مقاطع من رواية عازفة البيانو للكاتبة النمساوية الفريدة يلنيك(2)
مصدر وحيد للضوء
ترجمة ـ سمير جريس كاتب ومترجم مصري مقيم بألمانيا
تجلس إريكا كالمزروعة علي كرسي البيانو لكنها في الوقت ذاته تشعر بنفسها منجذبة إلي الباب. الرغبة القاهرة إلي السكون المنزلي الذي لا يتخلله إلا صوت التلفزيون هذه النقطة من الخمول والهدوء الكاملين تمسي الآن ألما تشعر به داخل جسدها. علي كلمر أن يختفي كبخار الماء! لماذا يتحدث ويتحدث بينما الماء يغلي في المنزل ويتبخر وسيصيب قريبا سقف المطبخ بالفطريات. بعصبيته وبمقدمة حذائه يتلف كلمر الباركيت وكحلقات بخار ينفخ من جوفه الوقائع الصغيرة المهمة للغاية للعزف علي البيانو بينما المرأة قد مهدت نفسها علي الذهاب إلي البيت.يسأل: ما الذي يميز النغمة ثم يجيب بنفسه: طريقة الضرب علي أصابع البيانو. بإسهاب يتخفف فمه من عبء البقية التي لا يمكن الإمساك بها الكثيرة الظلال من النغم واللون والضوء. كلا ما تصفه الآن ليست هي الموسيقي كما أعرفها ترد إريكا بصوت متهدج هذه الفأرة التي تريد أخيرا أن تصل إلي جحرها الدافيء. ولكن هذا وهذا وحده هو ما يتدفق من فم الشاب. ما لا يعقل ما لا يقاس هذا هو مقياس الفن يقول كلمر معارضا معلمته. تغلق إريكا البيانو تبدأ في ترتيب الأشياء. لقد مس الرجل الذي يتحدث من أعماق قلبه روح شوبرت بالمصادفة ويستغل الأمر علي الفور. كلما اضمحلت روح شوبرت وتحولت إلي أريج ولون وأفكار كلما انتقلت قيمته إلي مجال يسمو عن الوصف. القيمة تغدو ذروة عملاقة لا أحد يستطيع إدراك علو الذروة. إن المظهر ينتصر علي المخبر انتصارا حاسما هذا أمر واضح تماما يقول كلمر. نعم ربما يكون الواقع خطأ جسيما واحدا من أعظم الأخطاء علي الإطلاق. ولهذا تتقدم الأكاذيب علي الحقائق يستنتج الرجل من كلماته. غير الواقعي يجيء قبل الواقعي. وبذلك يزداد الفن جودة. البهجة البيتية علي العشاء التي تتأجل اليوم لأسباب خارجة عن إرادتها هي الثقب الأسود الذي يبتلع النجم إريكا. إنها تعرف أن هذا الابتلاع من الأم سيلتهمها ويهضمها ولن يبقي عليها بقية ومع ذلك فإنها تنجذب إليها بقوة آسرة. لون أحمر قان يستريح علي عظام خدها ثم يزيد من مواقعه. علي كلمر أن ينفصل عنها وينسحب. لا تريد إريكا أن تتذكر وجوده ولا بذرة غبار واحدة من أكتافة. إنها تتشوق إلي عناق طويل حار وبعد ذلك- بمجرد أن يتم العناق- تلفظه كملكة هذه المرأة العظيمة. كلمر أبعد ما يكون الآن عن هجر المرأة ولذلك يجب عليه أن يخبرها أنه لم يستطع أن يحب سوناتات بيتهوفن إلا ابتداء من السوناتة التي تحمل رقم101 في مجمل أعماله. لأنه ابتداء من تلك المرحلة هكذا راح يخرف ترق السوناتات وتلين وتنساب أجزاؤها انسيابا كل حركة واضحة المعالم لكن الانتقال إلي الحركة التالية يأتي سلسلا لا تتمايز الحركات تمايزا صلبا جامدا من بعضها البعض يخترع كلمر. إنه يضغط علي نفسه لاستخراج آخر هذه الأفكار والمشاعر وفي النهاية يقول جملة ختامية تمنع هذا الحشو المنتفخ من أن يفيض وكأنه يغلق قطعة سجق بعد حشوها. لتوجيه الحديث إلي مجر آخر يا بروفيسورة لا بد أن أخبرك- وسأفصل لك رأيي علي الفور- أن الإنسان لن يصل إلي أسمي ما لديه من قيم إلا عندما ينفصل عن الواقع واهبا نفسه لمملكة الحواس وهو ما ينطبق عليك أيضا. وهو ما ينطبق بالضبط علي بيتهوفن وشوبرت المفضلين لدي من بين الأساتذة العظام أنا شخصيا أشعر تجاههما بالارتباط الروحي لا أعرف بأي رباط ولكنني أشعر بذلك, إن ذلك ينطبق علي أيضا علينا أن نحتقر الواقع وأن نجعل من الفن والحواس واقعنا الوحيد. لقد انتهي الأمر بالنسبة إلي بيتهوفن وشوبرت ولكن أنا- كلمر- في سبيلي إلي ذلك. ثم اتهم إريكا كوهوت أن ذلك هو ما ينقصها. إنها- في رأيه- تتمسك بقشور سطحية لكن الرجل ينزع إلي التجريد ويفصل الجوهري عن غير الضروري. بكلامه هذا يكون كتلميذ أجاب إجابة وقحة. لقد تجرأ علي ذلك. في رأس إريكا ثمة مصدر وحيد للضوء ينير كل شيء كأنه الشمس ولا سيما تلك اللافتة المكتوب عليها: الخروج من هنا. المقعد المريح أمام التلفزيون يفتح أحضانه بصوت خافت تسمع المقدمة الموسيقية لنشرة الأخبار بلا انفعال تتحرك رأس قارئ الأخبار فوق رابطة عنقه. علي المائدة الصغيرة بجانب التليفزيون مجموعة مثالية في كثرتها وتنوعها من المكسرات والمحمصات والحلويات ومنها تتناول السيدتان بالتناوب أو في الوقت نفسه. عندما يفرغ أحد الأصناف يملأ علي الفور وكأنهما في بلاد تنابلة السلطان حيث لا ينتهي شيء ولا يبدأ شيء. ترتب إريكا أشياء في نهاية الغرفة وتنقلها إلي النهاية الأخري ثم العكس تنظر بطريقة لافتة إلي الساعة وتعطي إشارة غير مرئية من صاريتها العالية تشير إلي مدي إرهاقها بعد يوم من العمل الشاق أساء فيه الهواة استخدام الفن لإرضاء طموح الآباء. يقف كلمر وينظر إليها.
لا تريد إريكا أن تنشأ فترة صمت وتقول كلاما عاديا يوميا. الفن بالنسبة لإريكا شيء عادي يومي لأنها تأكل لقمتها بعرق الفن. كم سيكون أسهل علي الفنان, تتحدث المرأة, أن يقذف جمهوره بأحاسيسه وعواطفه. إن النزوع إلي الدراماتيكية وهو ما تقدره للغاية يا كلمر يعني أن يلجأ الفنان إلي وسائل ظاهرية ويهمل الوسائل الحقيقية. تتحدث حتي لا ينشأ صمت. أنا كمعلمة أساند الفن غير الدرامي شومان مثلا الدراما دائما أسهل! الأحاسيس والعواطف هي دائما بديل تعويض للمثقفين الذين يعيشون من الذهن فقط. تتشوق المعلمة إلي زلزال أو ضجيج يصك الآذان أو أن تنقض عليها عاصفة مزمجرة. يكاد كلمر الجموح أن ينفذ من الحائط برأسه سخطا. مجموعة الكلارينت في الفصل المجاور- التي تردد عليها مرتين في الأسبوع لأنه اختار الكلارينت كآلة ثانية- ستتعجب بالتأكيد عندما تخترق الحائط فجأة رأس كلمر الحانقة وتستقر بجانب وجه بيتهوفن المحتضر. إريكا هذه لا تشعر أنه في الحقيقة لا يتحدث إلا عنها وطبعا عن نفسه! إنه يذكر نفسه وإريكا في سياق حسي ويتناسي في الوقت نفسه الذهن عدو الحواس العدو اللدود للجسد. إنها تعتقد أنه يقصد شوبرت بينما هو لا يعني إلا نفسه كما تعود ألا يعني سوي نفسه عندما يتحدث. يعرض علي إريكا فجأة أن يرفعا الكلفة فتنصحه بالاحتفاظ بمسافة احترام وأن يخاطبها بـ' حضرتك'. فمها يتقلص رغما عنها وعن إرادتها ويتحول إلي وردة صغيرة متغضنة لم يعد تحت سيطرتها. صحيح أن ما ينطق به هذا الفم تحت سيطرتها لكنها لا تسيطر علي شكله الخارجي. تقشعر بشرتها في بدنها كله. يشعر كلمر بالذعر من نفسه. إنه يهنأ بالتمرغ في حوض استحمام ملئ بأفكاره وكلماته الدافئة. يلقي بنفسه علي البيانو معجبا ومختالا بذاته. يعزف يإيقاع سريع جدا جملة موسيقية تعلمها بالصدفة غيبا. إنه يريد أن يعرض شيئا والسؤال هو: ماذا إريكا كوهوت سعيدة بتحويل مجري الحديث بهذه الطريقة الهادئة إنها ترمي بنفسها أمام التلميذ حتي توقف القطار السريع قبل أن ينطلق بأقصي سرعته. إن عزفك أسرع من اللازم وأعلي من اللازم أيضا يا سيد كلمر إنك لا تبرهن بذلك سوي علي عمق الفجوات التي يمكن أن يحدثها العزف الخالي تماما من الروح. يرمي الرجل بنفسه إلي الخلف في أحد المقاعد. كحصان سباق انتصر مرات عديدة يقف علي أحر من الجمر لا يكاد يستطيع أن ينتظر إشارة البدء. تعويضا له عن الانتصارات التي يحرزها وتجنبا للهزائم يطلب أن يعامل معاملة خاصة وأن يحصل علي أقصي درجات العناية علي الأقل مثل طاقم المائدة الفضي. تريد إريكا أن تذهب إلي البيت. تعطيه نصيحة جيدة: عليك أن تتجول في شوارع فيينا وأن تستنشق الهواء بعمق. بعد ذلك عليك بعزف شوبرت ولكن عزفا صحيحا هذه المرة! وأنا أيضا سأذهب الآن يجمع فالتر كلمر نوتاته القليلة ويغادر الغرفة وكأنه الممثل يوزف كاينتس الفارق الوحيد أن عدد الذين يتفرجون عليه ليس كبيرا. لكنه يمثل أيضا دور المتفرج. النجم والجمهور في شخص واحد. وفوق البيعة التصفيق المدوي. في الخارج وهو في طريقه إلي دورة مياة الرجال يترك كلمر شعره الأشقر يتطاير خلفه وهناك يفتح الحنفية عن آخرها فينساب نصف لتر مندفعا إلي أسفل دون أن يترك آثارا كثيرة مدمرة علي جسده الخبير بالماء. بعد ذلك يلطم وجهه بموجات من المياه المستخرجة من الآبار العميقة في أعالي الجبال. تنتهي حياة المياه علي وجه كلمر. إنني أجذب كل ما هو جميل إلي مستنقع الألم يقول لنفسه. المياه الفيناوية المشهورة التي أصبحت في الفترة الأخيرة مسممة بعض الشيء تهدر. يغسل كلمر وجهه بهمة ونشاط لم يستطع الاستفادة منهما علي نحو آخر. أثناء الاغتسال يتناول صابونا سائلا مصنوعا من إبر شجر التنوب مرة ومرتين ثم مرات عديدة. ينثر المياه علي وجهه ويغرغر. ويكرر عملية الاغتسال في مواضع يختارها. أخذ كلمر يلوح بقبضة يديه في الهواء ثم بلل شعره وراح يطقطق بفمه طقطقات لا تعني شيئا محددا. لأنه يعاني لوعة الحب. ولهذا السبب أيضا راح يطقطق أصابعه ومفاصله. بسن حذائه راح يسيء معاملة الحائط تحت الشباك الصغير الوهمي المطل علي الفناء من غير أن يطلق سراح المحبوس في أعماقه. صحيح أن بضع قطرات تتناثر من رأسه لكن البقية تظل في وعائه وببطء يفوح منها الزنخ لأنها لم تستطع السير تجاه الميناء الأنثوي الذي تريد الوصول إليه. نعم لا شك أن فالتر كلمر غارق في الحب. ليس للمرة الأولي هذا صحيح ولكن بالتأكيد أيضا ليس للمرة الأخيرة. ولكن الطرف الآخر لا يبادله مرة أخري الحب. ليست هناك استجابة لمشاعره. هذا هو ما يولد اشمئزازه وهو يبرهن علي ذلك باستخراج المخاط من داخله محدثا أصواتا عالية ثم يرمي به داخل الحوض. مخلفات عشق كلمر. يغلق الحنفية بشدة إلي درجة أن من سيأتي بعده لن يستطيع بالتأكيد أن يفتحها إلا إذا كان هو أيضا عازف بيانو وله بالتالي مفاصل وأصابع من صلب. ولأنه لم يغسل بعد ذلك بالماء فقد بقيت آثار من مخاط كلمر عالقة بفوهة بالوعة الحوض- من ينظر بدقة يراها بدقة. زميل في البيانو أو في شيء مشابه علي وجهه شحوب الموتي يخرج في هذه الثانية من غرفة امتحان القبول ويعدو كالسهم مباشرة إلي إحدي كبائن دورة المياه ثم يتقيأ في المرحاض وكأن ذلك ظاهرة طبيعة*