408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

شاعر فرنسا العظيم
عمره الشعري أربع سنوات

رامبو لايـزال يـلهـب الخـيـال

رشا عامر


حفظ القرآن عن ظهر قلب‏,‏ وأجاد العربية كإجادة أهلها‏,‏ عشق المدن العربية كعشقه لكتابة الشعر‏,‏ رأي فيها سحراغامضا لا يوازيه أي سحر‏,‏ لم يعرف هل هو سحر الشرق أم نوع آخر من أنواع السحر لم يتم اكتشافه بعد‏.‏ إنه الشاعر الفرنسي الفذ آرثر رامبو الذي يحتفل العالم بمرور‏150‏ عاما علي مولده‏.‏
ولد جون نيكولا آرثر رامبو في مدينة شارفيل الفرنسية في‏20‏ أكتوبر عام‏1854.‏
كان والده فردريك رامبو قائدا للجيوش العاملة في الجزائر الأمر الذي جعله يصطحب أسرته إلي هناك حيث مكث سنوات طوالا كان لها أكبر الأثر في إجادة شاعرنا العظيم للغة العربية إجادة تامة‏.‏ لم يكن رامبو وحده هو الذي أجاد العربية بل شاركته في ذلك أسرته وخاصة والده الذي استغل هذه الإجادة كي يترجم القرآن الكريم ربما لأول مرة إلي اللغة الفرنسية‏.‏ لم تكن تلك المرة هي المرة الأولي التي يمسك فيها والد رامبو بالقلم ويكتب فبالإضافة إلي عمله العسكري فإنه كتب عدة أعمال منها علي سبيل المثال‏'‏ رسائل عسكرية‏'‏ و‏'‏بيانات عسكرية‏'‏ الأمر الذي جعله يتقلد مناصب أرفع في القيادة هناك‏.‏ لكن سرعان ما تكالبت المكائد ضده فلم يجد أمامه بديلا إلا الهرب من العمل والمنزل معا تاركا الأسرة تواجه وحدها صعوبات العودة إلي فرنسا مرة أخري والتي لولا ثراء والدة رامبو‏'‏ماري كاترين‏'‏ لكانوا ماتوا جوعا‏.‏ لم يعلم والد رامبو أنه رغم هربه إلا أنه زرع حب القراءة والكتابة في نفس الطفل الصغير خاصة عندما قرأ القرآن واستشعر بلاغة معانيه وجمالها علي حد تعبيره‏.‏ عاد رامبو مع والدته وأخواته إلي شارفيل مرة أخري وهناك هام علي وجهه في الحقول والوديان هربا من البيت والمدرسة خاصة بعد أن استشعر رغبة والدته في إلقاء مسئولية خلافة الوالد علي كاهله رغم أنه ليس الابن البكر‏.‏ كانت والدة رامبو تتمتع بقلب كبير وحنون ولكنها للأسف كانت تخفيه وراء قناع من الفظاظة والعنف فرضته عليها قسوة الأيام وساعدها في ذلك صرامة تربيتها وتزمتها الديني اللذين كان لهما عظيم الأثر في علاقتها بأولادها إذ كانت تري أن الصرامة والشدة هما أفضل طريق لخلق جيل يسير علي الصراط المستقيم‏.‏
بالطبع لم يعجب ذلك رامبو الذي كان يعشق الشعر منذ حداثة سنه وكان يري فيه الملاذ الوحيد للبعد عن كل المنغصات الدنيوية والهرب إلي المجهول علي الرغم من أنه ورث عن والدته تلك النظرة الزجاجية الباردة التي تحمل وراءها قدرا كبيرا من الدفء الانساني تلك النظرة التي ألهمته فيما بعد قصيدة‏'‏ شعراء السنوات السبع‏'.‏
في بداية الستينيات وقبل أن يكمل رامبو ثماني سنوات بدأت أولي خطواته الشعرية والتي كانت تفوح منها الرومانسية الفيكتور هوجية‏.‏
عشق رامبو القراءة وبفضلها مضي قدما في أحلامه ورأي البحر الذي لم يكن قد رآه أبدا
وسمي من قبل مدرسيه بالابن الضال فهو يكره المذاكرة ولا يحب سوي القراءة والشعر‏.‏
في ذلك الوقت أرسل القدر له أحد المدرسين الذي استوعب موهبته سريعا وأصر علي تنميتها فكان يعطيه الروايات العالمية والأشعار لكي يقرأها ومن هنا بدأ رامبو الكتابة التي بدأت بتجارب صغيرة اشترك بها في عدة مسابقات وفاز فيها بالجائزة الأولي وفي بداية السبعينيات كتب عدة قصائد منها‏'‏إحساس‏','‏ الحداد‏','‏ شمس ولحم‏','‏ أوفيلي‏','‏ نائم الوادي‏'‏ وغيرها‏.‏ تعددت مرات هروب رامبو من منزل أسرته فكان تارة يهيم في الحقول وتارة يذهب إلي باريس وكانت ثاني مرات هروبه إلي هناك عام‏1871‏ بعد سقوط الإمبراطور نابليون الثالث وهزيمة الجيوش الفرنسية علي يد قوات بروسيا‏,‏ لم يكن رامبو يعلم أن الفترة القصيرة التي ستعيشها الحكومة الاشتراكية في شوارع باريس المهزومة سيكون لها أكبر الأثر في تفجير القصائد الحماسية والثورية بداخله مثل قصيدة‏:'‏قلب معذب‏'.‏
حتي تلك اللحظة لم يكن رامبو يشعر بأنه يستطيع كتابة أي قصائد سوي القصائد الرومانسية وقصائد الحب ولكن هاهي الأحداث السياسية تفجر بداخله الطاقات الشعرية المكبوتة مثلما فجرتها في غيره‏.‏ بدأ رامبو بعد ذلك كتابة رسائله الشهيرة والتي أسماها‏'‏ مشاهد‏'‏ حيث كانت عبارة عن رسائل تبادلها مع أستاذه الذي اكتشف موهبته الشعرية وهو صغير‏,‏ وفيها يؤكد رامبو أن الإنسان لكي يصبح مشاهدا عليه أن يتخلص من كل الأحمال التي ينوء بها كاهله حتي لو أدي ذلك إلي إدمان الخمر والمخدرات المهم أن ينسي نفسه لكي يتحرر من القيود الدنيوية ويستطيع رؤية الحقائق بشكل أفضل ولعل هذا يتضح من خلال ما كتبه في هذه الرسائل إذ كتب يقول‏:'‏ إن الشاعر لا يكون شاعرا بحق إلا إذا تخلص من كل القواعد بكل معانيها‏'.‏ لم يكن الفجور بالنسبة لرامبو غاية وإنما وسيلة للوصول إلي ما يريد وهو سماع صوت الحقيقة المطلقة فمن وجهة نظره أنه من الخطأ قول‏'‏ أنا أفكر وإنما الصواب هو أن العالم يفكر لي‏'‏ خاصة لو كان هذا الأنا هو شاعر مثله فمن وجهة نظره أن الشاعر لابد أن يكون رسولا مبعوثا إلي الوجود المطلق‏.‏
بدأت الشهرة تعرف طريقها إلي رامبو عقب تعرفه بالشاعر الفرنسي الكبير فيرلان الذي أرسل له دعوة لزيارته في باريس عقب قراءته للعديد من قصائده‏.‏ لم يترك رامبو الفرصة تفوته وإنما سارع إلي تلبية الدعوة وفي الطريق كتب واحدة من أروع قصائده وأشهرها علي الإطلاق‏'‏ المركب الثمل‏'.‏ وعندما وصل إلي باريس وجد فيرلان في انتظاره فاتحا له ذراعيه لكن عندما وصلا إلي المنزل لم يجد رامبو الترحيب الكافي من أسرة فيرلان بل إنه لم يجد ترحيبا أصلا ذلك أن أسرة فيرلان وجدت فيه شخصا سوقيا قذرا يرتدي ملابس رثة إضافة إلي أنه فلاح لا يرقي لمستوي القوم الذين يعيشون في عاصمة النور والجمال باريس‏.‏ لم يأبه رامبو بكل ذلك خاصة بعد أن استقبلت العاصمة الأدبية قصائده بكل انبهار معتبرة إياه‏'‏ عبقري حديث المولد‏'‏ ومن ثم دعاه كبار الشعراء الفرنسيين لندواتهم ولقاءاتهم الشعرية عسي أن يستفيد منهم ويستفيدوا منه‏.‏ بدأت السعادة تطرق باب رامبو لأول مرة في حياته فها هو يشق طريقه كالسهم وسط أباطرة الشعر في العالم وهاهي قصائده تتوالي الواحدة تلو الأخري ولكن فجأة وبنفس السرعة التي عرفت فيها السعادة طريقها إليه بنفس السرعة التي تركته فيها فبدلا من أن يلتفت رامبو لأشعاره ودواوينه صب جل اهتمامه علي هجاء كبار الشعراء خاصة عندما علم أنهم موظفون في الدولة فأسماهم‏'‏ شعراء يوم الأحد‏'-‏ يوم الأجازة‏-‏ وأحيانا كان يسميهم شعراء وقت الفراغ وقد برر رامبو هذه التسمية بأن الشاعر بالنسبة له يجب أن يصل لدرجة نبي قبل أن يسمي شاعرا حقيقيا بمعني أن تكون كتابة الشعر هي شغله الشاغل وعمله الأول والأخير تماما كما يفعل هو‏.‏
بالطبع لم تعجب آراؤه شعراء فرنسا فانقلبوا عليه جميعا ما عدا فيرلان الذي اقتنع بكلامه وهجر أسرته وقرر أن يهيم علي وجهه بصحبة رامبو وفي عام‏1872‏ هرب الاثنان من باريس إلي بلجيكا ثم إلي لندن حيث واجها أياما عصيبة أرغمتهما علي إعطاء دروس لغة فرنسية لكي يجدا قوت يومهما ورغم مضي عام علي هذا الوضع إلا أن المسألة باءت بالفشل الذريع فقررا الانفصال عن بعضهما البعض في العام التالي مباشرة ولكنهما التقيا بعد شهر واحد في بروكسل ولكن الأحوال لم تكن بأفضل من سابقتها ففيرلأن أصبح أكثر بؤسا بعد إدمانه الشديد للخمر أما رامبو فكان شعوره بالذل يفوق كل شعور ولذلك أخذ قرارا بقطع كل العلاقات مع فيرلان الذي لم يحتمل هذا القرار خاصة أنه ترك منزله وزوجته من أجل رامبو فما كان منه وتحت تأثير الخمر إلا أن أطلق رصاصتين عليه استقرت إحداهما في كتفه‏.‏ نقل رامبو إلي المستشفي للعلاج بينما دخل فيرلان السجن ممضيا عامين من أسوأ أيام حياته ولكنه استغلهما لكتابة رائعته الشعرية‏'‏ هدوء‏'‏ أما رامبو فكتب‏'‏ فصل في الجحيم‏'‏ وذلك عقب عودته مباشرة إلي أسرته‏.‏ شعر رامبو بأن إلهة الشعر لم تعد طوع يديه كما اعتاد منها وأرجع ذلك إلي غضب الله منه علي ما اقترفه من موبقات لذلك حاول أن يعود إلي العبادة مرة أخري وفي هذه الأثناء كتب قصيدة‏'‏كيمياء الفعل‏'.‏ شعرت والدة رامبو أخيرا بموهبة ابنها فساعدته لكي ينشر بعض أعماله في بلجيكا ولكن الشاعر لم يوفق في اختيار الأعمال الصالحة للنشر فقوبلت قصائده بالفشل الرهيب‏.‏
شعر رامبو بأنه آن الأوان لهجر الكتابة نهائيا لكن لم يكن الأوان قد آن بعد إذ جاءت رحلته إلي لندن والتي التقي فيها بالرسام والشاعر جيرمين نوفو والذي كان سبق أن التقاه في باريس لكي تفجر مجموعته الشعرية الجديدة‏'‏ إشراقات‏'‏ والتي كشفت بوضوح عن تهكمه وسخريته من كل شيء فقد رسم رامبو عبر أبياتها صورة سوداء لعالم متحضر ولعل أكثر قصائد هذه المجموعة سخرية هي قصيدة‏'‏ مدينة‏'‏ وقصيدة‏'‏ عاصمة‏'‏وبهذه القصيدة قرر رامبو أن يهجر الشعر للأبد‏.‏
عام‏1875‏ بدأ رامبو رحلاته عبر العالم سيرا علي الأقدام فذهب بداية إلي شتوتجارت حيث تعلم الألمانية وأضافها إلي اللغات الكثيرة التي يجيدها وفي العام التالي ذهب إلي النمسا ولكن السلطات ألقت القبض عليه هناك بتهمة التشرد وقامت بترحيله إلي مسقط رأسه في فرنسا‏.‏ لم يمكث رامبو كثيرا في فرنسا إذ سرعان ما تركها وسافر إلي عدة دول أخري ثم عاد أدراجه إليها مع نهاية العام قبل أن يسافر ثانية إلي ستوكهولم ثم الإسكندرية‏.‏
قرر رامبو في النهاية الاستقرار بجوار والدته خاصة بعد وفاة أخته الصغري ولم يكن قراره لمجرد الاستقرار فقط وإنما كان لممارسة التجارة وكسب المال كما كانت والدته تلح عليه دائما ووجد أن أقصر طريق للثراء هو تجارة السلاح لذلك لم يكن أمامه بد من السفر والاستقرار في عدن مستعيدا لغته العربية التي سبق أن أتقنها منذ نعومة أظفاره وهناك عرف طعم المال والنجاح‏.‏
جاء عام‏1891‏ لتكتشف باريس أن لديها شاعرا عظيما اسمه رامبو فأرسلت إليه لكي يتولي رئاسة تحرير جريدة فرنسا الحديثة لكنه رفض‏.‏ أولا لأنهم تذكروه في الوقت الضائع ثانيا لأن المرض كان قد ألم به إذ كان يعاني ألما شديدا بركبته اليمني لدرجة جعلت الأطباء يرسلونه إلي مارسيليا لإجراء جراحة عاجلة له انتهت ببتر ساقه ليموت في نوفمبر من نفس العام مصابا بالسرطان قبل أن يكمل عامه السابع والثلاثين تاركا لنا تركة شعرية عمرها خمسة أعوام فقط لكنها استطاعت أن تلهب الخيال وتجعل منه أسطورة لم تنطفئ فلقد ملأ الدنيا وشغل الناس منذ مولده وحتي يومنا هذا لم يكن حبه للبحث والمغامرة لينتهي فهو في حد ذاته مغامرة مجنونة تركض وراء المجهول باحثة عن الدهشة والمفاجأة‏.‏ كان مهووسا بالمطلق وهذا المطلق لا نهاية له إلا الموت المطلق الوحيد الذي لا مطلق بعده‏*‏