
|
غواص ليشهدوا منافع لهم رغم الكوارث |
د. مبروك عطية رحم الله سيبويه إمام أهل اللغة الذي سمي نحو منافع أقصي الجمع, الذي عرفه طلاب العربية صيغة منتهي الجموع, وفي الحج دموع, مراعاة للسجعة, والمعني كذلك, فإن الدمع الذي يفرزه القلب فتشدو به العين والمسلم همزة الوصل بين قلب خاشع, ودمع سائل, يرجو رحمة ربه, وغفران ذنبه, ويرحم غيره, ويتوسم فيه الصلاح, ويندمج في زمر الحجيج يدعو مع الداعين, ويستغفر مع المستغفرين, ويلبي مع الذين يلبون, ويشعر بأنه قطرة تذوب في ملكوت تجرد للعبادة في أيام معدودات معلومات, قال الله تعالي: الحج أشهر معلومات وقد تطلعت الدنيا المسلمة لتلك الأشهر المعلومات, وتزينت, وازدهت برغم آلام البشر, ومد البحر أمواجه وابتلع بني آدم, مئات الألوف قضوا نحبهم, ولقوا ربهم, والحاج يربط متاعه, ويلبي ربه, برغم الكوارث لأنه يؤمن بأن الله ـ تعالي ـ بيده الليل والنهار, والأنهار والبحار, إذا قضي أمرا فإنما يقول له كن فيكون, يلوذ به إذ إنه يقصد البيت العتيق أي يقصد الأمن, فقد قال الله ـ تعالي ـ فيه: ومن دخله كان آمنا وأول محطة للأمن التجرد, التجرد حتي من الثياب المعتادة, إنه يلبس ملابس الإحرام طائفا بالبيت الذي وضعه الله ـ عز وجل ـ للناس, إنه هنا للعبادة, ولشهادة المنافع مع العبادة, فلا تناقض بين الطواف والصلاة في المقام, مقام إبراهيم, وشرب ماء زمزم, والسعي بين الصفا والمروة, والوقوف بعرفة, والتقاط الحصي من مزدلفة أو غيرها, ورمي الجمرة الكبري وطواف الركن, طواف الإفاضة, ثم العودة إلي مني ورمي الجمرات الثلاث في يومين, وطواف الوداع, والرحيل, وبين التعارف والتآلف, وسماع العلم ودروس العقيدة والفقه, والاتفاق علي صفقات وغيرها مما هو مصلحة للحاج في دنياه, غاية ما هنالك أن المسلم لا يتفق مع أخيه علي تجارة أو عمل أو مصلحة أثناءالطواف, ولا في يوم عرفة حيث يتفرغ نهائيا لذكر الله وأفضله قراءة القرآن الكريم, والدعاء بصالح الدنيا والآخرة معا بما تتحرك به النفس وينطلق به اللسان دون التقيد بأدعية محفوظة, أو القراءة في كتاب, فالله ـ عز وعلا ـ يعلم السر وأخفي, ويعلم حال عبده وحاجته, وإنما يعبر اللسان لكي يكون رطبا بذكر الله, ومن منازل الأمن نيل بركة البيت, لأن الله ـ تعالي ـ وصف البيت الحرام بالبركة, فقال تعالي: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا, وانظر إلي البركة كيف ينالها العبد, إنه ينالها بالحركة, بالسفر, بالجهاد بالنفس والمال, بالطواف والسعي, وليست البركة معلقة علي شماعة, أو في( أنت راجل بركة) والبيت قد استمد بركته من الله تعالي واهب النعم, حيث إنه اصطفاه قبلة للمسلمين, وجعله كعبتهم, وجعل فيه قوام حياتهم وهديهم, قال الله ـ تعالي ـ: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ومن هذا القيام أنهم يشهدون فيه المنافع, قال الله تعالي ليشهدوا منافع لهم ويستمد البيت الحرام كذلك بركته من الملائكة المقربين, الذين يدخلون البيت الذي في السماء, ألوفا مؤلفة, وهو فوق البيت الحرام, وعندئذ يلتقي الذاكرون الله في البيت الحرام مع الملائكة الذين يذكرون الله في السماء, فما بين هؤلاء وهؤلاءمداد من البركة وفيوضات من النور, ومن ثم يقول الحاج أو المعتمر في البيت الحرام: اللهم هذا مقام العائذ بك, أي أن اللاجيء إليك إنما يلجأ إليك في هذا المكان, وفي تلك البقعة المباركة, والبركة في البيت الحرام بركة كثيرة, من حيث كثرة الناس من كل صوب, فأنت مثلما تجلس علي مائدة جمعت صنوف الطعام المختلفة من لحوم الشرق والغرب وطيورهما, وفواكههما, وكل ما لذ وطاب من هنا وهناك وتصف ذلك بالعجب العجاب, والبركة, كذلك تلتقي مع إخوانك الذين لورغبت في لقائهم واحدا واحدا لاستحال عليك ذلك, ولما أمكنك أن تسافر إلي هذا في تونس والمغرب والجزائر وليبيا, والسعودية وماليزيا وأوروبا وأمريكا, وإنما جمعهم لك الله, الذي قال لخليله إبراهيم: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق, ليشهدوا منافع لهم, فالآذان أمر من الله ـ تعالي ـ لإبراهيم, أما التبليغ فبقدرة الله تعالي ومشيئته, حيث شاء أن يزرع الحب للبيت في كل قلب مسلم, وأية بركة أعظم من بركة العودة بصحبة البراءة من الذنوب والخطايا, كما جاء في الحديث الصحيح من حج فلم يرفث ولم يفسق عاد كيوم ولدته أمه أي عاد طاهرا من الذنوب, بريئا من المعاصي مدركا أن عليه أن يحافظ علي نفسه بعد الحج, وأن يكثرمن عمل الحسنات, لتتبع الحسنة الحسنة, وتتوالي عليه فيوضات رحمة ربه, وهو يدعو الله أن يعود مرارا, ومن ثم يطوف طواف الوداع سائلا الله ـ تعالي ـ ألا يجعل تلك الزيارة من حج أو عمرة آخر عهده بالبيت. وهذا الدعاء له مقتضي عظيم, لأنه لا يعني رغبة المسلم الحاج أو المعتمر في العودة إلي البيت مرارا وليكن ما يكون من حاجة مجتمعه إلي ماله الذي يحج به أو يعتمر للمرة الثانية والثالثة والرابعة, وإنما يعني أن يغني الله الناس عن ماله, فيستطيع بذلك أن يعود, لأن الحج مرة واحدة في العمر, وماعداها نافلة بينما إطعام المساكين وكفالة اليتامي, وإنقاذ المنكوبين, وإجابة ذي الحاجة الملهوف من عزائم الأمور في الدين, والله ـ عز وعلا ـ لا يقبل نافلة ما لم تؤد الفريضة, فهو يسأل الله ـ تعالي ـ ألا يجعل هذه الزيارة آخر عهده بالبيت من هذا المقتضي, أن يصلح الله تعالي أحوال العباد, وأن يفقهه في دينه, فيعلم أن الفريضة متي سقطت عنه فهناك من الفرائض غيرها ما ينتظره لقد قال النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لمن سأله: أفي كل عام يا رسول الله؟ لو قلت نعم لوجبت, فلماذا يوجب كثير من الناس علي أنفسهم ما لم يوجبه الدين عليهم, وإذا كان النص البارز في المغفرة والطهارة من الذنب في الحج والعمرة فيجب علي الدعاة أن يبرزوا كذلك النصوص الأخري في غير الحج من ستر المسلمين, الأمر الذي يفهمه الناس علي ضيق عقل, حيث فهمناه علي أن من ستر مسلما أي أخفي ذنبه ولم يفضحه, بينما هو ممتد إلي ستره بالمال والكساد والطعام, وإنقاذه من عبء الديون ووجع الهموم, ونقص العيش, وفي الحديث: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه فمن ذا الذي لا يبتغي عون الله ـ تعالي ـ الذي لا حصر لحاجاته التي يكون العبد في حاجة إلي عون الله فيها من صحة بعد مرض, وسعة بعد ضيق, واستبشار بعد تنفير, ورجاء بعد إحباط, وتيسير بعد تأزم, خصوصا في الإجراءات الروتينية, واللف بالأوراق علي المصالح الحكومية, وغير ذلك من صعاب الحياة, وسوء مسالكها, وسبيل الفرج عون الله, وهذا العون يتحقق بعون الناس, بإمداد المحتاج بما يحتاج إليه, ومسح دمعة علي وجه حزين, تنطق بالأسي, وتصور شيئا من مأساة, ضمن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لمن يرفعها ويفرجها أن يفرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة وما أدراك ماهية, فهنيئا لمن يسر الله له الزيارة والعودة إلي مواطن الجهاد الأخري.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|