 | |
نبيل عبد الفتاح الدورات الأوليمبية, والمسابقات الدولية, في كل اللعبات الرياضية هي استعراضات قوة للبلد المضيف, من حيث البنية الأساسية, من الملاعب والفنادق, وطرق المواصلات, ووسائلها, والأمن الناعم والصارم معا, وطبيعة النظام الأخلاقي السائد في المجتمع المضيف, من حيث التسامح, والحرية في التعامل مع جمهور قادم من جميع أنحاء الدنيا, حاملا معه تقاليد وقيما وثقافات متنوعة, وأساليب للتعبير عن الذات الفردية والجماعية, وهي معايير يبدو أن بعض المسئولين عن الرياضة المصرية تناسوها أثناء معركة الصفر الأعظم, الذائعة الصيت مصريا, ودوليا, لأنها كانت تعبيرا أمينا عن الأصفار العظمي التي حققتها مصر, سياسيا, واقتصاديا, وثقافيا, وتعليميا, وإعلاميا, وصحيا, ومروريا.. إلخ وذلك خلال كفاح صفوتها الحاكمة في ميادين إنتاج الفساد, والجهالة, وغياب القانون.. إلخ! المسابقات الدولية, والدورات الأوليمبية, هي تاريخ من براعة استخدام التكنولوجيا في الاستعراضات الفاتنة, والمدارس المختلفة, ومن أشهرها علي الإطلاق الروسية, والأمريكية. خذ مثلا الدوررة التي عقدت في أسبانيا, والجماليات الباذخة, وفي دورة سيدني, وأخيرا دورة أثينا.2004 عروض وتنافسات جميلة في أناقة الزي, في طابور عرض الدول, من فرنسا, إلي اختبارات زي اليابان حيث الأناقة صنو البساطة في الخطوط, والألوان, والقبعات. خذ الزي الرديء شكلا وألوانا وأداء الذي ارتدته المجموعة المصرية, من الذي اختاره؟ من هنا تبدأ الأمور, من تفصيلات صغيرة تعبر عن جرائم كبيرة, كلها تشكل تعبيرا عن طرائق التفكير السائدة في الوسط الرياضي المصري إذا كان التعبير الشائع يقرأ الكتاب من عنوانه, كان يمكن للمشاهد في طابور العرض, أن يلمح حتي ولو كان غير متابع للرياضة المصرية والعالمية أن يستنتج, أن مجموعة تبدو في طابور العرض رديئة الملبس والألوان, وتعكس ذوقا سوقيا لا يشير إلي شيء ما, أو رمز وطني, وإنما يميل إلي تدني الذوق العام في هذا الإطار لابد أن تكون الهزائم السريعة هي حليفة لهذه المجموعة, في الألعاب التي ستنافس فيها, والأحري القول إنها لن تنافس فيها, وإنما ذهبت إلي الهزيمة فيها! منذ عقود, والهزائم تتالي في الحقل الرياضي المصري, ويبدو وكأننا أدمنا الأفلام والسيناريوهات الهندية الطويلة, ولكننا أبدعنا فيلما مصريا طويلا وممتدا, وبلا انقطاع فيما يبدو نقولها ثانية ـ من الفشل والهزائم الرياضية. كل مرة, يبدأ الفيلم بادعاءات عن إمكانية تحقيقه إنجاز ما مشرف, ويبدأ الإنفاق, وتنتهي نظرية التمثيل المشرف بعدم تحققها إلا فيما ندر ثم اختراع هذه النظرية, للتغطية علي عدم تحقيق إنجاز ما, في أغلب اللعبات, خاصة كرة القدم وتسقط النظرية, وتتدفق مشاهد, لطم الخدود في الصحافة والإعلام, ومجلس الشعب, الذي استقال من أدواره ووظائفه ليتخصص في إبداع نظريات بعض أعضائه الرياضية, ويتحول الجميع إلي خبير رياضة, وخبير هوكي, وكأس عالم! إلخ! وتصدر تصريحات, وبيانات, ويأتي وزير الشباب, ويترافع بالباطل عن موقفه وعن الأداء المشرف, ويسند الفشل إلي الآخرين, وأسباب الصفر الأعظم إلي الاتحاد الدولي, وأعضاء اللجنة الدولية, ويسند إلي بعضهم تهم تقاضي رشاوي, إلي آخر الفيلم الذي بات محفوظا, وبلا مساءلة, يتم تجاهل الموضوع! نتعامل مع قضايا الرياضة بخفة وسطحية وعدم مسئولية, وكأن الحل يكمن كما يحدث كل مرة من خلال تغيير الاتحادات والمدربين أو الإداريين أو حتي وزير الصفر الأعظم, إلي وزير آخر لا علاقة له بالسياسة أو الرياضة, أو إطلاق بعض النظريات الصحيحة, حتي لو لم يتم تطبيقها, كالخلل في الرياضة المصرية, وضرورة البدء بالنشء.. إلخ. الحقل الرياضي المصري ـ الألعاب الفردية والجماعية, والتدريب, والإدارة, والبنية الرياضية الأساسية.. إلخ تحتاج إلي نظرة نقدية شاملة, تنطلق من ضرورة, إسناد ملف كل لعبة لخبير من ذوي الكفاءة والنزاهة لإعداد تقرير موثق بالمعلومات الدقيقة, والرصد, والتحليل, ومداخل للحلول طويلة الأجل, يقدم إلي جهة ما, هل هي الحكومة, البرلمان, الرأي العام, لأن هناك عشرات الجهات المعنية, ولكنها لامبالية أساسا بما يحدث من كوارث متمثلة في الأداء الرديء, والفشل الرياضي, والفساد داخل الحقل الرياضي المصري! إن إمعان النظر في ملفات الفشل الرياضي الكبير, خلال العقود الماضية تشير إلي بعض الأسباب العامة, وهناك أخري, تتعلق بكل لعبة من اللعبات الفردية, أو الجماعية, ولابد من رصدها وتحليلها من هذه الأسباب العامة ما يلي: 1ـ ضعف الرياضة في مراحل التعليم المختلفة, مع نقص التغذية الصحية لطلبة المدارس والجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة.2 ـ غياب الملاعب بالمدارس لصالح بناء الفصول.3 ـ تدهور البنية الأساسية الرياضية, ونقص الساحات والملاعب الرياضية في المدن والأرياف.4 ـ اختراق بعض رجال الأعمال, ورجال الدولة للحقل الرياضي, سواء الاتحادات الرياضية, أم رئاسة الأندية, ويعود ذلك لعدد من الاعتبارات, منها: أن بعض رجال الأعمال, والوزراء السابقين يريدون البقاء في صدارة الواجهة الإعلامية, والحياة العامة عبر الترشح لرئاسة الأندية. برزت الرياضة كمجال جديد للبيزنس والتربح للعاملين بها, حتي من غير المتخصصين.5 ـ ضعف المعرفة الجادة بالتغييرات في الحقل الرياضي العالمي, من حيث النظريات, والتطبيقات, والتكنولوجيا الرياضية في التدريب.. إلخ. 6ـ ضعف التكوين في كليات التربية الرياضية. 7ـ شيوع الوساطة في اختبارات القبول التي تجريها الأندية الرياضية في بعض اللعبات, مع بروز ظاهرة توريث بعض اللعبات! إلي الأبناء. 8ـ تركيز وسائل الإعلام علي مفهوم النجم الرياضي علي نحو سوقي, وربما تقديم موضوعي, وفني لأدائه وإنجازه, والاستعانة بهم في برامج عديدة. 9ـ ضعف النقد الرياضي, وبروز عدم الدقة والموضوعية في التقييم. 10ـ خضوع الإدارة الرياضية لتأثير الجمهور في اتخاذ القرارات الرياضية, في التدريب, وتشكيل الفرق, واختيارات اللاعبيين والمدربين, واستعانة بعض ذوي النفوذ في الأندية للجمهور ضد الخصوم! 11ـ الصراعات داخل مجالس إدارات الأندية, والاتحادات, وفق اعتبارات شخصية. 12ـ لجوء الأندية, وبعض أعضائها إلي القضاء المصري, لحسم نزاعات رياضية وإدارية, أو كوسيلة لعرقلة جهود خصومهم, وظهر أخيرا اتجاه جديد باللجوء إلي الاتحادات الدولية.13 ـ تحول انتخابات مجالس إدارات الأندية منذ الثمانينيات من القرن الماضي إلي مجال للمشاركة وللمنافسة بديلا عن المشاركة السياسية. ملف متخم بالأوراق حول أسباب الفشل الرياضي المصري الذريع, ولماذا ننفق كثيرا علي بعض الألعاب الرياضية الجماعية, ولا نحقق نجاحا ذا قيمة, أو محض نجاح ما, ولماذا يكون الفشل هو حليفنا الدائم في ألعاب عديدة. كنت أجلس علي مقهي في أحد شوارع وسط المدينة أشاهد الرباعة المصرية نهلة رمضان ورغم معرفة حدود ما يمكن أن تنجزه, إلا أن بعض الجالسين بالمقهي تعلقت للحظة آمالهم بها, طفل من الأطفال العاملين بالشوارع, ومعه شاب يقوم بتلميع بعض الأحذية, وكان إخفاقها صدمة لنا, أصاب الجالسين جميعا, والعابرين بالألم والأسي, والإحساس العميق الكاسح, بأننا أصبحنا خارج كل منافسة, خارج العالم.
|