
|
الاحتلال يحاول تضليلهم بحكاية محاكمة صدام
العراقيون ينتظــرون معجــزة30 يونيــو |
بغداد ـ ندي عمران أوشك الاحتلال علي الانتهاء هكذا يردد العراقيون وكأنهم بانتظار معجزة تعود بهم إلي ما قبل الحادي والعشرين من مارس عام2003 قبل أن يسقط أول صاروخ أمريكي علي بغداد عندما كانت الحياة تسير بهم إلي المجهول وهم يستمتعون ببرنامج عن الأبراج والنجوم يعرضه تليفزيون الشباب, ويسهرون لمشاهدة فيلم للفنان الكوميدي إسماعيل ياسين ويمشون في الشوارع كالمأخوذين.. بينما كانت الطائرات المقاتلة قد غادرت قواعدها متوجهة إلي أهدافها في قلب العاصمة العراقية بغداد لأن النظام الحاكم لا يسمح للضحايا بمعرفة المصير الذي ينتظرهم. وقتها كان العراقيون أيضا بانتظار معجزة تزيح عنهم كابوس القهر والعبودية وتطير بهم علي جناح الحرية.. ولكن هذه الحرية حملت من المعاني ما لم يرد في حياة أمة علي وجه الأرض فقد صارت الحرية في أرض الحضارة بهيئة الفوضي والقتل والسلب والنهب وهتك الأعراض وخطف النساء وذبح الأبرياء.. ومرة أخري عاد بعض العراقيين يتذكر( الأيام الخوالي) أيام حكم صدام حسين.. وبشيء من المرارة والإحباط تمني البعض لو عادت تلك الأيام. أوشك الاحتلال علي الانتهاء.. لكن الجنود بمدرعاتهم الكريهة سوف يتحولون من محتلين إلي ضيوف.. هكذا سيكون شأن القوات المحتلة بعد الثلاثين من يونيو حيث ستطلب الحكومة العراقية الانتقالية من قوات التحالف البقاء في العراق( ضيوفا أعزاء) لمساعدتهم في مواجهة قضايا الأمن التي تفتك باستقرار وأمن وحياة الشعب.. وهكذا يشير قرار مجلس الأمن بالرقم1546 الصادر في الثامن من يونيو والذي تطرق إلي إمكانية أن تطلب الحكومة من القوات الأجنبية أن تغادر العراق. في الشارع العراقي لا يكاد هذا التاريخ30 يونيو يشكل شيئا مهما ولعله في اعتقاد المثقفين تاريخ لا علاقة له بأي انعطاف في العراق إنما هو موعد لإطفاء المصابيح في مسرح العراق وإسدال الستار علي مشهد لربط مشهد آخر جديد يتصل بالحكاية نفسها. يقول المواطن العراقي عبد الفتاح أحمد لا يعنيني أن يكون الثلاثون من يونيو تحولا تاريخيا ما دام المحتلون باقين.. وهم أنفسهم الذين يهبطون علي صدورنا يرفعون اللافتات الكاذبة بالحفاظ علي الأمن.. وفي الواقع أنا أؤمن تمام الإيمان أن الأمريكيين أنفسهم هم من يقودون عمليات التفجير والتخريب والقلق الأمني أما الزرقاوي أو عزة إبراهيم أو ما شابه ليسوا إلا أوهاما أو جماعات لا تمتلك هذا القدر العظيم من القوة والتخطيط والتدمير. أما السيد عبد الواحد مسلم فيقول: إننا لو أمعنا قليلا في عمليات التفجير والتدمير لوجدنا أنها ذات صلة بالسلوك الأمريكي وأقرب بالشبه إلي العقل الأمريكي ولعل اختيار الوقت والمكان هو ما يجعل الجنود الأمريكيين في الغالب في مأمن من تلك العمليات التي تطيح بالعراقيين وتقتلهم قتلا قاسيا. والسيد عبد الواحد ضابط كبير في القوات المسلحة العراقية المنحلة يقول: إن الدليل الأول علي أن أمريكا هي المتورطة هو أن الجناة يقتلون أبرياء عراقيين وقادة ورجال دين.. ولا يمكن للعراقيين أن يقتلوهم.. العراقيون لا يقومون بمثل هذه الجرائم وحتي لو كانوا عراقيين فإنهم يعملون لصالح أمريكا. إن هذا الكلام ما يجعل العراقيين في حيرة من أمرهم دائما ولكن يبدو أنه يرتبط بشكل أو بآخر بتاريخ الثلاثين من يونيو موعد انتقال السلطة إلي العراقيين تري هل يتسني للعراقيين أن يشعروا بأنهم وصلوا للأمان؟ يقول الحاج فاضل حسن الجوادي: لا أستطيع أن أقول ذلك وكيف أستطيع وأي شيء من الأمور لم يتغير سوي الحكومة التي وضعها الأخضر الإبراهيمي والتي هي من اختيار أمريكي طبعا.. لا يمكنني أن أشعر بالأمان والحكومة الجديدة نفسها أمام خطر.. خطر قد لا تستطيع هي أن ترده فكيف أشعر بالأمان؟! وتقول السيدة مريم عبد الرسول إنها خائفة أكثر من ذلك لأنها تعرف تقريبا من خلال الإعلام أن القوات الأمريكية ستعطي مسائل الأمن للشرطة العراقية.. والشرطة ضعيفة وبسيطة وغير قادرة علي حماية نفسها وأن المجرمين صاروا اليوم ينتصرون علي الشرطة. إن العراقيين لا يسعهم إلا أن يطرحوا سؤالا طالما قالوا إنه من أهم الأسئلة وهو ماذا ستفعل الشرطة العراقية والحكومة العراقية لتحقيق الأمن؟ ماذا ستوفر لمواجهة خطر المجرمين إذا كانت أمريكا قد فشلت في مواجهتهم؟ والتصريحات التي يدلي بها المسئولون تشير إلي خطة مهمة لكن العراقيين يتحدثون عن نية الدولة الجديدة للقيام بتطويق بعض المدن الخطيرة مثل مدينة الصدر أو مدينة الثورة.. ويتداول العراقيون علي خلفية معلومات خاصة أن الحكومة ستقوم بفرض قيد شديد علي المدينة ومطالبة سكانها بتسليم أسلحتهم.. ومن ثم تقوم هي بتفتيش المنازل للعثور علي ما يمكن من أسلحة قد امتنع أصحابها عن تسليمها.. ويقول سكان هذه المدينة إن هذه الخطة ربما تواجه مصاعب خطيرة قد تنتهي بمواجهات, كما أن الملف الأمني أو الأوضاع الأمنية من أكبر التحديات التي تواجه الحكومة العراقية لأن الأمن بدلا من أن يأخذ في الهدوء والاستتباب قبل الثلاثين من يونيو فإنه أخذ بالتصاعد والتوتر.. وإن كل ما يمكن أن تفعله الحكومة هو وضع ما لديها من قوات عسكرية وقوات أمن داخلي في خدمة الإستراتيجية الجديدة للتصدي للإرهاب علي حد قول إياد علاوي رئيس الوزراء العراقي المؤقت.. وقد كرر علاوي القول إن هناك خطة لا يمكن الكشف عنها قادرة علي مواجهة الخطر الأمني.. ولكن محللين وقادة أحزاب شككوا في أن تكون هذه الخطة كافية لمواجهة هذا الانفجار الأمني الخطير. وقد صرح الدكتور علي عبد الأمير علاوي قبل إعفائه من منصب وزير الدفاع عقب تشكيل الحكومة التي عين فيها حازم الشعلان وزيرا للدفاع أن الجيش العراقي الذي يجري تشكيله يتألف من ثلاث فرق عسكرية بأسلحة خفيفة وأن العمل يجري الآن علي تدريب خمسة أفواج أي ما يعادل لواء واحدا.. وقال إن هذا الجيش حتي في حال إكمال تدريبه قبل الثلاثين من يونيو لن يكون قادرا علي فرض الأمن. تحدث وزير الدفاع السابق بصراحة إلا أن رئيس الوزراء يتحدث عن خطة أخري يعتقد العراقيون أنها سترمي إلي إشراك الميليشيات والعشائر والدفاع المدني وتشتمل علي فتح دورات سريعة لأعداد كبيرة من أفراد الشرطة وتزويدهم بالآليات والمعدات اللازمة. وقد كان المسئولون العراقيون حين يتحدثون عن الأمن فإن مفرداتهم لا تتعدي الديمقراطية والحرية وضرورة النهوض بالعهد الجديد إلا أن رئيس الوزراء في تصريحاته الأخيرة صار يقول إن الدولة يجب أن تكون صارمة وحازمة وهي مفردات بات العراقيون يتمنون سماعها لإخافة المجرمين. وعلي هذا الأساس خرج مجلس بغداد أخيرا باقتراح جديد وهو فرض الأحكام العرفية في البلاد لمدة ستة أشهر اعتبارا من الأول من يوليو المقبل وقال السيد عبد الواحد التميمي رئيس المجلس لـالأهرام العربي إن أعضاء المجلس متفقون علي اعتبار أن هذا الحل هو الحل الأنسب. ويمكن استنتاج أن معظم أعضاء مجلس بغداد هم من العسكريين السابقين والمثقفين والسياسيين الذين درسوا تاريخ العراق الحديث وعاشوا الفترات التي طبقت فيها الأحكام العرفية في العهد الملكي وعهد عبد الكريم قاسم. والأحكام العرفية كما هو معروف فرض سطوة عسكرية مناطقية يتمكن فيها الحاكم العسكري والقائد العسكري من أن يفرض شروط الأمن وهي أقرب شبها بسلطات الطوارئ أو السلطات العسكرية التي ظلت قائمة في عهد صدام حتي سقوطه في إبريل من العام الماضي. ويجمع المحللون علي أن التحدي الأمني أكثر خطرا علي الحكومة مما يقال عن فترة بقاء قوات الاحتلال أو مدي تأثيرها علي السلطة أو وجودها داخل أو خارج المدن.. والحديث عن المسألة الثانية هي مما يلزم لدعم قوات الاحتلال التي تخطط للبقاء في العراق أطول فترة ممكنة وبالتالي فإنها متهمة أيضا بإرباك الأمن ومتهمة بأنها وراء الإعلام الذي يتحدث عن شئونها بعد نقل السلطة. إن مخاطر الاوضاع والانفلات الأمني دفع عشرات الأطباء العراقيين وبعض النخب العراقية إلي مغادرة العراق من بينهم أطباء مشهورون مثل طبيب العيون المشهور عمر اليعقوبي وجراح الأمراض العصبية المشهور سعد الوتري وغيرهما من اختصاصات مختلفة. إضافة إلي مغادرة العديد من أساتذة الجامعات والتدريسيين ورجال الأعمال تحسبا لتعرضهم للقتل أو الاختطاف كما جري لعديد من الكفاءات العلمية. مع ذلك لا يمكننا تجاهل ما يقوله بعض المسئولين من أن المقاومة ستكف عن النيل بالمواطنين إذا ما اختفت قوات الاحتلال.. ويتفاءل هؤلاء بالقول إن أهداف العراقيين جميعا هو طرد الاحتلال فلا بد أن يكونوا إيجابيين في التعاون مع الحكومة. ولكن هذا يتقاطع مع تصريحات فلاح النقيب وزير الداخلية الذي قال إن تحليل العمليات الإرهابية يدل علي أنها تخضع لتدبير واحد وعقل واحد.. وزعم الوزير أنها ليست عراقية ولا من دول الجوار.. وقد أيقظ هذا الكلام لدي العراقيين الاعتقاد بأنها من تدبير إسرائيلي. وعلي أية حال فإن الملف الأمني يأتي في مقدمة الضغوطات التي تواجه الحكومة الجديدة وذلك لسببين الأول هو أنه بشكله المجرد ثقيل وخطير وقد يؤدي في أية لحظة الي تحطيم الحكومة وإفشالها وبالتالي وضع قادة أحزاب كبيرة وشخصيات سياسية وتكنوقراط في الميزان لصالح التيارات والأحزاب الصغيرة التي تحيط الحكومة بالكثير من الانتقادات.. والثاني هو أن الملف الأمني امتحان الشعب للحكومة وهو امتحان شاق جدا فالشعب هنا لا يتسامح أبدا ولا يتواني في سحق أي زعيم إذا ما خذل.. ولا يقبل من أجل النجاح بأقل من الأمن المستقر والحياة الكريمة. والآن هل يكفي قرار مجلس الأمن1546 لنقل السيادة للعراقيين دون منغصات.. هل تبدو التحديات الخطيرة مانعا حقيقيا لجعل هذه السلطة علي مفترق طريق بين كلمتين هما السيادة.. أو الفشل؟ نعم.. إن الحكومة العراقية ستحتفل فعلا بانتقال السلطة إليها.. وسيكون هذا اليوم عرسا لوسائل الإعلام والقنوات الفضائية الباحثة عن الحدث الجلل.. ولكن هل سيحتفل العراقيون أيضا باستعادة سيادتهم بعد سنوات طويلة من الذل والقهر؟ والسؤال الأهم هل ستقدم القوات الأمريكية المحتلة الحرية والسيادة للعراقيين علي طبق من ذهب؟ أم ستشغل الشارع العراقي بحكاية تسليم صدام حسين وبمحاكمته وهو في حراسة جنودها؟ أسئلة تجيب عنها التطورات المقبلة*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|