388‏السنة 123-العدد2004اغسطس28‏12 رجب 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نهاية العالم‏..‏ كـأنـه نهـار

حرية الأحلام
أهو النهار الذي سرعان ما ينقضي وتكتنف العتمة الوجود وعندها تنعدم الرؤية فتتحرر المخيلة من حدود الحواس إلي رحابة الأحلام؟
أم النهار الذي يضع نهاية لعالم الليل الملئ بالمتع والأسرار؟
النهار الذي ينتهي لتبدأ الحكاية؟
أم النهار الذي يبدأ لتنتهي الحكاية‏.‏
والنهار في عنوان الرواية في أحدث روايات أحمد الشريف كأنه نهار التي صدرت حديثا في القاهرة ــ هو أحد طرفي المعادلة‏,‏ بينما يمثل الطرف الآخر الليل‏,‏ مأوي الأحلام التي غالبا ما تفقد تماسكها أمام سطوة النهار‏,‏ لنلاحظ هنا أن شهرزاد أشهر الرواة‏,‏ كانت توقف سريان حكاياتها الليلية عند صياح الديك مشيرة إلي بزوغ النهار‏,‏ فالراوي يغلق حكاية الليل ويدخل في ليله الشخصي‏/‏ النوم‏/‏ الأحلام‏.‏ لتتصل الحكايتان معا الحكاية‏-‏ الحلم‏.‏
هي رواية قصيرة غير معنية أبدا ببناء الحدث‏,‏ وتطويره‏,‏ وغير معنية أيضا برسم الشخوص وتتبع مصائرها‏,‏ لكنها تنسج علي نحو مخادع مرثية لعوالم ومناخات وبشر وطيور وكائنات أخري‏,‏ هذه المرثية تنجو من الإغراق في الحزن الرومانتيكي بفضل نزوع تهكمي بالغ الأهمية‏.‏
هذا النزوع التهكمي يعمل علي وجهين‏:‏ إنه ينأي بالنص بعيدا عن الرؤية الذاتية الراوي العليم فتتعدد وجهات النظر لأن التهكم‏/‏ السخرية لا تنشأ عبر صوت منفرد‏,‏ وإنما عبر المفارق الناتجة عن تعارض وجهتي نظر‏.‏
والوجه الثاني أن النزوع التهكمي يكشف عن أن العالم المرثي لم تكتب نهايته قوي خارجة عنه‏,‏ بل كان هذا العالم يحمل بذرة فنائه‏,‏ كان ينبغي لهذا العالم أن يفني‏,‏ وكي لا يخلف الفناء حسرة فالراوي يتحصن بالنزوع التهكمي‏,‏ ليتخفف من ميراث ثقيل‏,‏ من آباء أفنوا حيواتهم وتركوا خلفهم حكايات عن رجال مخربين‏,‏ أرادوا الالتصاق بجسم الحياة وامتصاص آخر قطرة من دمها والفناء في انتشاء المتعة‏,‏ وعادوا من مغامراتهم الفردية الصغيرة مرضي‏,‏ مثقلين بالديون‏,‏ فقراء‏,‏ عاجزين‏,‏ عميان‏,‏ معتوهين‏,‏ تاركين أبناء يرون العالم القديم يمضي في مسار انهياره‏,‏ وعالما جديدا يبدأ لا يملكون لمواجهته شيئا‏.‏
إن كثرة الأسماء‏/‏ الشخوص تبعث علي الارتباك في البداية‏,‏ لكنك بعد قليل ستتخلي عن الحيرة‏,‏ محاولة تتبع السلالة‏,‏ النسب‏,‏ العائلة‏.‏ كل ذلك لا معني له‏,‏ فالمعني الوحيد هو أنه مع تعدد الأسماء لن تجد إلا مسمي وحيدا وهو الكيان البشري‏/‏ المفرد‏/‏ الجمعي الذي أراد أن يقتنص آخر متعة في الحياة حتي لو كان الثمن خرابها وفناءها‏.‏
الشخوص هنا جزء من كائنات العالم كالحيوانات والأسماك والطيور والنبات‏.‏
الإنسا ن بالمعني المجتمعي لا اعتبار له بذاته‏,‏ وإنما بنمط الأفعال المتسقة مع طبيعة هذا العالم‏,‏ لا الأسماء ولا المهن‏,‏ ولا الأمراض تعني شيئا بمفردها‏,‏ وإنما بانتظامها وتضافرها ضمن هذه المرثية المخادعة‏.‏