388‏السنة 123-العدد2004اغسطس28‏12 رجب 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين
لا يري نفسه نعجة في مرعي‏:‏

أنـا نـسـر مشـاغـب

‏ أجرت الحديث في جرش
هدي الزين


الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين هو شاعر القلق وشاعر الجنوح‏.‏ أعضاء القصيدة تتداخل مع أعضائه وأوردته‏,‏ هو ابن الجنوب من قرية بيت ياحون‏,‏ ارتبط بالشمس وصخور القرية و بالرياح والمطر‏.‏ لذلك كانت القصيدة تتشكل من هذه العناصر كلها‏,‏ وهي تشبهه في تمرده وجنوحه‏.‏
التقيت الشاعر محمد علي شمس الدين في مهرجان جرش حيث قرأ عددا من قصائده مثل العصفور‏.‏ ممالك عالية‏.‏ الشاعر‏,‏ الكلام خائني إليك‏.‏ قصائد المتيم‏.‏ وشيرازيات وكان لي معه هذا الحوار الذي يتدفق بأحاسيسه ومشاعره وعلاقته مع الشعر والحياة‏.‏
صدر ت لك أخيرا ثلاثة دواوين شعرية هي قصائد المتيم شيرازيات وممالك عالية‏.‏ فماذا قدمت من جديد فيها؟
هي قصائد تخرج الألم بالتأمل في القصائد تجربة نفسية جديدة وتعامل مع الزمن الذي يتقدم في قطاره حيث تلتبس علي الرحلات من أين‏..‏ وإلي أين الرحلات التي أتوقف فيها عند محطات‏,‏ لكن قطاري السائر في الزمان‏.‏ قطار قلق جدا ويواجه رياحا كثيرة وخطوطا متشابكة والحقيقة أنني كتبت إلتباساتي وهواجسي هذه وأنا لا أذهب إلي ندوة إلا وأذهب إليها قلقا‏.‏ قلت في إحدي قصائدي أريد ولا أريد أنا لست شاعرا مطمئنا‏.‏
‏‏ هل القلق هو سمة في حياتك وأشعارك؟
هو سمة قديمة‏.‏ وتزايدت مع الزمن وأنا أصل إلي حد الريبة في موضوع مواجهة الشعر بالآخرين‏.‏ وأنا أحب المواجهة المستترة هذه المواجهة المستترة توصل لي بريدا عجيبا لم يكتبه النقاد‏.‏ بل هو بريد الناس الآخرين الذين يقرءون بصمت ما أكتب أنا لا أعرفهم ولا يعرفونني معرفة مباشرة بل يكتبون صدي ما يقرأون‏,‏ هذا البريد الغني جدا يأتي لي من كل أنحاء العالم‏.‏ وهذا المجري السري للقصائد لا يعرفه الإعلام ولا المهرجانات بل إن القصيدة تختار قارئها والقصيدة ترسم صورة قارئها من خلال علاقاتها وذاتيتها وهواجسها ولغتها ومناخاتها وكأن في القصيدة مغناطيسا يجذب إليه من يستجيب‏.‏
‏‏ هل هناك قصيدة ما يستجيب لها القاريء وتكون أكثر قربا من حس الناس؟
هذا صحيح وحتي القصيدة التي يكون لها استجابة واسعة من القراء إذا تم تكرارها تفقد جاذبيتها كانت لي قصيدة اسمها‏(‏ أغنية كي تنام زينب‏)‏ كانت تطلب مني في كل الندوات الشعرية الآن أنا لا أقرأها نهائيا حتي ولو طلبت مني لأني أشعر أنه لابد من تقديم الجديد حين تخرج القصيدة من حيز السطر وتحقق كنص فينشر فأنا أفهم إلي أي مدي هذه البروق المرسلة ستصل إلي غاياتها‏,‏ وكيف ستأتي ردود الفعل‏,‏ صحيح أن الشعر هو علاقة سرية خاصة بين الشاعر وذاته ولكن حين يصبح نصوصا ودواوين يصبح ملكا للوجود وللقاريء‏.‏
‏‏ ماذا يعني لك جمهور القراء لأعمالك؟
القاريء هو عبارة مبهمة وغامضة قاريء المتنبي مثلا هل كان المتبني يرسم حدودا لمن يقرأونه؟ ما يسمي بالجمهور هو معني واسع ومرن ومتقلب تبعا للتاريخ والثقافات وتبعا لقدرة النص علي أن يحتمل التأويل هناك نص يستهلك من قراءة واحدة وهناك نص لا يستهلك من قراءة أو قراءتين أو عشرة أنا أميل إلي النصوص المشعة وذات الغموض والالتباسات‏.‏
‏‏
أدونيس
كتبت الشعر منذ سن مبكرة ما ملامح القصيدة الأولي؟
كتبت مئات القصائد ومزقتها ولكن القصيدة الأولي التي نشرتها والآن أقرأها ولدي إحساس بأنها مكتوبة الآن أو مكتوبة غدا اسمها‏(‏ ارتعاشات اللحظة الأخيرة‏)‏ وكتبتها عام‏1973‏ وموجودة في أول ديوان لي وهو‏(‏ قصائد مهربة إلي حبيبتي آسيا‏)‏ الصادر عام‏1975‏ وهذه القصيدة مكتوبة من‏28‏ سنة ويقول مطلعها‏:‏
تهب الريح من فلواتي الجرداء
تقلع من منابتها جذور الرعشة الأولي
أنا لا الري يرويني ولا الفلوات تأتيني
وبي ظمأ وما لي فم
حملت الجرح والإعصار في جسدي
حملت العشب والأطفال
وحين تعبت من ترحالي الأبدي
غزلت الجرح في نيل من الكبريت والأوحال
هذا النص مازال يتجدد كل يوم ومن هذه الناحية أعتقد أن القصيدة يجب أن تقاوم الزمن وتقاوم التغييرات‏.‏
‏‏ ما علاقة القصيدة بالحدث الكوني كأن يكتب الشعراء عن أحداث ومآس يمر بها الوطن؟
أخطر ما يمكن هو أن يكون الشعر صدي لحدث بل الشعر هو الأصل وربما أتي التاريخ ليكون صدي للشعر وأنا أعتقد أن القصائد تبدأ من حيث ينتهي التاريخ وتنتهي الفلسفة والواقع لذلك فالقصيدة التي تكون ذيلا لحدث ما تزول معه عندما ينطفيء الحدث‏,‏ المطلوب أن تكون القصيدة هي حدث بذاتها وأن يكون عندها قدرة علي قطع المسافات الشاسعة وأن تحتمل التأويل لأنه مطلوب منها أكثر مما هو مطلوب من المؤرخ أو الفيلسوف‏,‏ الألمان فهموا هذه المسألة والفلاسفة الألمان أخذوا رؤاهم الفلسفية مثل هيدجار ونيتشه وبيكرانت من الشعراء أمثال هاندلين وجيته وبالتالي فإن الرؤية الفلسفية ينبغي أن تؤسس علي الشعر والشعر أبعد من الفلسفة‏.‏
‏‏ إذن تري أن من الخطأ ربط الحدث السياسي بالشعر؟
بالطبع‏.‏ وهناك خطر كبير علي الشعراء السياسيين في العالم العربي الذين تأتي قصائدهم انفعالات مثل طفح جلدي حين تحترق الأرض العربية وكما المتبني رأي في الماضي والشاعر هو عداء المسافات الطويلة‏.‏
‏‏ أنت كشاعر من جنوب لبنان هل تأثرت قصائدك بالمكان الذي ينبض بالأحداث والمآسي بالحلم والألم؟
هناك تأثر بالمكان وهناك خيانات للمكان أيضا التأثر بالمكان ليس هو التأثر الميكانيكي والسطحي بل أنا في قصائد كثيرة أدخل في حوار صعب مع المكان‏.‏ كما أقول في قصيدة عن نهر الليطاني‏.‏
علي بلاطة الشتاء أريد أن أكسر عنق هذا النهر وأجعل المياه كالخراف تنثني إلي الوراء أنا لست نعجة في مرعي آمن بل أنا نسر مشاغب واللغة عندي وحشية‏,‏ الشعر عندي أداة للشراسة والرفض وهو أداة لإعادة التكوين أنا لا أستسلم للمكان كان الجنوب يحملني وأنا الآن أحمله هل أستطيع أن أحمل فلسطين إلي هذا المنطق‏,‏ لكن ربما الذي يفقد المكان يبقي أسيرا له ومن يفقد وطنا يصبح أسيرا له‏.‏ محمود درويش هو أسير وطن من حسنات الظروف التاريخية إنني حملت علي وطن اسمه لبنان ولكن الآن لا أنتمي إلا للمنافي وإلي الرفض والحرية أنا دخلت في العدمية كون وجودي تحقق ولأن لي جذورا في وطن اسمه لبنان‏.‏
‏‏ لكن في الأمسيات الشعرية تقدم كشاعر الجنوب؟
هذا لا يسرني كثيرا ولا يزعجني أيضا لأن في شعري كل الحيوان والأماكن أنا كتبت عن غرناطة مثلا في ديواني قصائد مهربة إلي حبيبتي آسيا‏.‏ كتبت عن بغداد الحلم‏.‏ وبغداد الواقع وبغداد أحلام ألف ليلة‏.‏ صحيح أنا ابن الجنوب عشت علي صخرة و تنشقت هواءه ومشيت في شموسه وأنا خرجت من هذا التراب والشموس والماء الذي شربته لا أنقلب عليه ولا أظل تابعا له مدي الأبد فاللغة هي التي تحررني سواء لغتي العربية أم اللغات الأخري‏.‏
‏‏ المرأة لها حضور كبير في قصائدك وفي عناوين دواوينك؟
المرأة في قصائدي نثر ودم‏.‏ وهاجس ولغز المرأة هي المتعة واللوعة هي الجسد والنفس هي الزمن والولادة وما أثر في شعري هو الموت والحب‏..‏ وعلاقتي بالمرأة تطورت بالحياة والكتابة‏.‏ وتعاملي مع المرأة مشي في اتجاهات وأنا أعيش في أشكالية كبيرة عندما أتقدم في الزمن تتأجج رغباتي إلا أن أحصنة الجسد تضعف أنا أموت في جمال المرأة ولكن ماذا في إمكاني أن أقدم لها سوي القصيدة والكلمة‏.‏
أنا أفتقد نزار قباني عندما كان يكتب قصائد عن السرير وهو في أرزل العمر كان يكذب‏,‏ علاقة الشعر هي علاقة مع الزمن ومع المتغيرات التي تلحق بالذات‏.‏ الشعر هو عداد الزمن والمرأة هي ليست جسدا ولحما ودما بل هي نفس وروح وكما قال عنها ابن عربي‏(‏ كل شيء لا يؤنث لا يعول عليه‏).‏
‏‏ شعر الحداثة كيف تقيمه من خلال قراءاتك للشعر العربي ولتجارب الشعراء العرب المعاصرين؟
أنا قاريء للشعر الفرنسي والشعر الفارسي وقد كتبت في ديواني علي قبر شيراز‏(75‏ قصيدة‏)‏ انطلاقي من نصوصي تحت عنوان محمد علي شمس الدين يكتب حافظ الشيرازي بالنسبة للشعر العربي المعاصر الآن توجد عزلة مضاعفة شعر اليوم ترككت لغته ودخلت إلي الأشياء المنزلية وقاربت من لغة الجرائد بخطورة‏,‏ بمعني أن قلائل من الشعراء قادرون علي أن يبتكروا من اليومي والسائد والهامشي قصيدة وإنما معظمهم يكتبون عن اليومي والهامشي جرائديا وليس شعريا وبالتالي تسقط كتاباتهم ولا تترك أثرا‏,‏ هناك شعراء روائيون نبوئيون مازالوا يسيرون في اتجاه الشعر أدونيس مازال يكرر نفسه ويتراجع لقد أعطي في الماضي شيئا جميلا هناك أيضا تجارب لأجيال ما بعد الرواد مثل جيلنا الذين أسسوا علي سواهم وخرجت منهم إضافات الحداثة أكثر مما يطبق في النص‏.‏ القصيدة الآن أهم من النظرات وإنك كشاعر حر في أن تستعمل أية تقنية تريد‏.‏ أي وزن وأي لغة وأي إيقاع مادمت ستقدم نصا جديدا ومبدعا أما أن تحجز نفسك وراء جدار النظرية وتقول أريد أن أكون حداثيا هذه التجربة أسقطت أكثر من الأقنعة والتجارب ولم يبق منها إلا الأصيل والجديد‏.‏ ومع الأسف الساحة الشعرية العربية الحداثية تتضارب فيها تيارات كثيرة وتخترقها أسئلة ليست لها أية أجوبة‏.‏ النص ضعيف إلي حد ما والشعراء يبنون عماراتهم دون تناظر نقدي النقد مازال مبتلي بالصحافة اليومية هناك الآن شيء من النقد الأكاديمي دخل إلي الساحة‏,‏ لكن لم يصبح بعد جزءا من السياسة النقدية العامة للشعر ومازال النقد الصحفي بما ينطوي عليه من تزييف وتواطؤات هو السائد الآن‏*‏
الأعمال الشعرية لمحمد علي شمس الدين
قصائد مهربة إلي حبيبتي آسيا
غيم لأحلام الملك المخلوع
أناديك يا ملكي ويا حبيبي
طيور إلي الشمس المرة
الشوكة البنفسجية
أميرال الطيور
آن للرقص أن ينتهي
يحرث في الآبار
منازل النرد
ممالك عالية
وفي النثر صدر له كتاب‏(‏ الطواف‏)‏
وفي السيرة المزدوجة‏(‏ رياح حجرية ـ حلقات العزلة‏)‏
ترجمت أعماله إلي الأسبانية والفرنسية والإنجليزية والألمانية
كما قدمت أطروحات عديدة عن أعماله الشعرية