379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

بعد‏6‏ شهور من اعتقاله‏..‏ لايزال أسطورة
المهيب يتحصن في قلعة من الأسرار والأكاذيب‏!‏

صورة مصطنعة على النت للسخرية من صدام حسين

‏ تقرير ـ أسامة الدليل


كنا جميعا ضحية لأكاذيبهم‏..‏ ولم يكن في العراق إلا عيونهم وآذانهم‏..‏ وبالتالي فإن الوحيد الذي يعرف يقينا كيف سقط صدام‏..‏ هو صدام نفسه‏,‏ فلا الحفرة ولا سباطة البلح الأصفر التي كانت تطل عليها ولا طبيب فحص القمل والأسنان ولا تلك الحقيبة المعدنية المموهة التي عرضوها وبها‏750‏ ألف دولار قالوا إنها كانت معه‏,‏ وأنه كان يتحرك بها في سيارة تويوتا برتقالية أجرة بالعداد ولا غير ذلك من إكسسوار فيلم الكارتون الاستعراضي الذي انتهي بظهور بول بريمر في مؤتمر صحفي يعلن للعالم‏:‏ أيها السيدات والسادة‏..‏ لقد جئنا به‏,‏ لم يكن أي من ذلك كفيلا بإقناع المشاهدين في بقاع الأرض بأن هذه القصة واقعية أو أنها تستند علي أي أساس من الصحة‏,‏ وكانت الصفقة هي العملة الوحيدة التي تداولتها أيدي الناس في سوق البحث عن عنوان للحقيقة في خبر اعتقال الأمريكيين للركن المهيب‏..‏ صدام حسين‏.‏
فلم تكن عشرة أيام قد انقضت علي إعلان انتهاء فعاليات كرنفال صيد الرئيس العراقي المخلوع‏,‏ عندما بدأت فئران الشك تلعب في عب الصحافة العالمية‏,‏ ففي‏23‏ ديسمبر الماضي صدرت صحيفة الصنداي هيرالد الأسكتلندية وعلي متنها تحليل للكاتب ديفيد برات عنوانه‏:‏ من الذي عثر حقا علي صدام؟‏..‏ وفي هذا التحليل تساءل الكاتب عمن يستحق تلك المكافأة البالغ حجمها‏25‏ مليون دولار التي رصدتها الإدارة الأمريكية ثمنا لرأس صدام‏..‏ خاصة وأن اعتقاله أعقب عملية بحث طالت‏249‏ يوما‏,‏ وأن فريق البحث عنه كان يضم صفوة من محترفي الصيد علي رأسهم قوة التدخل‏20,‏ وهي واحدة من أمهر فرق العمل السري التابعة للبنتاجون‏,‏ وفريق سري آخر يدعي الثعلب الرمادي جرايفوكس وهو متخصص في اختراق الاتصالات باللاسلكي والهاتف الثابت والمحمول‏..‏ وهي اختراعات بالطبع لم يكن صدام في حاجة إليها خلال رحلة اختفائه‏..‏ إذن لم يكن هناك من سبيل إلا الاعتماد علي العملاء والمخبرين أو ما تداوله العراقيون من معلومات بشأنه‏..‏ وهنا ينطلق الكاتب اعتمادا علي أدلة باهتة للقول بأن الأكراد بقيادة أسدهم كوسرات رسول علي هم الذين عثروا علي صدام حسين وأنهم أبلغوا رفاقهم في البحث من الأمريكيين‏,‏ بموضع اعتقالهم له في منطقة قرب تكريت وأنه قد تم التفاهم بين الطرفين علي أن تبدو القوات الأمريكية وكأنها هي التي ألقت القبض عليه‏..‏ وأنهم رفضوا قبض المكافأة لقاء الحصول علي مكاسب سياسية من واشنطن‏!!‏
أكراد ولا بزنس

وفي التاريخ نفسه‏..‏ ظهرت صحيفة الصنداي إكسبريس البريطانية‏,‏ وعلي متنها تقرير عنوانه أسر صدام وتسليمه كان من فعل الأكراد استند إلي تصريحات أدلي بها ضابط مخابرات بريطاني اشترط عدم ذكر اسمه مفادها أن الحزب الوطني الكردستاني هو الذي اعتقل صدام بعد أن خانته قبيلة الجبور العراقية علي خلفية انتقامهم من ولده عدي الذي اغتصب واحدة من بناتهم‏..‏ ويظهر هنا اختلاف كبير في القصة‏,‏ وإن كانت الصحيفة قد كررت المزاعم بأن شخصية كردية بارزة قد أهدت الصيد العراقي الثمين للأمريكيين مقابل الدعم السياسي للأكراد في مطالبهم بالاستقلال وإعلان دولة كردستان‏..‏ ونقلت الصحيفة عن ضابط مخابرات غربي متخصص في شئون الشرق الأوسط بالحرف‏:‏ أن صدام لم يعتقل بفعل جهود المخابرات البريطانية أو الأمريكية‏..‏ فكلنا كنا نعرف أن كثيرين يريدون النيل منه وأن سقوطه كان مسألة وقت‏!!‏
المدهش‏,‏ أن الصحيفة ذاتها نشرت في موضع آخر بنفس العدد تصريحا للقائد الأمريكي ستان مورفي المسئول عن المعلومات بالكتيبة الأولي من الفرقة الأمريكية الرابعة مشاة المتمركزة في تكريت‏,‏ أكد فيه أن الرجل الذي سلم صدام حسين للأمريكيين كان ساعده الأيمن علي مدار الشهور الثمانية الأخيرة السابقة علي اعتقاله‏..‏ ولكن مورفي لم يحدد اسم هذا الرجل العراقي البالغ من العمر‏50‏ سنة والذي خدم صدام منذ أن كان مراهقا إلي أن بلغ قمة ثقته لدرجة أهلته لأن يكون ذراعه اليمني‏..‏ والذي تم اعتقاله بدوره بعد أن ركز الأمريكيون أنظارهم عليه من بداية يوليو‏..2003‏ إلي أن حان وقت قطاف رأسه بعد أن تبين لهم أنه وراء بعض أعمال العنف التي قامت بها المقاومة العراقية ضد الأمريكيين وأنه كان يمد رجال المقاومة بالسلاح والأموال وينقل إليهم أوامر صدام‏!!‏
وقال مورفي ـ لا فض فوه ـ إن الرجل أفلت من ثلاثة كمائن نصبها الأمريكيون له في تكريت وسامراء وبيجي في الأسبوع الأول من ديسمبر إلي أن تم القبض عليه في‏12‏ ديسمبر‏2003‏ في بغداد‏,‏ وأنه خلال استجوابه كشف عن الحفرة التي كان صدام يختبيء فيها في الدورة قرب تكريت حيث تم الأطباق علي صدام في اليوم التالي‏!!‏
وهكذا نري أن روايات بيع صدام في إطار صفقات وخيانات كانت قد اندلعت في الصحف الغربية ورددت أصداءها الصحافة الروسية وفي مقدمتها موسكو تايمز قبل أن تخرج مجلة النيوزويك في اليوم العاشر‏22‏ ديسمبر بقصتها الخرافية كيف جئنا بصدام التي كتبها إيفان توماس ورود نوردلاند لتبيع للناس تصريحات الفريق ريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية في العراق‏,‏ والذي بالغ في وصف المشاق والصعاب التي لاقاها فريق البحث الأمريكي دلتا ونيفي سيل ومجموعات المخابرات المركزية‏,‏ إلي أن وجدوا صدام في عش العنكبوت في قرار حفرة طينية‏..‏ وأثر أسر صدام علي جهود الأمريكيين في تحرير العراق‏.‏
لماذا الصفقة

وبصرف النظر عن كل تلك الروايات التي يناقض بعضها البعض‏..‏ فالسؤال الذي يستحق أن يشارك في البحث عن إجابته كل فرق مخابرات العالم هو‏:‏ لماذا هيمنت علي رؤوس الصحفيين في أنحاء متفرقة من العالم فكرة الصفقة في عملية أسر صدام حسين؟‏..‏ ولماذا لم يصدق أحد الروايات الأمريكية الرسمية؟‏..‏ ولماذا اندلعت أعمال كتائب أنصار نظرية المؤامرة في الإنترنت تدرس وتحقق في بضعة بلحات صفراء ظهرت علي نخلة قصيرة بائسة كل ذنبها أنها كانت تجاور الحفرة؟‏..‏ وكذلك تلك الأبحاث المعمقة التي تناولت صور القبض علي صدام ذي اللحية والتي كانت تحاول البرهنة علي أن الرجل الذي بحوزة الأمريكيين ليس صدام من أساسه؟‏!‏
الحق أن جانبا من الإجابة يكمن في دراسة قيمة أعدها جاكوب هورنبرجر مؤسس ورئيس مؤسسة مستقبل الحرية التي تتخذ من فيرفاكس في ولاية فرجينيا الأمريكية مقرا لها‏..‏ هذه الدراسة صدرت بعد‏48‏ ساعة بالضبط من إعلان ختام مهرجان اعتقال صدام السينمائي في بغداد‏..‏ وكان عنوانها‏:‏ أسر صدام يعني الكثير من المشاكل للمسئولين الأمريكيين‏..‏ وفي هذه الدراسة قال هورنبرجر‏:‏ يرفض الأمريكيون محاكمة صدام علنا‏.‏ لأنهم يخشون مما بحوزته من أسرار‏..‏ أقلها قد يحدث حرجا بالغا للحكومة الأمريكية ولإدارة الرئيس السابق ريجان وإدارة الرئيس جورج بوش الأب‏..‏ وبالذات لدونالد رامسفيلد وزير الدفاع الحالي‏..‏ ومن هذه الأسرار مثلا‏..‏ مدي العلاقة التي كانت تربط ما بين صدام وإدارة ريجان وبوش الأب‏..‏ وتلك الصورة الشهيرة التي يتصافح فيها رامسفيلد وصدام في بغداد عام‏1983‏ والتي تنتشر في معظم صفحات الإنترنت‏..‏ وعن الظروف التي التقطت فيها هذه الصورة‏..‏ وما الأمر الذي كان الطرفان يتناقشان فيه وأية ترتيبات أو اتفاقات تمت خلاله؟‏..‏ لا شك أن شهادة صدام العلنية في أي محكمة قد تجيب بوضوح مطلق عن هذه الأسئلة‏,‏ وهي أمور قد تقذف بالرعب في نفوس عدد لا بأس به من المسئولين الأمريكيين‏..‏ وبالذات عندما يتعلق الأمر بأسلحة الدمار الشامل التي منحتها أمريكا لصدام في هذا الوقت ليستخدمها ضد الإيرانيين‏,‏ ثم ليستخدموها هم ضده في استصدار قرار من الأمم المتحدة لفرض الحصار عليه لنحو‏12‏ سنة‏,‏ ثم ليستخدمها الرئيس الحالي بوش في تبرير غزوه للعراق ذاتها‏!!‏
وبالرغم من حقيقة أن أحدا لم يعثر علي أي من أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة‏,‏ إلا أن مفهوم الصفقة الذي هيمن ولايزال علي رؤوس كبار الصحفيين والمحللين والمعلقين في العالم‏,‏ يجد لنفسه مرتكزا في تناقض السياسات الأمريكية إزاء صدام وافتقارها للمصداقية والمنطق‏,‏ وثرائها المبالغ فيه في اصطناع الأكاذيب وترويجها‏..‏ الأمر الذي يفتح الباب علي مصراعيه لروايات من كل الأصناف بعضها نشرو بعضها الآخر في طريقه للنشر‏..‏ لن يحسمها سوي أن يفتح صدام فمه‏,‏ أو أن يباغتنا بالرحيل الغامض حاملا معه سره الدفين‏..‏ إلي الأبد‏*‏