‏ بحيث إنه تم اختصار أفغانستان في كابول فقط‏,‏ وأصبح حامد قرضاي بمثابة محافظ للعاصمة وليس رئيسا لدولة‏,‏ وحتي المناطق التي تقع خارج نطاق نشاط طالبان تسيطر عليها ميليشيات موالية لزعماء الحرب القدامي‏,‏ مثل محمد عطا وعبدالرشيد دوستم في الشمال‏,‏ وإسماعيل خان في الغرب‏.‏
وقد وصل الأمر إلي حد إعلان الأمين العام للحلف أنه يبدو وكأنه يتسول قواتا من دولة لإرسالها إلي أفغانستان‏,‏ وهو أمر بات يمثل تهديدا لمصداقية الحلف الذي يبدو عاجزا عن الوفاء بوعوده تجاه أفغانستان‏,‏ ويريد شيفر أن تساعد قوات الحلف الجديدة في توسيع نطاق عمل الحكومة إلي خارج كابول‏,‏ ويعتبر شيفر أن الالتزام تجاه أفغانستان محك مهم لفاعلية الحلف وقدراته في القرن الواحد والعشرين‏.‏
ويختصر شيفر خلاصة تصوره للحلف في مرحلة ما بعد‏11‏ سبتمبر بقوله‏:‏ إننا نريد قواتا أصغر حجما وأقوي وأسرع بإمكانها أن تبقي في الميدان فترة أطول‏,‏ وتضرب بأقدامها علي الأرض بطريقة أكثر جدية‏.‏
وقد يبدو هذا التصور واقعيا ومتسقا مع التحديات الجديدة غير النووية وغير التقليدية‏,‏ لكن يظل مجرد رد فعل لأن هذه القوات لا تمنع عملية تفجير انتحارية ولا رشقات سريعة من بندقية التحديات الحقيقية أصغر من أن تكون هدفا لجيوش‏,‏ لكنها أخطر من أن توقفها جيوش‏,‏ ويبقي صمام الأمن الوحيد ضد الإرهاب هو العدل الذي يهزم التطرف والطيش‏,‏ العدل لجميع الشعوب‏,‏ هو الحل وهو المشروع الأكثر بساطة‏,‏ وليكن العدل الكبير في الشرق الأوسط الصغير‏.‏