 | |
عذاب الركابي العدل لا تغيب شمسه أبدا, والحق له كرسيه الوثير, الذي لا يعرف الصدأ مكانه حتي لو حوصر بعواصف الإهمال, وحب الحرية هو الوحيد الذي لا يلوثه هواء النفاق, وحليب الأرض لا يفسد أبدا, والإنسان المظلوم قد يبدو هادئا, لكنه الهدوء الجميل الذي يسبق العاصفة, بل هو العاصفة نفسها!! كل هذا خطر في بالي وأنا أمر بمصر سريعا وأتوضأ بهوائها العربي, وعبقها التاريخي, وحكايات هذه العاشقة الجميلة التي يظل وجهها يصدر النور أبدا. كل هذا الهاجس العسير لي وأنا أتلقي أخبار القتال غير المتكافئ في بغداد والفلوجة, المدينة الصغيرة التي تقزم ناطحات السحاب في واشنطن, وهي تفتح صدرها بشجاعة أسطورية لنيران الغدر, لأنها تريد حريتها, وتشكيل حياتها حسب ما تريد هي, وما يريد إنسانها, لا كما يريد المستعمرون الجدد, لكن هذه الرغبة غير مقبولة, وغير مشروعة كما تري سلطات الاحتلال, فكانت رؤيتها الخانقة الكاريكاتيرية الفاضحة أن تؤدب هذه القرية بالمتطور من أسلحتها وتقنيتها الحربية حتي ولو كان الأطفال الأبرياء والشيوخ والنساء هم الثمن لهذا الغباء السياسي والحربي الذي فاق كل التصورات!! وما الضحايا الذين سقطوا في الفلوجة أمس واليوم وسيسقطون غدا وبعد غد إلا تمرينا فاشلا لهذه القوة, ورسالة سيئة الحروف, مهترئة الورق, هزيلة الإيقاع لمن يري ويسمع ويفكر. هذه المدينة الصغيرة صامدة, وأهلها العزل يقاومون بالقلب وأضلاع الصدر, والجسد المنهك والعقيدة الثابتة, إنهم يريدون الحرية ورغيف الخبز, والهواء, والصلاة وهي أبسط متطلبات الحياة, ويراها المحتلون كثيرة, وهذه المدينة مارقة ولابد أن تكون عبرة لمن يعتبر, وهيهات!! أي سياسة كاريكاتيرية هذه!!؟؟ أمريكا بطائراتها, وصواريخها, ومرتزقتها, وجنونها, وضعف إستراتيجيتها الحربية, أثبتت للعالم أجمع ـ للذين معنا والذين ضدنا ـ أنها دولة احتلال بإصرار غبي, وأنها ضعيفة فكريا وثقافيا, وهزيلة حربيا, ومفلسة دوليا, فالصواريخ والطائرات التي تملأ سماء بغداد والفلوجة والمدن العراقية الصامدة تشعرك بأن رحي حرب عالمية تدور, وإذا ما عرفت أسباب هذا الاستعراض الفاشل, وهذا الكم من الضحايا تجد أن القوات الأمريكية تبحث في الفلوجة عن خمسة أفراد فقط, ومن أجل الفوز برؤوس هؤلاء الخمسة( الأكثر إجراما ووحشية من العزيز شارون), ليس مهما أن تمتليء المدينة بالدماء, ويموت الآلاف, وتهدم وتحرق البيوت, وتحكم الظلم, وتصير المدن الآمنة دخانا, وترابا, وجثثا, ووحشة, هذه هي أمريكا الجديدة, وتلك هي الطريقة المجدية لكي يحكم الخوف, وتعرض القوة مفاتنها, وهكذا يجب أن تتحرر الشعوب التي اضطهدتها أنظمتها الفاشية زمنا طويلا, وهكذا يجب أن ترسخ مباديء العدل, والحرية, والديمقراطية, وفق هذه المعايير الخاطئة, وهذه العنجهية الفارغة, والتي لن يقابلها العالم ـ من الآن ـ بصمت أبدا, أو بهدوء وخضوع كما تظن أمريكا, وها هي تحصد ما جنت يداها الملوثتان, فهي تضع إمبراطوريتها الكارتونية في وحل وأسفلت التاريخ, وتجني نقمة وكراهية العالم, وأبناؤها يدفعون فاتورة إستراتيجيتها الاستعمارية الممغنطة بوصايا التوراة ومطالب إسرائيل, وعسل أطماعها المر. ومن هذه اللحظة لن يكون هناك صمت, أنا متأكد من ذلك, وقلبي المتعلق والمجنون بكل ما هو عربي ينبض بذلك, ويقول أكثر منه, ولم تعد المسألة مسألة حكام أو حكومات لأن المتضرر الأعظم هو الشعوب, ونحن نحب الحرية, نسابق الشمس, ولنا أطفال, ومواسم نبت ومطر, وصباحات, ومدن, ومدارس, وصلاة, ودور عبادة, وأحلام, ينبغي ألا تكون أشياؤنا المقدسة علفا لخيل هؤلاء الغزاة والمحتلين الجدد, والله تعالي قد منحنا العقل والقدرة علي التفكير, وأجسادا من الصخر, وشرع لنا القتال( وهو كره), لكن ليس أمام هذه الشعوب حل آخر, وأمريكا بأخطائها العصية تخلق فيتناما أخري, ربما تبدأ من الفلوجة أو من أي مدينة أخري, والله لم يخلقنا لكي نكون خرافا, أو أصناما أو دمي, إنما بشر من لحم ودم وعقل ومشاعر ومباديء( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة صدق الله القائل العظيم, ولندع البكاء واللوم, والصمت, فإن التاريخ لا يرحم, ومدافع الغد أقسي وأشد, وأسئلة أطفالنا ستكون طعنة قاتلة في القلب, ومدننا لا نريدها أن تكون حدائق تدير لها الشمس ظهرها بل مقابر للمحتلين!!
كاتب وشاعر عراقي |