388‏السنة 123-العدد2004اغسطس28‏12 رجب 1424هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

صيحة ضمير

أسامة سرايا


أدعو كل عربي في كل مكان‏,‏ أن يقف صامتا لدقائق‏,‏ متذكرا جرائم إسرائيل ضد العرب‏,‏ ولنكن أكثر تحديدا فنخصص وقفتنا ليس لقراءة الفاتحة علي شهداء القضية الفلسطينية‏,‏ وهم يسقطون كل يوم‏,‏ وعددهم يقترب من الملايين‏,‏ ولكن لنخصصها للأسري الفلسطينيين‏,‏ حتي نتذكر بكل الحزن والمرارة أن هناك أكثر من‏8‏ آلاف إنسان‏,‏ نصفهم علي الأقل من النساء والأطفال يعانون في سجون الاحتلال‏,‏ وقد ضاقت عليهم هذه السجون‏,‏ فنقل أكثر من نصفهم إلي معسكرات يديرها الجيش الإسرائيلي‏.‏
هم الأسري ولا أقول الضحايا‏,‏ لأنهم أبطال وشامخون‏,‏ ولعلنا نعرف عنوانهم‏,‏ عندما نتذكر أن مروان البرغوثي‏,‏ الذي يقضي عقوبة السجن لمدة‏5‏ مؤبدات‏(‏ أكثر من‏125‏ عاما‏)‏ بتهمة رفض الاحتلال‏,‏ كان ولايزال‏,‏ زعيما فلسطينيا قبل بالسلام‏,‏ وأسهم في اتفاق أوسلو‏,‏ أي أنه يريد التعايش في ظل دولتين‏,‏ ولكن هذا السياسي البطل اعتقلته إسرائيل‏,‏ وصادرت حريته‏,‏ وزجت به في سجونها‏,‏ لأنه يتبني طموحات شعبه في التحرر وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف‏.‏
وكما كان مناضلا خارج السجن‏,‏ واصل نضاله داخل المعتقل‏,‏ وفجر البرغوثي وزملاؤه في سجون إسرائيل ثورة داخلية بإضرابهم عن الطعام‏,‏ لقد صاموا من أجل الحرية‏,‏ فتحية للأبطال‏,‏ وخاصة سجناء شيكماه في مدينة عسقلان‏,‏ وسجن شكاه في بيت شأن‏,‏ فقد كانت لوقفتهم ولصيامهم هزة أثارت القشعريرة‏,‏ ليس في الضمير العالمي وحده‏,‏ ولكن بقيت قوة شكيمتهم ووحدتهم علي قلب رجل واحد‏,‏ ووصلت هزتها إلي الضمير الإسرائيلي نفسه‏,‏ فالسجانون الإسرائيليون توقفوا عن استفزازهم‏,‏ وتوقفت حفلات الشواء خارج الزنازين‏,‏ وكان المسجونون والأسري أقوي من سجانيهم‏,‏ وأصبحت الصورة أكثر من مثيرة‏,‏ والأسري والمساجين أصبحوا هم من في موقف القوي‏,‏ وسجانوهم يتوسلون إليهم أن يشاركوهم الطعام‏,‏ وانقلب الموقف علي الإدارة الإسرائيلية‏,‏ وهناك الآن اضطرابات في السجون‏,‏ فقد انضم السجانون إلي السجناء في المطالبة بتحسين ظروف الحياة‏.‏
ولعلنا هنا نتذكر أن قوة الأسري انعكست في ثورة حقيقية بدأت في منتصف أغسطس‏,‏ ويجب أن نحول هذا اليوم إلي يوم عالمي للسجين المظلوم والأسير الذي يقع تحت أيدي عصابات تسومه سوء العذاب‏,‏ وكل ذنبه وجريرته أنه يبحث عن حقه وحريته‏,‏ لقد أحسن الأسري إدارة صراعهم مع سجانيهم‏,‏ وكانوا في إدارتهم وسياستهم حكماء أكثر من السياسيين‏,‏ بل وأفضل من السلطة الفلسطينية في إدارتها للانتفاضة الفلسطينية‏.‏
فقد حرصوا منذ الدقيقة الأولي في بيانهم علي توضيح حقائق مهمة‏,‏ فهم يتهمون إسرائيل بمصادرة حقوقهم ومعاملتهم كالحيوانات ويقولون بلغة قوية واضحة بلا تردد أو لبس‏,‏ إن أهداف إضرابهم ليست سياسية ويلخصونها في‏:‏
‏‏ توقف السجانين عن تعريتهم عند التفتيش‏.‏
‏‏ فتح مجال أكبر للاتصال بالعائلات حيث يقول المنظمون إن‏40%‏ من المسجونين محرومون من الزيارات العائلية‏.‏
‏‏ تحسين ظروف النظافة‏.‏
إمكانية استعمال الهواتف العمومية‏.‏
ولعلنا نتوقف عند إدارة المسجونين لاعتصامهم كجماعة‏,‏ وليس كزعامات وكان لروح الفريق تأثيرها في الضمير العام داخل إسرائيل‏,‏ والأراضي الفلسطينية‏,‏ وسري تأثير انتفاضة الأسري ليصل إلي الضمير العام واهتز لها الضمير العالمي‏,‏ ووضعوا إسرائيل في قفص الاتهام‏.‏
ولكن معركة الأسري‏,‏ لم تضع إسرائيل وحدها خارجة علي القانون ومنتهكة لحقوق الإنسان‏,‏ بل كشفت الوجوه الغليظة التي تحكم وتتحكم هناك‏,‏ فخرج هاينجبي‏,‏ وزير الأمن الإسرائيلي عن شعوره‏,‏ وأعلن أنه سيترك الأسري يموتون‏,‏ كما كشف الآخرون من المتطرفين الذين يرفضون التعايش عن نياتهم‏,‏ وراحوا يطالبون بتعذيب المسجونين‏,‏ وتحويل السجون إلي سلخانة أو مقبرة‏,‏ وهو المصير الذي يخططون له لكل الفلسطينيين‏.‏
وهكذا كشفت معركة الأسري كل الوجوه القبيحة والمتعصبة والمتطرفة التي تدير إسرائيل‏,‏ وعرت المجتمع الدولي‏,‏ وكشفت جمعيات حقوق الإنسان‏,‏ ومنظمات العفو الدولية‏,‏ فالصليب الأحمر بكل قدراته وقف ضعيفا صامتا‏,‏ وظهر كمن لا يستطيع أن يقدم خدماته الإنسانية لأسري لا حول لهم ولا قوة‏.‏
والأهم أن صورة معركة الأسري في السجون الإسرائيلية‏,‏ كشفت ضعف بنية النظام العالمي وهشاشته‏,‏ فقد عجزت المنظمات عن توفير حياة آدمية للأسري‏,‏ فما بالكم إذا طالبنا بأن تكون إنسانية؟‏!‏ إن صدقية العالم ومصداقيته دخلت امتحانا عسيرا وخرجت منه صفرا وأضعفت موقف كل المخلصين الذين تصوروا أن هناك ضميرا عالميا قادرا علي لجم المتطرفين والمهووسين بالقوة‏.‏
ولتتذكروا أن كل هذه مقدمات حية‏,‏ سوف تطيح بكل الخارجين علي القانون‏,‏ والضاربين بعرض الحائط حقوق الإنسان‏.‏
وتذكروا أن إسرائيل للمرة الثانية وخلال أشهر قليلة تكشف أمام العالم عن أنها دولة لا تحترم القوانين الدولية‏,‏ ويكفي قرار المحكمة العليا الدولية في لاهاي‏,‏ وقرار مجلس الأمن الخاص بالجدار العنصري‏,‏ وهاهي تسقط السقوط الثاني أمام الضمير الإنساني‏,‏ وأمام الرأي العام العالمي‏,‏ كدولة فاشية وعنصرية لا تخدم أي قوانين وتؤكد أن مسئوليها صاروا منعدمي الضمير‏.‏
ولكن كل ما تفعله سيوضع في صحيفة سوابق‏,‏ لا تمحي ولا تسقط بسهولة‏,‏ لأنها مكتوبة علي الجبين وفي الضمير والتاريخ الإنساني‏,‏ وسوف تقتلع في لحظة‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا