379‏السنة 123-العدد2004يونيو26‏8 [جمادى أول 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

خسارة الأحلام والأخيلة

محمد الأسعد


يحتل الكاتب الفرنسي جيرار دو نرفال‏1808-1855‏ مكانة متميزة بين عدد من الكتاب الذين شغلهم الشرق وترك طوابعه علي أعمالهم مهما كان من أمر هذه الطوابع سواء كانت إنشاء ذاتيا أو تسجيلا أمينا لصورة الشرق الذي واجهوه في القرن التاسع عشر‏.‏ منذ وقت قريب خرجت إلي الضوء طبعة فرنسية جديدة لكتاب‏'‏ رحلة إلي الشرق‏'‏ الذي وضعه دو نرفال كمجموعة ملحوظات وخطاطات أولية وقصص وشؤون متعلقة برحلاته‏.‏ ومع أن هذا الكتاب مترجم إلي العربية وصدر في القاهرة قبل ما يقارب العقدين إلا أنه لم يحظ بالاهتمام الكافي في العربية
شأنه في ذلك شأن كتابات آخرين مثل فلوبير وشاتوبريان وجوته وهوجو‏,‏ اللهم إلا إذا اعتبرنا عناية إدوارد سعيد بهؤلاء في كتابه‏'‏ الاستشراق‏'‏ اهتماما عربيا‏.‏
عن دو نرفال ورحلته الشرقية تحديدا يشير إدوارد سعيد إلي الصحافي الذي زار بيروت خلال سنوات الحرب الأهلية في السبعينيات ولاحظ أنها بدت له وكأنها لا تنتمي إلي شرق شاتوبريان ونرفال‏.‏ ويعلق سعيد‏:'‏ بالفعل كان الصحافي محقا فالشرق كان اختراعا غربيا‏'.‏ ويكرر‏'‏ أندريه ميشيل‏'‏ المهتم بالثقافة العربية في مقدمة الطبعة الفرنسية الصادرة حديثا الانطباع نفسه تقريبا فيتساءل‏:‏ هل تكون مصر التي يتحدث عنها نرفال مزيفة ويجيب بالقول كلا إنها حقيقية ولكن بالنسبة لنرفال‏.‏
ويبدو الأمر كما لو أن هناك اتفاقا عاما علي أن الرحالة الغربي إلي الشرق لا يملك إلا أن يخترع صورة الشرق فلا يري فيه إلا ما يعرف لا ما يري حقا‏.‏ ويعزز هذه الصورة أن دو نرفال يقتبس من كتابات آخرين سبقوه إلي الشرق مما يوحي بالأثر الحاسم الذي يتركه الكتاب الأفراد علي الوعي الجمعي العام وعلي النصوص التي تشكل بمجموعها خطابا مثل خطاب الاستشراق‏.‏ وتجيء غالبية استعارات دونرفال من‏'‏ إداورد لين‏'‏ صاحب كتاب‏'‏ مسالك المصريين المعاصرين وعاداتهم‏'.‏ فهل كان دو نرفال في استعارته يستخدم سلطة مرجعية من نوع ما وهل خضع في تسجيل ملحوظاته لحدود فرضها ما سمي بالاستشراق وضوابطه في ما يجب قوله أو تجربته في الشرق‏!.‏
صحيح أن دو نرفال استعد لرحلته بقراءات ضخمة في التراث اليوناني والروماني وفي ما كتبه الجامعيون والأدباء المعاصرون له إلا أن هذا الجانب كان جزءا من تجربة المعايشة اليومية التي مر بها في القاهرة وبيروت في العامين‏1842‏ و‏1843‏ وهي سنوات كانت فاصلة في مصير الشرق العربي آنذاك إذ شهدت وصول الصراع بين القوي الغربية ومحمد علي في مصر أعلي ذروة فيه‏.‏ ولاشك أن جزءا كبيرا من أساليب وتقنية بناء التصورات عن الشرق عند دو نروفال كن يستند إلي قراءاته وثقافته إلا أن هذا لا يعني أن شرقه مجرد خيال أو ابتكار خيالي فقد حضر إلي مصر في تلك السنوات وعاش في أحد أحيائها ولمس عن قرب طبيعة النظم الاجتماعية السائدة آنذاك بل وخاض مغامرات طريفة مثل ملاحقته لامرأة محجبة تبين له فيما بعد أنها من حريم جندي فرنسي سابق من بقايا عهد نابليون استقر في مصر وأسلم‏.‏ ورحل إلي الإسكندرية ومنها إلي بيروت حيث نزل ضيفا علي أحد شيوخ الموارنة وهناك شهد‏'‏ المعارك‏'‏ الطائفية المضحكة بين الموارنة والدروز بل وشارك في بعضها معتقدا أنه يخوض معارك تاريخية عظيمة فإذا هو يخوض معارك تنتهي باقتلاع الأشجار وإحراق القري الخالية‏.‏
نص الرحلة تؤدي فيه القدرة الأدبية الخلاقة دورا وكذلك المعايشة والنظر وهذه لا تخضع لمعيار ثابت محدد بل إلي مستوي صاحب الرحلة وأداته العقلية التي تفرده عن غيره سواء أكان شرقيا أم غربيا‏.‏ ولعل المعيار الوحيد الذي يمكن أن يستخدم هنا للقياس هو معيار النزاهة في النظر والحكم والاستنتاج أي قدرة الرحالة علي الخلاص من الأحكام والآراء المسبقة التي مصدرها كتابات آخرين أو أبحاث علم من العلوم الاجتماعية سواء أكان علم أناسة أم علم أعراق الشعوب أم غيره‏.‏ وقد عبر دو نرفال عن ما حدث معه في مواجهة الشرق الحي بتعبير الخسارة فقد خسر في مواجهة الشرق الحقيقي الذي دخل فيه مملكة بعد مملكة وإقليما بعد إقليم ما كان بالنسبة له الكون الأكثر جمالا‏.‏ وهكذا لم تعد أحلامه بشرق خيالي صنعته أقلام الآخرين وأهواؤهم القائمة علي قراءة الأدب القديم والتخيل ملاذا يصلح للسكن‏.‏ وكان أسفه أبلغ في ما يتعلق بمصر التي اضطر أن يختار بينها وبين خياله‏.‏
لم يكن دونرفال في رحلته إذن بوصفه فنانا قبل كل شيء بقادر علي التخلي عما هو حي ومتحرك في سبيل ما هو ثابت وخالد من تصورات وكذلك كان الأمر مع‏'‏ فلوبير‏'‏ الذي سجل تجاربه في مصر في كتاب له بل نجده يتحرك علي صعيدين‏:‏ مستوي الماضي المتخيل‏(‏ حكاية الحاكم الفاطمي وحكاية أدونيرام مهندس المعبد‏)‏ ومستوي الحاضر الراهن‏(‏ أحياء القاهرة وحريمها وسجون بيروت التركية والنزاعات الطائفية المبكرة‏)‏ وهو ما يوازي في جانب آخر تحركـــه بين‏'‏ ما يعرف‏'‏ و‏'‏ ما يشاهد‏'.‏ ولا نستطيع أن نوافق علي أن‏'‏ الشرق‏'‏ بهذه الصفة كان لدي فنان مثل دو نرفال مجرد‏'‏ اختراع غربي‏'‏ أو هو‏'‏ حقيقة‏'‏ خاصة به‏.‏ فمهما كان من أمر الشرق كواقع ومهما كان من أمره كخيال‏(‏ وهو في كلا الحالتين صورة من صنع الإنسان‏)‏ يظل ثمة شرق يتباين تأويله أو تفسيره‏.‏ هنالك شخصية ما لها ملامح إلا أنها ليست من ذلك النوع المطلق والثابت المكرر بل هي من ذلك النوع الحي والمتحرك الذي يحدث مع كل وعي إنساني جديد‏.‏ بهذا المعني نستطيع أن نتفهم الزوايا والظلال ومناطق الضوء في لوحة يرسمها فنان مثل دو نرفال واختلافها عن لوحة يرسمها فنان آخر وليكن من الفنانين المحليين‏.‏ ليس سبب الاختلاف كون الأول أكثر صدقا أو العكس بل كون أحدهما أكثر وعيا وقدرة علي الرؤية بسبب موقفه المتخارج عن الوضعية التي ينظر إليها‏.‏ وبسبب امتلاكه لأدوات ومناهج نظر أكثر حساسية‏.‏
كاتب فلسطينى