388‏السنة 123-العدد2004اغسطس28‏12 رجب 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نيولوك اللغة العربية

طه حسين
احتاجت ابنتي إلي جراحة صغيرة‏,‏ ولأنني ووالدها نخشي التخدير أكثر من الجراحة نفسها‏,‏ فقد وقع اختيارنا علي طبيب معروف بخبرته الفائقة في مجال الجراحةالعامة‏,‏ وتمت الجراحة بسلام والحمدلله‏,‏ وبعد أسابيع قليلة اشتكت صغيرتي من ألم في الجهةالمقابلة‏,‏ واحتاجت للجراحة نفسها‏,‏ فاستشرنا جراحا آخر لأنه يحسن في مثل تلك الأمور الاستنارة بأكثر من خبرة وتشخيص‏,‏ وكنا قد عقدنا العزم علي إجراء الجراحة عند الجراح الكبير الأول في حالة ما إذا اتفق الجميع علي ضرورة إجرائها‏,‏ لكننا لأسباب كثيرة لصالح الصغيرة أجريناها عند جراح آخر مشهور بمهارته‏,‏ وكانت النتيجة الحاصلة هي الفشل الذريع للجراحة الأولي‏,‏ مقارنة بالثانية والسبب يكمن في أمر واحد هو‏'‏ التخصص‏',‏ فكلاهما أستاذ كبير في الجراحة‏,‏ لكن الثاني كان متخصصا في جراحة الأطفال‏,‏ وبالتالي تعامل مع الجسد الصغير بما يلائمه‏,‏ بينما تعامل الأول معه بقسوة شديدة‏,‏ وعلي الرغم من أنني أكاديمية‏,‏ فقد كنت في حاجة إلي هذا الدرس لتعميق قيمة التخصص‏.‏
إن قبول مسألة تفعيل‏'‏ التخصص‏',‏ من مقدمات سبل الرقي والتحضر‏,‏ لذلك لا يمكننا الاطمئنان إلي بعض الآراء العشوائية المحتكمة إلي الأهواء والرؤي المتفردة نتيجة التأثر بالثقافة الغربية‏.‏
ولقد ظهر فجأة كتاب يدعو إلي هدم اللغة العربية‏,‏ اللغة المختارة من رب العزة‏,‏ دون غيرها‏,‏ لتكون الوعاء الأمين لكتابه الحكيم القرآن الكريم‏,‏ وأحد ثوابت الأمة العربية‏,‏ وأهم مقومات الكيان الإسلامي المستهدف من أعداء الإسلام‏,‏ كتاب يدعي فيه كاتبه شريف الشوباشي‏,‏ أنه يقدم بعض المقترحات في سبيل تطويراللغة العربية‏,‏ ولظهوره في هذا التوقيت دلالات بعيدة‏,‏ لا أظنها تخفي علي أحد ممن لهم دراية بمثل هذه الدعوات المشبوهة في تاريخنا الحديث‏.‏
والمطلع علي هذا الكتاب يدرك حداثة عهد كاتبه‏,‏ في مجال البحث اللغوي برغم محاولات الترقيع التاريخي الاستعراضي‏,‏ ومغالطات التسويغ انتصارا للفكرة‏,‏ فهو غير متخصص‏,‏ لكنه وقد أفاد من ردود الأفعال التي جابهت هذه الدعوة من قبل‏,‏ قد اتخذ من المبادرة بسد الطريق أسلوبا لدحض آراء المعارضين‏,‏ ومع هذا أجد ثمة أمورا يجب التنبيه عليها وهي‏:‏
أولا‏:‏ إن الدعوة إلي تغيير ملامح اللغة العربية‏,‏ تحت ستار الإصلاح ومسايرة العصر المقنعة بتطوير اللغة ليست جديدة علي الفكرالعربي الذي عاني‏-‏ ولايزال‏-‏ من دعوات ظاهرها الحكمة والعقلانية وباطنها العبث بمستقبل الأمة‏,‏ وأكاد أجزم بأن محتوي الكتاب فكرة وصياغة‏,‏ قد نقل نقلا عن كتب السابقين‏,‏ ممن تبنوا الدعوة نفسها مع إضافة تصوره عن كيفية التطوير ببعض الأمثلة التي كشفت عدم أهليته للخوض في مثل تلك الأمور‏.‏ وعلي رأسها كتاب الدكتور طه حسين‏'‏ مستقبل الثقافة في مصر‏'‏ وكتاب سلامة موسي‏'‏البلاغة العصرية واللغة العربية‏'‏ وديوان الدكتور لويس عوض‏'‏ بلوتلاند وقصائد أخري‏'‏ وآراء السير‏,‏ ولكوكس مهندس الري الإنجليزي الذي كان يعمل في مصر فترة احتلالها‏,‏ وكان في ذلك الوقت ينشر آراءه المناهضة للإسلام المؤيدة لفكره الغربي‏,‏ حيث ذكر أن العامل الأكبر‏,‏ في فقد قوة الاختراع عند المصريين هو استخدام اللغة العربية الفصحي‏,‏ ونصحهم باتخاذ العامية أداة للتعبير الأدبي‏,‏ لكي يلحقوا بركب الحضارة‏,‏ وحين انزوت دعوته وتراجعت إزاء الوعي القومي المتحفز لكل ما يخرج من عباءة المستعمر‏,‏ تم استقطاب بعض المثقفين العرب ممن انبهروا بالحضارة الغربية لكي يؤدوا الدور نفسه يقينا بأنهم سيكونون أكثر تأثيرا علي أبناء جلدتهم‏.‏
ثانيا‏:‏ لقد حاول الكاتب دفع مظنة الاتفاق مع بعض الآراء الداعية إلي هجر اللغة العربية بالكامل‏,‏ ونفي تقديمه مقترحات لإحلال لغة أخري بديلة‏,‏ وأكد في أكثر من موضع أنه بعيد عن ذهنه تماما‏,‏ الدعوة إلي تطوير جذري يقضي علي أسس اللغة العربية لأن مثل هذا التطوير كما يقول يقطعنا عن تراثنا وثقافتنا‏,‏ ومطلوبه التطوير الذي يحافظ علي الشكل والقواعد الأساسية التي وضعها السلف‏,‏ وكأنه لايدري أنه بهذه المقترحات‏(‏ القيمة‏)‏ التي قدمها ينسف قواعد النحو العربي نسفا‏,‏ بل ويزدريه بمقارنته بالإنجليزية‏,‏ وخلاصة مقترحاته التخلص من‏(‏ زحمة‏)‏ القواعد السخيفة التي لا طائل منها‏,‏ ولا يتأثر معني الكلام بحذفها فنلغي‏-‏ مثلا‏-‏ التشكيل اكتفاء بالترتيب الطبيعي للكلمة في الجملة فلا داعي للمفعول أو المثني أو نون النسوة وغيرها من التعقيدات المعوقة للتقدم التي تتحمل أوزار التخلف والانحطاط مقارنة بالحضارة الغربية‏,‏ وتطبيقا علي هذا يمكننا أن نقول‏:‏ رأيت رجل طويل يأكل خبز‏,‏ بدلا من‏:‏ رأيت رجلا طويلا يأكل خبزا‏.‏
ونقول‏:‏ النساء كلهم أكلوا‏,‏ بدلا من‏:‏ النساء كلهن أكلن‏,‏ ونقول‏:‏ تسع رجال وتسعة نساء‏,‏ بدلا من‏:‏ تسعة رجال وتسع نساء‏,‏ وكثيرا من القواعد‏(‏ السيبويهية‏)‏ فهل يمكن تسميتها بعد كل هذا باللغة العربية‏,‏ وكيف تتعامل الأجيال القادمة بهذه التوليفة المخترعة‏,‏ مع القرآن الكريم‏,‏ أم أن هذا الأمر أيضا لا فائدة ترجي منه ونحن نصبوا إلي اللحاق بالحضارات الأخري‏.‏ أقترح تسميتها بعد عوامل التعرية هذه بـ‏(‏ نيولوك اللغة العربية‏)‏ وهذا اسم يتسق مع الموضة السائدة أليس غرضنا مسايرة العصر‏.‏
ثالثا‏:‏ إن التخصص لا يشير إلي الدراية الواسعة والإحاطة علما بالشيء بقدر ما يشير إلي درجة الإحساس به وتذوقه‏,‏ نتيجة تقصي مفرداته ومعايشتها‏,‏ ومناط التميز هذا هو ما حمل الدكتور طه حسين علي صياغة مقترحاته بصدد تطوير اللغة أو التخفف من عبء القواعد النحوية والصرفية والبلاغية بلغة عربية رصينة‏,‏ وهي نفسها اللغة التي كان يأبي إلا التحدث بها وكأنه العاشق لكل حرف يجريه علي لسانه‏,‏ ولم نعهده إلا مهاجما شرسا لكل من كان يكتب أدبا بالعامية‏,‏ حتي أنه من شدة ارتباطه الوثيق باللغة وعشقه لها‏,‏ طغي جمال الأسلوب علي جانب العنصرالدرامي في بعض أعماله الروائية منها‏'‏ دعاء الكروان‏',‏ فقد كان مدفوعا إلي صياغة هذه الآراء التي حملها كتابه‏'‏ مستقبل الثقافة في مصر‏'‏ لكنه كان أكثر إحساسا باللغة من غيره‏,‏ أما سلامة موسي فقد قدم المقترحات نفسها‏,‏ وهو غير متخصص أيضا‏,‏ ولقد شهد الدكتور طه حسين بتحامله علي الأدب العربي وازدرائه له‏,‏ ومع هذا كان يفتي في الأدب‏,‏ ويسجل آراءه المسفهة له‏,‏ ودلت هذه الآراء علي أنه غير مستوعب له‏,‏ ولقد دعا لويس عوض إلي كسر رقبة البلاغة العربية وافتتح ديوان بلوتلاند وقصائد أخري‏,‏ بعبارة‏'‏ حطموا عمود الشعر‏'‏ ودعا إلي العدول عن استخدام العربية إلي العامية‏,‏ بحجة أنها لغة الشعب والمجتمع‏,‏ وكأنها الحرب الشرسة ضد اللغة العربية‏.‏
رابعا‏:‏ إن ظهور هذه الدعوة مرة أخري بعد فشلها الذريع علي يد أبناء العربية المخلصين في هذا التوقيت يدعونا إلي التوقف للتأمل والكشف عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الحملة علي اللغة العربية‏,‏ ودواعي مقارنتها باللغة الإنجليزية‏,‏ هل لهذا صلة بالتقرير الأمريكي حول الحالة الإسلامية الذي أعد لصالح وزارة الدفاع الأمريكي‏,‏ إن هذا التقرير يكشف عن نيات ذوي الفكر الحديث‏,‏ الذين يمهدون الطريق لفرض الهيمنة الأمريكية‏,‏ بعزل الإسلام عن الواقع الحياتي‏,‏ واستبداله بالعلمانية‏,‏ بحجة النهوض بمستقبل الأمة‏,‏ وهل نفهم من محاولة شريف الشوباشي‏,‏ وكيل وزارة الثقافة‏,‏ أن الخطة الأمريكية بالتدخل في شئون مصر الداخلية‏,‏ بما فيها مناهج التعليم التي قد وصلت بالفعل إلي الوزارة‏,‏ وجاري تمهيد الأجواء لاستيعابها‏,‏ خاصة أنه قد لمح إلي هذا في كتابه حيث قال‏:‏ لنقم نحن بثورة في اللغة العربية اليوم بدلا من أن يفرض علينا الأمرالواقع ونجد لغتنا في خطر داهم بعد بضعة أجيال قادمة‏,‏ وعلي حد تعبير ما جاء في تراثنا العربي‏,‏ فليتم ذلك‏'‏ بيدي لا بيد عمرو‏'‏ ص‏65‏ وقال كذلك‏:‏ إنني علي ثقة من أنه سيأتي اليوم الذي يضطر فيه العرب إلي تبسيط لغتهم حتي لا تواجه أزمة طاحنة تعرضها للخطر فلماذا لا نبدأ من الآن ص‏193‏ وأقول له‏:‏ إن ما اقترحته بشأن اللغة العربية‏,‏ يؤدي إلي تفجير العقل العربي وليس تفجير طاقات العقل العربي‏,‏ كما تقول‏,‏ ولم يكن أبناء هذا الوطن في يوم انهزاميين يسيرون بمبدأ بيدي لا بيد عمرو‏,‏ وأقول أيضا مقولة عبد الله النديم‏:‏ إننا نعلم علم اليقين أنه لو ظهر ألف داع بل مئات ألوف من دعاة أوروبا لاستعمال لغة تميت لغة القرآن ما وجدوا آذانا سامعة‏.‏
دكتورة ثناء قاسم
مدرس البلاغة والنقد الأدبي
كلية دار العلوم الفيوم