
|
نيولوك اللغة العربية |
 | | طه حسين |
احتاجت ابنتي إلي جراحة صغيرة, ولأنني ووالدها نخشي التخدير أكثر من الجراحة نفسها, فقد وقع اختيارنا علي طبيب معروف بخبرته الفائقة في مجال الجراحةالعامة, وتمت الجراحة بسلام والحمدلله, وبعد أسابيع قليلة اشتكت صغيرتي من ألم في الجهةالمقابلة, واحتاجت للجراحة نفسها, فاستشرنا جراحا آخر لأنه يحسن في مثل تلك الأمور الاستنارة بأكثر من خبرة وتشخيص, وكنا قد عقدنا العزم علي إجراء الجراحة عند الجراح الكبير الأول في حالة ما إذا اتفق الجميع علي ضرورة إجرائها, لكننا لأسباب كثيرة لصالح الصغيرة أجريناها عند جراح آخر مشهور بمهارته, وكانت النتيجة الحاصلة هي الفشل الذريع للجراحة الأولي, مقارنة بالثانية والسبب يكمن في أمر واحد هو' التخصص', فكلاهما أستاذ كبير في الجراحة, لكن الثاني كان متخصصا في جراحة الأطفال, وبالتالي تعامل مع الجسد الصغير بما يلائمه, بينما تعامل الأول معه بقسوة شديدة, وعلي الرغم من أنني أكاديمية, فقد كنت في حاجة إلي هذا الدرس لتعميق قيمة التخصص. إن قبول مسألة تفعيل' التخصص', من مقدمات سبل الرقي والتحضر, لذلك لا يمكننا الاطمئنان إلي بعض الآراء العشوائية المحتكمة إلي الأهواء والرؤي المتفردة نتيجة التأثر بالثقافة الغربية. ولقد ظهر فجأة كتاب يدعو إلي هدم اللغة العربية, اللغة المختارة من رب العزة, دون غيرها, لتكون الوعاء الأمين لكتابه الحكيم القرآن الكريم, وأحد ثوابت الأمة العربية, وأهم مقومات الكيان الإسلامي المستهدف من أعداء الإسلام, كتاب يدعي فيه كاتبه شريف الشوباشي, أنه يقدم بعض المقترحات في سبيل تطويراللغة العربية, ولظهوره في هذا التوقيت دلالات بعيدة, لا أظنها تخفي علي أحد ممن لهم دراية بمثل هذه الدعوات المشبوهة في تاريخنا الحديث. والمطلع علي هذا الكتاب يدرك حداثة عهد كاتبه, في مجال البحث اللغوي برغم محاولات الترقيع التاريخي الاستعراضي, ومغالطات التسويغ انتصارا للفكرة, فهو غير متخصص, لكنه وقد أفاد من ردود الأفعال التي جابهت هذه الدعوة من قبل, قد اتخذ من المبادرة بسد الطريق أسلوبا لدحض آراء المعارضين, ومع هذا أجد ثمة أمورا يجب التنبيه عليها وهي: أولا: إن الدعوة إلي تغيير ملامح اللغة العربية, تحت ستار الإصلاح ومسايرة العصر المقنعة بتطوير اللغة ليست جديدة علي الفكرالعربي الذي عاني- ولايزال- من دعوات ظاهرها الحكمة والعقلانية وباطنها العبث بمستقبل الأمة, وأكاد أجزم بأن محتوي الكتاب فكرة وصياغة, قد نقل نقلا عن كتب السابقين, ممن تبنوا الدعوة نفسها مع إضافة تصوره عن كيفية التطوير ببعض الأمثلة التي كشفت عدم أهليته للخوض في مثل تلك الأمور. وعلي رأسها كتاب الدكتور طه حسين' مستقبل الثقافة في مصر' وكتاب سلامة موسي'البلاغة العصرية واللغة العربية' وديوان الدكتور لويس عوض' بلوتلاند وقصائد أخري' وآراء السير, ولكوكس مهندس الري الإنجليزي الذي كان يعمل في مصر فترة احتلالها, وكان في ذلك الوقت ينشر آراءه المناهضة للإسلام المؤيدة لفكره الغربي, حيث ذكر أن العامل الأكبر, في فقد قوة الاختراع عند المصريين هو استخدام اللغة العربية الفصحي, ونصحهم باتخاذ العامية أداة للتعبير الأدبي, لكي يلحقوا بركب الحضارة, وحين انزوت دعوته وتراجعت إزاء الوعي القومي المتحفز لكل ما يخرج من عباءة المستعمر, تم استقطاب بعض المثقفين العرب ممن انبهروا بالحضارة الغربية لكي يؤدوا الدور نفسه يقينا بأنهم سيكونون أكثر تأثيرا علي أبناء جلدتهم. ثانيا: لقد حاول الكاتب دفع مظنة الاتفاق مع بعض الآراء الداعية إلي هجر اللغة العربية بالكامل, ونفي تقديمه مقترحات لإحلال لغة أخري بديلة, وأكد في أكثر من موضع أنه بعيد عن ذهنه تماما, الدعوة إلي تطوير جذري يقضي علي أسس اللغة العربية لأن مثل هذا التطوير كما يقول يقطعنا عن تراثنا وثقافتنا, ومطلوبه التطوير الذي يحافظ علي الشكل والقواعد الأساسية التي وضعها السلف, وكأنه لايدري أنه بهذه المقترحات( القيمة) التي قدمها ينسف قواعد النحو العربي نسفا, بل ويزدريه بمقارنته بالإنجليزية, وخلاصة مقترحاته التخلص من( زحمة) القواعد السخيفة التي لا طائل منها, ولا يتأثر معني الكلام بحذفها فنلغي- مثلا- التشكيل اكتفاء بالترتيب الطبيعي للكلمة في الجملة فلا داعي للمفعول أو المثني أو نون النسوة وغيرها من التعقيدات المعوقة للتقدم التي تتحمل أوزار التخلف والانحطاط مقارنة بالحضارة الغربية, وتطبيقا علي هذا يمكننا أن نقول: رأيت رجل طويل يأكل خبز, بدلا من: رأيت رجلا طويلا يأكل خبزا. ونقول: النساء كلهم أكلوا, بدلا من: النساء كلهن أكلن, ونقول: تسع رجال وتسعة نساء, بدلا من: تسعة رجال وتسع نساء, وكثيرا من القواعد( السيبويهية) فهل يمكن تسميتها بعد كل هذا باللغة العربية, وكيف تتعامل الأجيال القادمة بهذه التوليفة المخترعة, مع القرآن الكريم, أم أن هذا الأمر أيضا لا فائدة ترجي منه ونحن نصبوا إلي اللحاق بالحضارات الأخري. أقترح تسميتها بعد عوامل التعرية هذه بـ( نيولوك اللغة العربية) وهذا اسم يتسق مع الموضة السائدة أليس غرضنا مسايرة العصر. ثالثا: إن التخصص لا يشير إلي الدراية الواسعة والإحاطة علما بالشيء بقدر ما يشير إلي درجة الإحساس به وتذوقه, نتيجة تقصي مفرداته ومعايشتها, ومناط التميز هذا هو ما حمل الدكتور طه حسين علي صياغة مقترحاته بصدد تطوير اللغة أو التخفف من عبء القواعد النحوية والصرفية والبلاغية بلغة عربية رصينة, وهي نفسها اللغة التي كان يأبي إلا التحدث بها وكأنه العاشق لكل حرف يجريه علي لسانه, ولم نعهده إلا مهاجما شرسا لكل من كان يكتب أدبا بالعامية, حتي أنه من شدة ارتباطه الوثيق باللغة وعشقه لها, طغي جمال الأسلوب علي جانب العنصرالدرامي في بعض أعماله الروائية منها' دعاء الكروان', فقد كان مدفوعا إلي صياغة هذه الآراء التي حملها كتابه' مستقبل الثقافة في مصر' لكنه كان أكثر إحساسا باللغة من غيره, أما سلامة موسي فقد قدم المقترحات نفسها, وهو غير متخصص أيضا, ولقد شهد الدكتور طه حسين بتحامله علي الأدب العربي وازدرائه له, ومع هذا كان يفتي في الأدب, ويسجل آراءه المسفهة له, ودلت هذه الآراء علي أنه غير مستوعب له, ولقد دعا لويس عوض إلي كسر رقبة البلاغة العربية وافتتح ديوان بلوتلاند وقصائد أخري, بعبارة' حطموا عمود الشعر' ودعا إلي العدول عن استخدام العربية إلي العامية, بحجة أنها لغة الشعب والمجتمع, وكأنها الحرب الشرسة ضد اللغة العربية. رابعا: إن ظهور هذه الدعوة مرة أخري بعد فشلها الذريع علي يد أبناء العربية المخلصين في هذا التوقيت يدعونا إلي التوقف للتأمل والكشف عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الحملة علي اللغة العربية, ودواعي مقارنتها باللغة الإنجليزية, هل لهذا صلة بالتقرير الأمريكي حول الحالة الإسلامية الذي أعد لصالح وزارة الدفاع الأمريكي, إن هذا التقرير يكشف عن نيات ذوي الفكر الحديث, الذين يمهدون الطريق لفرض الهيمنة الأمريكية, بعزل الإسلام عن الواقع الحياتي, واستبداله بالعلمانية, بحجة النهوض بمستقبل الأمة, وهل نفهم من محاولة شريف الشوباشي, وكيل وزارة الثقافة, أن الخطة الأمريكية بالتدخل في شئون مصر الداخلية, بما فيها مناهج التعليم التي قد وصلت بالفعل إلي الوزارة, وجاري تمهيد الأجواء لاستيعابها, خاصة أنه قد لمح إلي هذا في كتابه حيث قال: لنقم نحن بثورة في اللغة العربية اليوم بدلا من أن يفرض علينا الأمرالواقع ونجد لغتنا في خطر داهم بعد بضعة أجيال قادمة, وعلي حد تعبير ما جاء في تراثنا العربي, فليتم ذلك' بيدي لا بيد عمرو' ص65 وقال كذلك: إنني علي ثقة من أنه سيأتي اليوم الذي يضطر فيه العرب إلي تبسيط لغتهم حتي لا تواجه أزمة طاحنة تعرضها للخطر فلماذا لا نبدأ من الآن ص193 وأقول له: إن ما اقترحته بشأن اللغة العربية, يؤدي إلي تفجير العقل العربي وليس تفجير طاقات العقل العربي, كما تقول, ولم يكن أبناء هذا الوطن في يوم انهزاميين يسيرون بمبدأ بيدي لا بيد عمرو, وأقول أيضا مقولة عبد الله النديم: إننا نعلم علم اليقين أنه لو ظهر ألف داع بل مئات ألوف من دعاة أوروبا لاستعمال لغة تميت لغة القرآن ما وجدوا آذانا سامعة.
دكتورة ثناء قاسم مدرس البلاغة والنقد الأدبي كلية دار العلوم الفيوم |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|