
|
نافذة الحرية علي طريقة مايكل مور |
 | |
محمد حبوشة الناس سواسية في الذل كأسنان المشط جملة شعرية قالها الشاعر المصري الراحل أمل دنقل في إحدي قصائده التي تجسد معاناة وآلام شرائح عديدة من أبناء الشعب العربي, وهي إشارة واضحة إلي أنه عندما يتلازم الظلم والقهر معا لابد أن يؤديا إلي حافة الهاوية. ومثلما أدرك دنقل حجم المعاناة في الشرق العربي, أدرك مايكل مور في الغرب الأمريكي تلك الحقيقة المرة أيضا ليجسدها لنا في فيلم بمثابة أنشودة حروفها وأوتارها الألم والدماء والدموع التي يسكبها يوميا ذلك المواطن الأمريكي الفقير. فيلم(11 سبتمبر ـ فهرنهيت) يأتي في صورة مرتبكة عبر مجموعة من الجمل والعبارات التي تشبه مانشيتات الجرائد اليومية التي تركز علي تفاصيل الأحداث, فيما المعاناة تغلف كل التفاصيل ولا يراها أولئك الطغاة الذين يحكمون أمريكا بمنطق النفط والبيزنس. من أجل الحصول علي الطاقة وتحريك أرصدة بوش ـ رامسفيلد ـ ديك تشيني ـ وولف ويتز ـ وأشكروفت وكولن باول, وجنوح كونداليزا رايس المتطرفة إلي حد القتل بدماء باردة تبدو لنا لعبة الحرية والديمقراطية.. مسرحية هزلية ألفها قادة أمريكا الذين جاءوا وعلي رأسهم بوش بأسلوب تزوير الانتخابات دون إقناع حقيقي, وبالتالي يصعب علي أي أمريكي الآن فهم الأهداف النبيلة التي يرمون إليها في مناطق العالم الساخنة. ربما اعتمد مايكل مور أسلوبا في المونتاج يقوم علي التركيب العشوائي للمشاهد والصور التي جاءت من مصادر متعددة, ليؤكد علي فكرة أن الضمير الغائب هو الذي يحكم عالم اليوم وبالتالي لابد أن تكون تصرفات هؤلاء الناس متسقة إلي حد كبير مع الوحشية التي يديرون بها معاركهم مع كافة شعوب الأرض. منذ وقوع أحداث11 سبتمبر2001 ظلت الإدارة الأمريكية الحالية تعزف علي أوتار مقطوعة اسمها مكافحة الإرهاب ونشر الحرية والديمقراطية في العالم, وهم في الوقت ذاته ليست لديهم أدلة قاطعة بأن ذلك العدوان الذي حدث في هذا اليوم هو من تدبير القاعدة وبن لادن, أم أن هناك أيدي قد تورطت, مثلما تورط كثيرون في تنصيب بوش رئيسا مزيفا. الحزن والأسي والألم هي القواسم المشتركة في كل مشاهد مايكل مور الذي لمس وترا مهما عندما جسد معاناة أم أمريكية فقدت ابنها الشاب الذي كان يشعر وهو في طريقه إلي العراق بأن كابوسا مفزعا يجثم علي أنفاسه, وأن هناك شعورا خفيا وراء تثاقل خطاه نحو مصيره المجهول, لكن الكارثة وقعت, وضاعت أحلام هذا الشاب الأمريكي الذي كان فخورا بالعلم الأمريكي المرفوع علي قمة بيته ومازال يرفرف كشاهد وحيد علي أن الفقراء والبسطاء حتي من الأمريكيين هم الذين يدفعون الثمن, هم ملح هذه الأرض سواء كانوا في أكبر دولة في العالم أم في قرية صغيرة أم كوخ في العراء في أحراش هذا العالم. ربما كانت هناك مشاهد كثيرة في ثنايا الفيلم تبعث علي الصدمة والرعب لكن العبارة تنطبق تماما كما اسمتها القيادة الأمريكية كعنوان لحرب الحرية في العراق وهي في النهاية تجسد الواقع الحي والمرير الذي مازالت تنزف دماؤه في النجف وبغداد والفالوجا والرمادي وكربلاء والبصرة وغيرها من المدن العراقية التي اشتاقت إلي الحرية, لكن ليس علي الطريقة الأمريكية الخالصة. لم ينس مور عبر التفاصيل الدقيقة والموسيقي التي تتناقض تماما مع الأحداث أن يرصد الآثار النفسية التي أصابت جيش الحرية في العراق, وبالتالي لا ينسي المشاهد ذلك الجندي الشاب الذي جاء شاحب الوجه, وترتسم علي جبهته علامات الحزن ليقول: أشعر بأن جزءا من روحي قد تدمر, لأنني أجبرت علي تدمير أرواح أناس آخرين في العراق, لا ذنب لهم ولا جريرة سوي أنهم يرقدون علي الثروة التي يتطلع إليها فئة من أبناء الشعب الأمريكي. لست أدري لماذا يتشدق كثيرون من محللي السياسة في العالم العربي, ويصوغون المبررات لهؤلاء القتلة والطغاة الذين يحاولون فقط تجميل لغة خطابهم أمام الجماهير, بينما أفعالهم تتسم بالحقد والكراهية لكل ما هو إسلامي وعربي. علي أية حال ربما لا يشعر المشاهد العربي ببعض المتعة الروحية للخيال السينمائي في فيلم مور, بقدر الشعور بالضيق والاختناق من أولئك الذين يتحكمون في مصائرنا معتمدين علي دوي طلقات الرصاص والطائرات والقاذفات التي تزلزل أرض العراق الواسعة تحت شعار البحث عن الحرية, لكنه في النهاية درس عملي خالص بأن الناس هنا وهناك سواسية في الظلم كما قال أمل دنقل ذات يوم, وهو ما جسدته كاميرا مايكل مور في صورة قصاصات الحرية المفقودة, بلغة سينمائية ظاهرها الرفض والاستنكار وباطنها الحزن والأسي.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|