408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

غواص
ليشهدوا منافع لهم رغم الكوارث

د‏.‏ مبروك عطية‏


رحم الله سيبويه إمام أهل اللغة الذي سمي نحو منافع أقصي الجمع‏,‏ الذي عرفه طلاب العربية صيغة منتهي الجموع‏,‏ وفي الحج دموع‏,‏ مراعاة للسجعة‏,‏ والمعني كذلك‏,‏ فإن الدمع الذي يفرزه القلب فتشدو به العين والمسلم همزة الوصل بين قلب خاشع‏,‏ ودمع سائل‏,‏ يرجو رحمة ربه‏,‏ وغفران ذنبه‏,‏ ويرحم غيره‏,‏ ويتوسم فيه الصلاح‏,‏ ويندمج في زمر الحجيج يدعو مع الداعين‏,‏ ويستغفر مع المستغفرين‏,‏ ويلبي مع الذين يلبون‏,‏ ويشعر بأنه قطرة تذوب في ملكوت تجرد للعبادة في أيام معدودات معلومات‏,‏ قال الله تعالي‏:‏ الحج أشهر معلومات وقد تطلعت الدنيا المسلمة لتلك الأشهر المعلومات‏,‏ وتزينت‏,‏ وازدهت برغم آلام البشر‏,‏ ومد البحر أمواجه وابتلع بني آدم‏,‏ مئات الألوف قضوا نحبهم‏,‏ ولقوا ربهم‏,‏ والحاج يربط متاعه‏,‏ ويلبي ربه‏,‏ برغم الكوارث لأنه يؤمن بأن الله ـ تعالي ـ بيده الليل والنهار‏,‏ والأنهار والبحار‏,‏ إذا قضي أمرا فإنما يقول له كن فيكون‏,‏ يلوذ به إذ إنه يقصد البيت العتيق أي يقصد الأمن‏,‏ فقد قال الله ـ تعالي ـ فيه‏:‏ ومن دخله كان آمنا وأول محطة للأمن التجرد‏,‏ التجرد حتي من الثياب المعتادة‏,‏ إنه يلبس ملابس الإحرام طائفا بالبيت الذي وضعه الله ـ عز وجل ـ للناس‏,‏ إنه هنا للعبادة‏,‏ ولشهادة المنافع مع العبادة‏,‏ فلا تناقض بين الطواف والصلاة في المقام‏,‏ مقام إبراهيم‏,‏ وشرب ماء زمزم‏,‏ والسعي بين الصفا والمروة‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ والتقاط الحصي من مزدلفة أو غيرها‏,‏ ورمي الجمرة الكبري وطواف الركن‏,‏ طواف الإفاضة‏,‏ ثم العودة إلي مني ورمي الجمرات الثلاث في يومين‏,‏ وطواف الوداع‏,‏ والرحيل‏,‏ وبين التعارف والتآلف‏,‏ وسماع العلم ودروس العقيدة والفقه‏,‏ والاتفاق علي صفقات وغيرها مما هو مصلحة للحاج في دنياه‏,‏ غاية ما هنالك أن المسلم لا يتفق مع أخيه علي تجارة أو عمل أو مصلحة أثناءالطواف‏,‏ ولا في يوم عرفة حيث يتفرغ نهائيا لذكر الله وأفضله قراءة القرآن الكريم‏,‏ والدعاء بصالح الدنيا والآخرة معا بما تتحرك به النفس وينطلق به اللسان دون التقيد بأدعية محفوظة‏,‏ أو القراءة في كتاب‏,‏ فالله ـ عز وعلا ـ يعلم السر وأخفي‏,‏ ويعلم حال عبده وحاجته‏,‏ وإنما يعبر اللسان لكي يكون رطبا بذكر الله‏,‏ ومن منازل الأمن نيل بركة البيت‏,‏ لأن الله ـ تعالي ـ وصف البيت الحرام بالبركة‏,‏ فقال تعالي‏:‏ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا‏,‏ وانظر إلي البركة كيف ينالها العبد‏,‏ إنه ينالها بالحركة‏,‏ بالسفر‏,‏ بالجهاد بالنفس والمال‏,‏ بالطواف والسعي‏,‏ وليست البركة معلقة علي شماعة‏,‏ أو في‏(‏ أنت راجل بركة‏)‏ والبيت قد استمد بركته من الله تعالي واهب النعم‏,‏ حيث إنه اصطفاه قبلة للمسلمين‏,‏ وجعله كعبتهم‏,‏ وجعل فيه قوام حياتهم وهديهم‏,‏ قال الله ـ تعالي ـ‏:‏ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ومن هذا القيام أنهم يشهدون فيه المنافع‏,‏ قال الله تعالي ليشهدوا منافع لهم ويستمد البيت الحرام كذلك بركته من الملائكة المقربين‏,‏ الذين يدخلون البيت الذي في السماء‏,‏ ألوفا مؤلفة‏,‏ وهو فوق البيت الحرام‏,‏ وعندئذ يلتقي الذاكرون الله في البيت الحرام مع الملائكة الذين يذكرون الله في السماء‏,‏ فما بين هؤلاء وهؤلاءمداد من البركة وفيوضات من النور‏,‏ ومن ثم يقول الحاج أو المعتمر في البيت الحرام‏:‏ اللهم هذا مقام العائذ بك‏,‏ أي أن اللاجيء إليك إنما يلجأ إليك في هذا المكان‏,‏ وفي تلك البقعة المباركة‏,‏ والبركة في البيت الحرام بركة كثيرة‏,‏ من حيث كثرة الناس من كل صوب‏,‏ فأنت مثلما تجلس علي مائدة جمعت صنوف الطعام المختلفة من لحوم الشرق والغرب وطيورهما‏,‏ وفواكههما‏,‏ وكل ما لذ وطاب من هنا وهناك وتصف ذلك بالعجب العجاب‏,‏ والبركة‏,‏ كذلك تلتقي مع إخوانك الذين لورغبت في لقائهم واحدا واحدا لاستحال عليك ذلك‏,‏ ولما أمكنك أن تسافر إلي هذا في تونس والمغرب والجزائر وليبيا‏,‏ والسعودية وماليزيا وأوروبا وأمريكا‏,‏ وإنما جمعهم لك الله‏,‏ الذي قال لخليله إبراهيم‏:‏ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق‏,‏ ليشهدوا منافع لهم‏,‏ فالآذان أمر من الله ـ تعالي ـ لإبراهيم‏,‏ أما التبليغ فبقدرة الله تعالي ومشيئته‏,‏ حيث شاء أن يزرع الحب للبيت في كل قلب مسلم‏,‏ وأية بركة أعظم من بركة العودة بصحبة البراءة من الذنوب والخطايا‏,‏ كما جاء في الحديث الصحيح من حج فلم يرفث ولم يفسق عاد كيوم ولدته أمه أي عاد طاهرا من الذنوب‏,‏ بريئا من المعاصي مدركا أن عليه أن يحافظ علي نفسه بعد الحج‏,‏ وأن يكثرمن عمل الحسنات‏,‏ لتتبع الحسنة الحسنة‏,‏ وتتوالي عليه فيوضات رحمة ربه‏,‏ وهو يدعو الله أن يعود مرارا‏,‏ ومن ثم يطوف طواف الوداع سائلا الله ـ تعالي ـ ألا يجعل تلك الزيارة من حج أو عمرة آخر عهده بالبيت‏.‏
وهذا الدعاء له مقتضي عظيم‏,‏ لأنه لا يعني رغبة المسلم الحاج أو المعتمر في العودة إلي البيت مرارا وليكن ما يكون من حاجة مجتمعه إلي ماله الذي يحج به أو يعتمر للمرة الثانية والثالثة والرابعة‏,‏ وإنما يعني أن يغني الله الناس عن ماله‏,‏ فيستطيع بذلك أن يعود‏,‏ لأن الحج مرة واحدة في العمر‏,‏ وماعداها نافلة بينما إطعام المساكين وكفالة اليتامي‏,‏ وإنقاذ المنكوبين‏,‏ وإجابة ذي الحاجة الملهوف من عزائم الأمور في الدين‏,‏ والله ـ عز وعلا ـ لا يقبل نافلة ما لم تؤد الفريضة‏,‏ فهو يسأل الله ـ تعالي ـ ألا يجعل هذه الزيارة آخر عهده بالبيت من هذا المقتضي‏,‏ أن يصلح الله تعالي أحوال العباد‏,‏ وأن يفقهه في دينه‏,‏ فيعلم أن الفريضة متي سقطت عنه فهناك من الفرائض غيرها ما ينتظره لقد قال النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لمن سأله‏:‏ أفي كل عام يا رسول الله؟ لو قلت نعم لوجبت‏,‏ فلماذا يوجب كثير من الناس علي أنفسهم ما لم يوجبه الدين عليهم‏,‏ وإذا كان النص البارز في المغفرة والطهارة من الذنب في الحج والعمرة فيجب علي الدعاة أن يبرزوا كذلك النصوص الأخري في غير الحج من ستر المسلمين‏,‏ الأمر الذي يفهمه الناس علي ضيق عقل‏,‏ حيث فهمناه علي أن من ستر مسلما أي أخفي ذنبه ولم يفضحه‏,‏ بينما هو ممتد إلي ستره بالمال والكساد والطعام‏,‏ وإنقاذه من عبء الديون ووجع الهموم‏,‏ ونقص العيش‏,‏ وفي الحديث‏:‏ والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه فمن ذا الذي لا يبتغي عون الله ـ تعالي ـ الذي لا حصر لحاجاته التي يكون العبد في حاجة إلي عون الله فيها من صحة بعد مرض‏,‏ وسعة بعد ضيق‏,‏ واستبشار بعد تنفير‏,‏ ورجاء بعد إحباط‏,‏ وتيسير بعد تأزم‏,‏ خصوصا في الإجراءات الروتينية‏,‏ واللف بالأوراق علي المصالح الحكومية‏,‏ وغير ذلك من صعاب الحياة‏,‏ وسوء مسالكها‏,‏ وسبيل الفرج عون الله‏,‏ وهذا العون يتحقق بعون الناس‏,‏ بإمداد المحتاج بما يحتاج إليه‏,‏ ومسح دمعة علي وجه حزين‏,‏ تنطق بالأسي‏,‏ وتصور شيئا من مأساة‏,‏ ضمن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لمن يرفعها ويفرجها أن يفرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة وما أدراك ماهية‏,‏ فهنيئا لمن يسر الله له الزيارة والعودة إلي مواطن الجهاد الأخري‏.‏