388‏السنة 123-العدد2004اغسطس28‏12 رجب 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
ماذا جري ويجري في فلسطين؟‏!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


لا أذكر قضية شغلت أذهان وعقول أجيال من العرب قدر القضية الفلسطينية‏,‏ ولا أظن أن السياسة العربية‏,‏ قد عرفت ما هو أهم منها‏,‏ ولم يمر يوم في المحافل الدولية حتي كان هناك قرار أو مشروع قرار معنا أو ضدنا يتعلق بالقضية المركزية‏,‏ وعندما جري التخلف في الأوساط العربية قيل إن ذلك بسبب القضية الفلسطينية‏,‏ وكانت القضية سببا في غياب الديموقراطية‏,‏ أو هكذا قيل وتردد‏,‏ وعندما كنا نجلس مع الإخوة السودانيين وهم يشكون من إهمال مصر لهم‏,‏ وكذلك النخبة السياسية والفكرية للأمور السودانية الحيوية‏,‏ كان الاعتذار الرقيق دوما هو أننا جميعا منشغلون بالقضية الفلسطينية‏,‏ ولا أظن أنني ومعظم أبناء جيلي كانت لنا علاقات وتفاعلات مع عرب آخرين بقدر ما كان مع الأشقاء الفلسطينيين‏,‏ ولا كان لنا خروج في مظاهرات وحتي الدخول في السجون إلا من أجل تحرير فلسطين‏.‏
ولا أعتقد أنه كانت هناك لحظة مؤثرة في التاريخ الحديث قدر تلك اللحظة التي أخذ فيها الرئيس مبارك الرئيس عرفات من يده عند معبر رفح لكي يسير إلي الجانب الآخر من الحدود إلي حيث توجد أرض فلسطين‏,‏ وليقيم فيها لأول مرة في التاريخ سلطة وطنية فلسطينية خالصة‏,‏ فحتي ذلك التاريخ من عام‏1994‏ كانت حركة التحرر الوطني الفلسطينية تختلف عن كل حركات التحرر الوطني الأخري في أنه لم تكن تعمل من علي أرضها‏,‏ صحيح أنها لها نفوذها في الشعب الفلسطيني داخل الأرض‏,‏ إلا أن طول المقام في المهجر‏,‏ أو في المنفي‏,‏ جعل حديث الفلسطينيين كثيرا عن أهل الداخل وأهل الخارج‏,‏ ونضال الفنادق‏,‏ ونضال الأرض‏.‏
وبعد عقد كامل من العبور إلي فلسطين تبدو الصورة الفلسطينية محزنة للغاية‏,‏ ومصدر الحزن هنا أن العدوانية الإسرائيلية‏,‏ والوحشية الصهيونية‏,‏ قد باتت لا تكف عن ممارسة عملياتها العسكرية بصورة يومية بينما لا يوجد تعاطف دولي‏,‏ ولا اهتمام عربي كبير‏,‏ اللهم إلا من عبارات شفقة أو تشجيع هنا وهناك‏,‏ ولكن مصدر الحزن الأعظم جاء من الفلسطينيين أنفسهم‏,‏ فلا يوجد فلسطيني واحد إلا ويتهم السلطة الوطنية الفلسطينية بالفساد‏,‏ والتلاعب بأقدار الشعب الفلسطيني‏,‏ وأتت هذه الاتهامات من فلسطينيين كانوا في السلطة‏,‏ ومن فلسطينيين لم يدخلوا السلطة أبدا‏,‏ وعندما علا صوت واحد منهم ـ نبيل عمرو ـ تمت محاولة اغتياله‏,‏ ومن قبل جرت نفس المحاولة مع حسن عصفور‏,‏ ومن وراء الجميع‏,‏ وداخل مباني المقاطعة المهدمة‏,‏ وقف أبوعمار يأمر في كل مرة بتشكيل لجان للتحقيق في العنف الذي جري تجاه وزرائه ورفاقه السابقين‏!‏
وللوهلة الأولي فإن حالة أبوعمار تبدو كما لو كانت تدعو إلي الشفقة‏,‏ فالرجل ليس محاصرا فقط‏,‏ بل إنه أيضا يعاني من المرض‏,‏ ويعاني من انهيار مشروعه النضالي كله‏,‏ وبعد أن وصل الرجل إلي أراضيه وجد نفسه ضيفا دائما علي البيت الأبيض في واشنطن وقصر الكرملين في موسكو وعشرة دواننج استريت في لندن وقصر الإليزيه في باريس‏,‏ ولكن كل ذلك تبخر‏,‏ وضاعت الأرض التي تحررت بما فيها غزة وأريحا وكلتاهما كانتا نقطة البداية في الدولة الفلسطينية الوليدة‏,‏ وأذكر عندما تم التوقيع علي اتفاق أسلو أنني قابلت واحدا من المحللين السياسيين الفلسطينيين الأفذاذ‏,‏ وعندما هنأته ببداية العودة إلي فلسطين‏,‏ قال إن هذه بداية كارثة أخري‏,‏ ولم يكن ذلك لأن أسلو كانت أقل بكثير من أحلامه والأحلام الفلسطينية‏,‏ وإنما لأن عرفات الثوري لا يستطيع ولا يعرف شيئا عن بناء الدولة بما فيها من عمليات تضم التعليم والصحة والمياه والمجاري‏,‏ وكل ما يهم الناس العاديين‏,‏ ساعتها ظننت أن الرجل متشائم بالطبيعة‏,‏ وربما كنت سيء الظن فيه لأنه ينتقد عرفات في اللحظة التي اقترب فيها من تحقيق الحلم الفلسطيني‏,‏ ولكن الرجل كان مصيبا وكان عرفات يعرف طرق الثورة‏,‏ ولكنه لم يعرف‏,‏ ولا كان يريد أن يعرف شيئا عن الدولة‏.‏
كل ذلك بتنا جميعا نعرفه منذ فترة‏,‏ والحقيقة أنه لم يعد لدينا الكثير لنقوله للدول والشعوب الصديقة‏,‏ ولم يعد لدينا تفسير لماذا يرفض عرفات توحيد الأجهزة الأمنية‏,‏ ولا تفسير لماذا احتاج وقتا طويلا حتي تكون لديه وزارة للمالية تعمل بكفاءة الدولة الحديثة‏,‏ وظل مصرا حتي تضاعفت عليه الضغوط الأوروبية والعالمية مصرا علي أن يكون لديه كل الدخل الفلسطيني ومعه مفاتيح الإذاعة والتليفزيون الفلسطيني‏,‏ وبشكل ما فإن عرفات قد وضعنا في نفس المكان الذي وضعنا فيه الكثير من العرب الثوار من قبل‏,‏ فبعد نضال طويل لأسباب متنوعة يصبح للبطل حصانة من نوع خاص‏,‏ وهي حصانة للأسف تأتي من الأعداء أو الخصوم‏,‏ لأنه طالما عبر الإسرائيليون والأمريكيون عن كراهيتهم لعرفات‏,‏ فإن الأخير يكون قد حصل علي صك البراءة من كل ذنب‏.‏
ولكن الأحوال المحزنة تظل علي حالها‏,‏ وخلال الشهرين الماضيين تزايدت حوادث عصيان السلطة الفلسطينية‏,‏ ومعها حوادث تشير إلي نوع من الانفجار الداخلي في منظمة فتح كبري المنظمات الفلسطينية وأكثرها استحواذا علي التأييد العام‏,‏ وبشكل تدريجي فإن الحركة الوطنية الفلسطينية‏,‏ مثلها مثل الحركة الوطنية اللبنانية‏,‏ وحاليا الحركة الوطنية العراقية‏,‏ كل هذه الحركات تحولت إلي مليشيات تخدم أهدافا محلية وعائلية ضيقة‏,‏ ويستطيع عرفات أن يعين من يريد في مناصب مختلفة‏,‏ ولكن الواقع يقول إن أصحاب المناصب لم يعد لديهم ما يتنصبون عليه‏,‏ وبالمقابل فإن رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع يستطيع أن يقول ما بدا له‏,‏ وحتي فإن عرفات سوف يعلن استعداده لتفويضه للعمل بحرية‏,‏ ولكن في الواقع العملي‏,‏ فإن عرفات لن يسمح له بالحركة خطوة واحدة من خلال نفوذه في كتائب الأقصي‏,‏ ونفوذه في مليشيات لا أحد يعلم من أين جاءت وإلي أين ستذهب‏.‏
ماجري لفلسطين والفلسطينيين حالة محزنة للغاية‏,‏ لا يمكن أبدا تفسيرها‏,‏ وفي يوم من الأيام سوف تتبحر كتب التاريخ في الموضوع‏,‏ ولاشك أن كثيرا من اللوم سوف يلقي علي إسرائيل التي احتلت وشردت واغتالت‏,‏ كما أن جزءا آخر من اللوم سوف يلقي علي عاتق عرفات وصحبه الذين لم ينجحوا في بناء كيان سياسي فاعل‏,‏ وعندما اقترب حلم التحرير من الحقيقة لم يكن الساسة علي قدر المسئولية‏,‏ ولكن اللوم الأكبر ربما سيكون من نصيب العرب الذين دقوا الدفوف للقضية‏,‏ وعزفوا الألحان للقضية‏,‏ وصفقوا طوال الوقت للقضية‏,‏ ولكن أحدا لم يكن لديه ما يقدمه علي سبيل وجود إدارة مالية ناجحة‏,‏ أو التعامل مع اقتصاد رشيد‏,‏ أو العمل في سياسة حصيفة‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا