
|
قصص تكشف ثمن المعجزة الاقتصادية
مسـاء هانـريش بـول في أول ترجمة عربيـة |
 | | رؤية شكلة للعالم |
كتب ـ سيد محمود حسن صدرت أخيرا عن سلسلة مكتبة نوبل التي تصدرها دار المدي بدمشق الترجمة العربية لمجموعة قصص كتبها الكاتب الألماني الشهير هانريش بل تحت عنوان' وكان مساء' وترجمها المترجم المصري المقيم بألمانيا سمير جريس الذي يعمل صحفيا بالقسم العربي لإذاعة الدويتشه فيلة في بون- وسبق له أن ترجم عدة أعمال من الأدب الألماني إلي العربية, منها: شدو البلبل, وقصص أخري, للأديب فولفغانغ بورشرت, آفاق الترجمة, القاهرة1995 مونتاوك, ماكس فريش, دار الجمل, كولونيا2001, وكان قد نال من قبل الجائزة الأولي في ترجمة القصة من المجلس الأعلي للثقافة في مصر عام.1996 وتضم' وكان مساء...' مجموعة من القصص المختارة للأديب الألماني هاينريش بل( نوبل1972), قدم لها جريس, وهي قصص لم تسبق ترجمة أغلبها إلي العربية تكشف عن مواقف بل السياسية العديدة التي كان يعبر خلالها عن موقف اجتماعي مناصر للمظلوم والضعيف وهو واحد من الكتاب الملتزمين ولطالما سار في الشوارع مع المتظاهرين- ففي الخمسينيات والستينيات شارك في المظاهرات المناهضة لإعادة تسليح ألمانيا, أو انضمامها لحلف شمال الأطلسي, أو الصراع النووي مع أوروبا الشرقية, كما خرج مع الطلبة في مظاهراتهم عام1968 لإحداث تغيير جذري في نظم المجتمع كافة. لهذا اعتبروا أدبه صورة حية للتطور السياسي والاجتماعي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية, ونظر إليه كثيرون- داخل ألمانيا وخارجها- علي أنه' ضمير الأمة الألمانية الحي'. و المجموعة تبين التطور الذي شهدته قصص بـل مضمونا وأسلوبا. وتطمح المجموعة العربية إلي تقديم بعض الأعمال المختارة لأديب ناقد لا يقدم في أعماله تبريرا لكارثة النازية, أو وصفا لأعمال بطولية خارقة في مقاومة النظام, أو تمجيدا لعظمة شعبه- وإنما يحكي ببساطة ما عايشه, محاولا إيجاد رد علي السؤال الذي شغل جيله كله: لماذا حدث ما حدث؟ حيث انتقل بل في سنوات الخمسينيات والستينيات إلي تصوير ونقد المجتمع الألماني في ظلال ما سمي بـ' المعجزة الاقتصادية'. ففي غضون عشر سنوات ـ وبمساعدة مشروع مارشال الأمريكي لإعادة إعمار دول أوروبا الغربية ـ تحولت ألمانيا من دولة متسولة إلي واحدة من أقوي الأمم الصناعية في العالم الغربي. لكن بـل رأي خلف هذه الواجهة البراقة أمراض المجتمع الجديد الذي اتخذ من المال قيمة تعلو فوق كل قيمة. هذه الموضوعات, بالإضافة إلي توجيهه النقد اللاذع للكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا كمؤسسة وسلطة تماشي النظام السياسي, هي التي تناولها بل في قصصه القصيرة, مثل:' الشغل شغل' و'كما يحدث في الروايات السيئة' و' من نوادر هبوط أخلاقيات العمل. في سنوات الخمسينات كتب بـل عددا من القصص التي أسست شهرته ككاتب ساخر, منها في هذه المجموعة:' الضاحك', و' هنا تيبتن', و' سيحدث شيء'. وقد لقي أدب بل صدي واسعا في ألمانيا فور صدوره, وسرعان ما لقي اهتماما في الخارج أيضا, ليس فقط في أوربا الشرقية والغربية وأمريكا, وإنما أيضا في الصين وكوريا والهند واليابان وإيران. وفي عام1972 تم منح هاينريش بل جائزة نوبل في الآداب, ليكون بذلك هو أول أديب ألماني يلقي هذا التكريم بعد الحرب العالمية الثانية, إلي أن لحق به عام1999 زميله غونتر غراس, وذكرت الأكاديمية السويدية في حيثيات منح الجائزة لبل أنها تقديرا' لإبداعاته التي جددت الأدب الألماني وأثرته, وذلك من خلال رؤيته الشاملة للتاريخ المعاصر واتصالها الوثيق بفنه الروائي المطبوع بقدراته الشعورية مرهفة الحس,' وفي المقدمة يطرح جريس سؤالا مهما هل تخاطب أعمال بل القارئ العربي؟ لاشك. بـل يعالج- خاصة في قصصه القصيرة- قيما إنسانية تتجاوز النطاق المحلي الضيق, كما أن أعماله مرآة صادقة تعكس التطور الاجتماعي والسياسي في ألمانيا ما بعد الحرب, معظم العرب ينظرون مبهورين إلي ألمانيا الغنية, ولا يرون إلا جانب المعجزة الاقتصادية فحسب, ويتجاهل الناس تماما- في غمرة تمجيد' العبقرية الألمانية'- تاريخ ألمانيا النازية الأسود, وأيضا الثمن الفادح الذي دفعه الألمان- ماديا وروحيا- مقابل إعادة البناء وتحقيق الرخاء الاقتصادي.' وهو الثمن الذي يحذر منه الكاتب وقصص المجموعة.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|