388‏السنة 123-العدد2004اغسطس28‏12 رجب 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هامش
سر فشل السياسة الرياضية‏!‏

نبيل عبد الفتاح


الدورات الأوليمبية‏,‏ والمسابقات الدولية‏,‏ في كل اللعبات الرياضية هي استعراضات قوة للبلد المضيف‏,‏ من حيث البنية الأساسية‏,‏ من الملاعب والفنادق‏,‏ وطرق المواصلات‏,‏ ووسائلها‏,‏ والأمن الناعم والصارم معا‏,‏ وطبيعة النظام الأخلاقي السائد في المجتمع المضيف‏,‏ من حيث التسامح‏,‏ والحرية في التعامل مع جمهور قادم من جميع أنحاء الدنيا‏,‏ حاملا معه تقاليد وقيما وثقافات متنوعة‏,‏ وأساليب للتعبير عن الذات الفردية والجماعية‏,‏ وهي معايير يبدو أن بعض المسئولين عن الرياضة المصرية تناسوها أثناء معركة الصفر الأعظم‏,‏ الذائعة الصيت مصريا‏,‏ ودوليا‏,‏ لأنها كانت تعبيرا أمينا عن الأصفار العظمي التي حققتها مصر‏,‏ سياسيا‏,‏ واقتصاديا‏,‏ وثقافيا‏,‏ وتعليميا‏,‏ وإعلاميا‏,‏ وصحيا‏,‏ ومروريا‏..‏ إلخ وذلك خلال كفاح صفوتها الحاكمة في ميادين إنتاج الفساد‏,‏ والجهالة‏,‏ وغياب القانون‏..‏ إلخ‏!‏
المسابقات الدولية‏,‏ والدورات الأوليمبية‏,‏ هي تاريخ من براعة استخدام التكنولوجيا في الاستعراضات الفاتنة‏,‏ والمدارس المختلفة‏,‏ ومن أشهرها علي الإطلاق الروسية‏,‏ والأمريكية‏.‏ خذ مثلا الدوررة التي عقدت في أسبانيا‏,‏ والجماليات الباذخة‏,‏ وفي دورة سيدني‏,‏ وأخيرا دورة أثينا‏.2004‏ عروض وتنافسات جميلة في أناقة الزي‏,‏ في طابور عرض الدول‏,‏ من فرنسا‏,‏ إلي اختبارات زي اليابان حيث الأناقة صنو البساطة في الخطوط‏,‏ والألوان‏,‏ والقبعات‏.‏ خذ الزي الرديء شكلا وألوانا وأداء الذي ارتدته المجموعة المصرية‏,‏ من الذي اختاره؟
من هنا تبدأ الأمور‏,‏ من تفصيلات صغيرة تعبر عن جرائم كبيرة‏,‏ كلها تشكل تعبيرا عن طرائق التفكير السائدة في الوسط الرياضي المصري إذا كان التعبير الشائع يقرأ الكتاب من عنوانه‏,‏ كان يمكن للمشاهد في طابور العرض‏,‏ أن يلمح حتي ولو كان غير متابع للرياضة المصرية والعالمية أن يستنتج‏,‏ أن مجموعة تبدو في طابور العرض رديئة الملبس والألوان‏,‏ وتعكس ذوقا سوقيا لا يشير إلي شيء ما‏,‏ أو رمز وطني‏,‏ وإنما يميل إلي تدني الذوق العام في هذا الإطار لابد أن تكون الهزائم السريعة هي حليفة لهذه المجموعة‏,‏ في الألعاب التي ستنافس فيها‏,‏ والأحري القول إنها لن تنافس فيها‏,‏ وإنما ذهبت إلي الهزيمة فيها‏!‏ منذ عقود‏,‏ والهزائم تتالي في الحقل الرياضي المصري‏,‏ ويبدو وكأننا أدمنا الأفلام والسيناريوهات الهندية الطويلة‏,‏ ولكننا أبدعنا فيلما مصريا طويلا وممتدا‏,‏ وبلا انقطاع فيما يبدو نقولها ثانية ـ من الفشل والهزائم الرياضية‏.‏ كل مرة‏,‏ يبدأ الفيلم بادعاءات عن إمكانية تحقيقه إنجاز ما مشرف‏,‏ ويبدأ الإنفاق‏,‏ وتنتهي نظرية التمثيل المشرف بعدم تحققها إلا فيما ندر ثم اختراع هذه النظرية‏,‏ للتغطية علي عدم تحقيق إنجاز ما‏,‏ في أغلب اللعبات‏,‏ خاصة كرة القدم وتسقط النظرية‏,‏ وتتدفق مشاهد‏,‏ لطم الخدود في الصحافة والإعلام‏,‏ ومجلس الشعب‏,‏ الذي استقال من أدواره ووظائفه ليتخصص في إبداع نظريات بعض أعضائه الرياضية‏,‏ ويتحول الجميع إلي خبير رياضة‏,‏ وخبير هوكي‏,‏ وكأس عالم‏!‏ إلخ‏!‏ وتصدر تصريحات‏,‏ وبيانات‏,‏ ويأتي وزير الشباب‏,‏ ويترافع بالباطل عن موقفه وعن الأداء المشرف‏,‏ ويسند الفشل إلي الآخرين‏,‏ وأسباب الصفر الأعظم إلي الاتحاد الدولي‏,‏ وأعضاء اللجنة الدولية‏,‏ ويسند إلي بعضهم تهم تقاضي رشاوي‏,‏ إلي آخر الفيلم الذي بات محفوظا‏,‏ وبلا مساءلة‏,‏ يتم تجاهل الموضوع‏!‏ نتعامل مع قضايا الرياضة بخفة وسطحية وعدم مسئولية‏,‏ وكأن الحل يكمن كما يحدث كل مرة من خلال تغيير الاتحادات والمدربين أو الإداريين أو حتي وزير الصفر الأعظم‏,‏ إلي وزير آخر لا علاقة له بالسياسة أو الرياضة‏,‏ أو إطلاق بعض النظريات الصحيحة‏,‏ حتي لو لم يتم تطبيقها‏,‏ كالخلل في الرياضة المصرية‏,‏ وضرورة البدء بالنشء‏..‏ إلخ‏.‏
الحقل الرياضي المصري ـ الألعاب الفردية والجماعية‏,‏ والتدريب‏,‏ والإدارة‏,‏ والبنية الرياضية الأساسية‏..‏ إلخ تحتاج إلي نظرة نقدية شاملة‏,‏ تنطلق من ضرورة‏,‏ إسناد ملف كل لعبة لخبير من ذوي الكفاءة والنزاهة لإعداد تقرير موثق بالمعلومات الدقيقة‏,‏ والرصد‏,‏ والتحليل‏,‏ ومداخل للحلول طويلة الأجل‏,‏ يقدم إلي جهة ما‏,‏ هل هي الحكومة‏,‏ البرلمان‏,‏ الرأي العام‏,‏ لأن هناك عشرات الجهات المعنية‏,‏ ولكنها لامبالية أساسا بما يحدث من كوارث متمثلة في الأداء الرديء‏,‏ والفشل الرياضي‏,‏ والفساد داخل الحقل الرياضي المصري‏!‏
إن إمعان النظر في ملفات الفشل الرياضي الكبير‏,‏ خلال العقود الماضية تشير إلي بعض الأسباب العامة‏,‏ وهناك أخري‏,‏ تتعلق بكل لعبة من اللعبات الفردية‏,‏ أو الجماعية‏,‏ ولابد من رصدها وتحليلها من هذه الأسباب العامة ما يلي‏:‏
‏1‏ـ ضعف الرياضة في مراحل التعليم المختلفة‏,‏ مع نقص التغذية الصحية لطلبة المدارس والجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة‏.2‏ ـ غياب الملاعب بالمدارس لصالح بناء الفصول‏.3‏ ـ تدهور البنية الأساسية الرياضية‏,‏ ونقص الساحات والملاعب الرياضية في المدن والأرياف‏.4‏ ـ اختراق بعض رجال الأعمال‏,‏ ورجال الدولة للحقل الرياضي‏,‏ سواء الاتحادات الرياضية‏,‏ أم رئاسة الأندية‏,‏ ويعود ذلك لعدد من الاعتبارات‏,‏ منها‏:‏ أن بعض رجال الأعمال‏,‏ والوزراء السابقين يريدون البقاء في صدارة الواجهة الإعلامية‏,‏ والحياة العامة عبر الترشح لرئاسة الأندية‏.‏
برزت الرياضة كمجال جديد للبيزنس والتربح للعاملين بها‏,‏ حتي من غير المتخصصين‏.5‏ ـ ضعف المعرفة الجادة بالتغييرات في الحقل الرياضي العالمي‏,‏ من حيث النظريات‏,‏ والتطبيقات‏,‏ والتكنولوجيا الرياضية في التدريب‏..‏ إلخ‏.‏
‏6‏ـ ضعف التكوين في كليات التربية الرياضية‏.‏
‏7‏ـ شيوع الوساطة في اختبارات القبول التي تجريها الأندية الرياضية في بعض اللعبات‏,‏ مع بروز ظاهرة توريث بعض اللعبات‏!‏ إلي الأبناء‏.‏
‏8‏ـ تركيز وسائل الإعلام علي مفهوم النجم الرياضي علي نحو سوقي‏,‏ وربما تقديم موضوعي‏,‏ وفني لأدائه وإنجازه‏,‏ والاستعانة بهم في برامج عديدة‏.‏
‏9‏ـ ضعف النقد الرياضي‏,‏ وبروز عدم الدقة والموضوعية في التقييم‏.‏
‏10‏ـ خضوع الإدارة الرياضية لتأثير الجمهور في اتخاذ القرارات الرياضية‏,‏ في التدريب‏,‏ وتشكيل الفرق‏,‏ واختيارات اللاعبيين والمدربين‏,‏ واستعانة بعض ذوي النفوذ في الأندية للجمهور ضد الخصوم‏!‏
‏11‏ـ الصراعات داخل مجالس إدارات الأندية‏,‏ والاتحادات‏,‏ وفق اعتبارات شخصية‏.‏
‏12‏ـ لجوء الأندية‏,‏ وبعض أعضائها إلي القضاء المصري‏,‏ لحسم نزاعات رياضية وإدارية‏,‏ أو كوسيلة لعرقلة جهود خصومهم‏,‏ وظهر أخيرا اتجاه جديد باللجوء إلي الاتحادات الدولية‏.13‏ ـ تحول انتخابات مجالس إدارات الأندية منذ الثمانينيات من القرن الماضي إلي مجال للمشاركة وللمنافسة بديلا عن المشاركة السياسية‏.‏
ملف متخم بالأوراق حول أسباب الفشل الرياضي المصري الذريع‏,‏ ولماذا ننفق كثيرا علي بعض الألعاب الرياضية الجماعية‏,‏ ولا نحقق نجاحا ذا قيمة‏,‏ أو محض نجاح ما‏,‏ ولماذا يكون الفشل هو حليفنا الدائم في ألعاب عديدة‏.‏ كنت أجلس علي مقهي في أحد شوارع وسط المدينة أشاهد الرباعة المصرية نهلة رمضان ورغم معرفة حدود ما يمكن أن تنجزه‏,‏ إلا أن بعض الجالسين بالمقهي تعلقت للحظة آمالهم بها‏,‏ طفل من الأطفال العاملين بالشوارع‏,‏ ومعه شاب يقوم بتلميع بعض الأحذية‏,‏ وكان إخفاقها صدمة لنا‏,‏ أصاب الجالسين جميعا‏,‏ والعابرين بالألم والأسي‏,‏ والإحساس العميق الكاسح‏,‏ بأننا أصبحنا خارج كل منافسة‏,‏ خارج العالم‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا