388‏السنة 123-العدد2004اغسطس28‏12 رجب 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الخسائر بالمليارات والمستقبل غامض

أزمات المدن العربية الكبــري تلتهم جهود الإصلاح

‏ تقرير ـ أحمد عبد الحكم


الإدارة هي مكون جوهري في الاقتصاد وعلم الإدارة تشعبت فنونه وأساليبه وأفرعه‏.‏ وبات المدير الناجح والمؤهل هو فرس الرهان لإنجاح المنشآت الكبري وأصبح سلعة نادرة تتلقفها الشركات العابرة للحدود والتي تسيطر حاليا علي ما يزيد علي نصف حركة التجارة والصناعة علي مستوي العالم ولما كانت إدارة الشركات تعني فن استخدام الأموال والأصول فإن المدن الكبري نفسها دخلت حلبة المنافسة ولم يعد تسيير أمورها قاصرا علي موظفين محليين لا يجيدون سوي تحريك دولاب العمل وبنظرة قاصرة المدي بل تعدي الأمر ذلك إلي مفاهيم جديدة تربط القرار بالوقت بالتكلفة لتتحول العملية برمتها إلي أرقام في النهاية سواء في خانة الأرباح أم الخسائر‏.‏
وقد عقدت في القاهرة أخيرا واحدة من أهم الندوات التي ناقشت تلك الأبعاد والتي نظمتها المنظمة العربية للتنمية الإدارية والتي قال مديرها العام د‏.‏ محمد بن إبراهيم التويجري إن المدن الكبري تلعب اليوم دورا محوريا متزايدا في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة باعتبارها مناطق جاذبة للسكان وتتركز فيها معظم المفاصل الاقتصادية للدولة‏.‏ لكن نتيجة للتطور الديمجرافي غير المدروس في كثير من المدن الكبري العربية واستمرار الهجرة من الريف إلي المدن وزيادة الضغط علي الخدمات المحلية باتت تعاني من إشكالات مزمنة يجب التصدي لها من خلال سياسات عقلانية واضحة وتبني نماذج وأنماط إدارية معاصرة لإدارة تلك المدن بروح العصر الذي نعيش فيه‏.‏
وعن واقع البني التنظيمية للمدن الكبري في الدول العربية أشار د‏.‏ سمير عبد الوهاب الأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة إلي أن المدن الكبري باتت تمثل مراكز التجمع البشري والنشاط الاقتصادي والتفاعل الاجتماعي والتطور العلمي والثقافي والتقني وقد تطورت الخدمات في المدن وتنوعت كما وكيفا وشهدت السنوات الماضية تطورات أكثر أهمية كانت لها انعكاساتها علي المنظمات الإدارية بطريقين مباشر وغير مباشر وأبرزها الاتجاه نحو تقليص أدوار الدولة في الإنتاج والإدارة المباشرة لمؤسسات الإنتاج ومنح القطاع الخاص دورا أكبر في التنمية بتفعيل آليات السوق والمنافسة كما ظهرت علي السطح أطروحات جديدة للاستفادة من إدارة الأعمال وفي مجال الإدارة الحكومية والتي تتلخص في تبسيط العمليات إلي الحد الذي يجعلها ذات كفاءة وأكثر جذبا لانتباه المستهلك ودمج الكثير من العمليات والوظائف في عملية واحدة أو وظيفة واحدة‏..‏ ومسئول واحد ومركز واحد وتكوين فرق عمل بأكثر من إدارة لتنفيذ العملية الواحدة وذلك بمفهوم اللامركزية لتحقيق المرونة ومواكبة المتغيرات والعمل بمنطلق ومعايير السوق‏.‏
وبتطبيق تلك النظريات علي مدينة القاهرة فإنها تعاني من مشاكل تنظيمية هائلة وأبرزها الخلل في العلاقات بين المحافظ والوزراء وفروع الوزارات وعدم وضوح أدوار واختصاصات كل منهما ولعل هذه التعقيدات تفرض عددا من الحلول أبرزها ضرورة الإصلاح الإداري العاجل لهذه المدن‏.‏ فلا يعقل أن تتكون مدينة القاهرة من‏30‏ حيا مما يشكل عبئا ثقيلا علي المحافظ وتضخما في تشكيل المجلس الشعبي المحلي ولذلك يمكن تقسيم القاهرة لمحافظتين الأولي حلوان والثانية القاهرة بحيث يؤدي ذلك إلي انخفاض حجم الإشراف وإمكانية السيطرة علي المشاكل وأن يكون التمثيل في المجالس الشعبية المحلية علي أساس عدد السكان‏.‏ إضافة لضرورة معالجة الخلل في علاقات المحافظ بالوزارات وفروعها في المحافظات‏.‏
القاهرة
ويمكن ذلك بأن يكون للمحافظ سلطات فعلية علي المديريات واختيار وكلاء الوزارات وأن يتم التوسع في تفويض المحافظين في بعض سلطات واختصاصات الوزراء وهناك ضرورة أيضا لتحقيق التوازن في العلاقات بين المجالس الشعبية المحلية والمجالس التنفيذية وذلك بتفعيل الدور الرقابي للمجالس الشعبية علي الجهات التنفيذية بمنحها حق الاستجواب لكبار التنفيذين وعلي رأسهم المحافظ نفسه وحول قضية أخري هي مصدر مشاكل المدن وهي الهجرة من الريف للمدن الكبري طرح الدكتور محمد نصر مهنا الأستاذ بتجارة المنصورة رؤية شاملة حول علاج تلك القضية مشيرا إلي أن الهجرة تكون لأسباب ثلاثة أما الضرورة أو الإكراه أو الحاجة الاقتصادية ولعل دراسة حال المدن العربية يفصح عن جانب من تلك القضية ولعل أبرزها الهجرة من الخلل في تقسيم الأراضي الزراعية بين المالكين والذي يشكل عقبة أمام إنتاجية الأرض ففي المغرب يوجد نحو‏35%‏ من العائلات التي تعيش في الأرياف لا تملك أراض و‏50%‏ من الملاك يملكون أقل من هكتارين أما في الأردن فحوالي‏40%‏ من المالكين يمتلكون حيازات تقل عن عشرة دونمات و‏15%‏ تتراوح حيازاتهم بين‏100‏ دونم إلي‏10‏ ألاف دونم فما فوق‏.‏
أما السعودية فالزراعة تعتمد علي الواحات والمياه الجوفية وأقل من‏02%‏ من مساحة المملكة مزروعة فعلا‏.‏ والأراضي مقسمة لحيازات صغيرة وتقوم الحكومة بالمشروعات الزراعية الكبري‏.‏
أما في لبنان فقد أدت عملية تغيير نظام العمل الزراعي التقليدي إلي نوع من العمل التجاري الذي تتولي الإشراف عليه وتنظميه شركات من الأفراد والزراعيين أدت إلي تحول المزارعين من ملاك إلي مشاركين في الإنتاج‏.‏
لذلك وضعت العائد المادي في الريف الذي يمر بمرحلة ديمجرافية فيه انتقالية والتركيز علي مشروعات التنمية والإصلاح في المدن دون القري أدت إلي تفاقم ظاهرة الهجرة ولعل هذه الأوضاع تفرض علي الحكومات العربية حاليا اتخاذ عدد من السياسات والتدابير العاجلة أبرزها الأخذ بأساليب التخطيط القومي علي المستوي الشامل وتحقيق التوازن الإقليمي في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعادة النظر في الهياكل الاقتصادية وإعادة النظر في مسألة التوازن السكاني وبين الزيادة السكانية والموارد الغذائية والخدمات التعليمية والصحية والإسكان والمواصلات المرافق العامة والتوسع في إقامة مشروعات عمرانية اقتصادية في الريف وإعادة النظر في أوضاع القرية المصرية والعربية عموما بحيث يكون الدور الأكبر لمنظمات المجتمع المدني للمساهمة في تقديم المزيد من الخدمات لسكان الريف واقتحام نماذج غير تقليدية في التصنيع وخاصة التصنيع الزراعي وإعطائه أولوية اقتصادية بحيث تحقق اللامركزية الإدارية وتطوير الإسكان الريفي وتوجيه الاهتمام نحو المدن الصغيرة والمتوسطة لتخفيف الضغط عن المدن الكبري‏.‏
الرياض
وحول قضية المدن العربية والبيئة قدمت الدكتورة سامية جلال رئيس قسم الصحافة البيئية في المعهد العالي للصحة العامة دراسة استعرضت فيها المشاكل العامة للبيئة في المدن العربية وخلصت إلي ضرورة احترام تخطيط المدن المدمج به البعد البيئي والتأكيد علي أهمية دراسات التقييم البيئي الإستراتيجي لكل الأنشطة والاهتمام بتنمية المناطق الريفية والرعوية صناعيا وسياحيا وتجاريا واجتماعيا للحد من الزحف السكاني للمناطق الحضرية وتبني الإدارة البيئة المتكاملة للمخلفات الصلبة بجميع أنواعها لخلق موارد اقتصادية للفئات الفقيرة والمحرومة من المجتمعات المدنية من خلال صناعات نظيفة والتأكيد علي أن المشاركات المجتمعية في التخطيط المدني المتكامل بيئيا من الأساسيات الواجب الاهتمام بها لضمان تحقيق المشروعات والبرامج التنموية للهدف المخطط لها‏.‏
وإزاء التحديات التي تواجه رؤساء البلديات وأدوارهم أكد الدكتور عبد الله عبد الكريم سالم الأستاذ في كلية الاقتصاد والإدارة جامعة الملك عبد العزيز في السعودية علي دور رئيس البلدية باعتباره المرجع الأول لأمورها والمسئول عن تمثيلها أمام غيرها في كل التصرفات والإشراف علي موظفيها وعلي اعتبار أن هذه المهمة صعبة لأنها تتضمن تنظيم وتنسيق المدينة والمحافظة علي مظهرها وجمالها والصحة العامة وإنشاء الأسواق ومراقبة الصناعات والمواد الغذائية ومنح التراخيص وحماية الأراضي والمصالح ولذا فإن رؤساء المدن يواجهون تحديات صعبة أبرزها تطور الهياكل التنظيمية وتحسين طرق العمل واستخدام التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال السريع وتطوير وتأهيل الكوادر البشرية وفتح قنوات المشاركة الشعبية إضافة إلي ضعف الموارد المالية المتاحة وضعف استثمار بعض الموارد المتاحة للبلديات وزيادة مساحة التعامل مع القطاع الخاص إضافة إلي ضعف التنسيق بين الإدارات الحكومية ذات العلاقة بخدمات البلديات وضعف إجراء الأبحاث والدراسات الجادة ذات الصلة بالبلديات‏.‏
وعن واحدة من أدق وأخطر القضايا والتي تتعلق بإدارة الخدمات المحلية في المدن الكبري طرح الدكتور السيد عبد المطلب غانم في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة إلي قضية إدارة الخدمات المحلية في المدن الكبري أشار فيها إلي أن الوطن العربي يشهد حالة انفجار حضري فيتمثل في توسع في المدن القائمة أو ظهور مدن جديدة أو تحول تجمعات غير حضرية إلي حضرية ولم يتبع هذا النمو الحضري نمطا واحدة فهناك فروق جوهرية بين أقطار الخليج العربي وبلدان المغرب العربي ومصر والسودان مما أدي إلي مرحلة النمو غير المتوازن‏.‏
ولعل أبرز المشاكل المتركزة في المدن الكبري العربية البطالة والتلوث والقمامة والفقر الحضري وعدم كفاية الإسكان وعدم كفاءة وكفاية المياه والصرف الصحي ونقص وسائل النقل العام وازدحام الدور وفقر الخدمات الصحية وتقاعس منظمات المجتمع المدني ونقص خدمات التعليم وتلوث الهواء وتزايد ظواهر العنف والحرية والأمن الشخصي‏.‏
تبقي مشكلة مهمة في ملف المدن الكبري وهي النقل والتي عالجها الدكتور سعد الدين العشماوي أستاذ النقل في جامعة الأزهر وخلص فيها إلي أن نمو حجم المدينة تفرضه متطلبات التقدم الاقتصادي والاجتماعي وما كان هذا ليتحقق لولا التطور العلمي والتكنولوجي المتتابع في وسائل النقل المتاحة سواء من ناحية رفع مستوي الخدمة أم حصص التكلفة كما أدت زيادة حجم المدينة وامتدادها لكي تصبح تجمعا سكانيا ضخما إلي تعقد مشاكل النقل والمرور مما يهدد بفقد النقل لفاعليته ومن ثم وظيفته ولكن باتباع الأساليب العلمية التنظيمية السليمة يمكن حل مشاكل النقل والمرور داخل المدن ومن ثم تمكين المشروعات الاقتصادية والخدمية والأفراد من التوطن في المكان المناسب وبالإمكانات المتاحة‏.‏
وخلاصة القول إن في المدن نماذج للمتناقضات تتركز الثروة والفقر الاندماج الثقافي والاجتماعي والتشرذم والتهميش حتي العزلة فالمدن آكلة القري وهي أيضا مراكز لإشعاعها هي حقل خصب للابتكار السياسي والاجتماعي هي مواطن السياسة والاقتصاد محليا وإقليميا ودوليا‏.‏
ليست المشكلة كيف تدار المدن‏.‏ بل كيف تحكم وتدار خدماتها من منظور إستراتيجي طويل المدي يستجيب لحاجات السكان ولحاجات التجديد الحضري والتنمية المستدامة وكيف تخلق توليفة لتوفير وتوصيل الخدمات التي تحقق كل تلك الأهداف وتضمن المحاسبة والشفافية والكفاءة والفاعلية‏..‏ ستبقي تلك مشاكل المدن العربية ما بقي العرب‏.*‏