
|
نقطة حبر تتعشي ولا تنام خفيف؟! |
 | |
عاطف حزين لو سئلت عن أحب المدن إلي قلبي لقلت دون تردد: دمياط. ولو سئلت عن أجدع وأشطر ناس في بر مصر لقلت بالفم المليان: الدمايطة. ولو كان الزعيم مصطفي كامل علي قيد الحياة لقال لنا عبارته المأثورة مع بعض التحوير: لو لم أكن قاهريا لوددت أن أكون دمياطيا. ولأن الزعيم الوطني انتقل إلي رحمة الله قبل أن يكتشف مآثر ومناقب إخواننا الدمايطة سأسمح لنفسي بالإنابة عنه وأقول: لو لم أكن بورسعيديا لتمنيت أن أكون دمياطيا. وعندما تناقلت وكالات الأنباء تعليق الرئيس مبارك: ياريت كلنا دمايطة, كنت أعلم أن الرئيس يقصد من داخله بأن كل مشاكلنا كانت ستنتهي لو أن الشعب المصري يحمل خصال وجينات الدمايطة الشطار. وللعلم هذه هي المرة الثانية التي يكرر فيها الرئيس نفس العبارة, فلقد سبق وقالها في زيارة سابقة لدمياط عمرها خمسة عشر عاما, وهذا يعني أن الدمياطي لم يتغير خلال هذه الفترة وظل علي شأنه العظيم رغم أن كل شيء تغير في بر مصر. أما أنا فقد أضعت فرصة عمري لنيل رضاء الرئيس مبارك, كان من السهل علي أن أصبح دمياطيا قلبا وقالبا بل إنني بدأت مشوار الدميطه في سن مبكرة عندما تم تهجيرنا إلي محافظة دمياط, ولأنه لا يوجد شيء اسمه إجازة آخر السنة أو لعب في الشوارع كان زملاء الفصل ـ وأغلبهم دمايطه ـ يعملون في حرف مختلفة, فهذا نجار وهذا استورجي, وهذا منجد وهذا قشرجي, وهذا أويمجي, ويظل الفتي يسير علي خطين متوازيين طوال عمره إلا إذا رسب في سنة سادسة, فينتقل فورا إلي الورشة ولا يعود إلي المدرسة أبدا, وكلها أربع خمس سنين بالكتير حتي يصبح ذلك التلميذ الساقط أسطي صاحب ورشة يشار إليه بالبنان, دون أن يشعر بالدونية أمام زميله الذي أكمل تعليمه حتي البكالوريوس لأن دمياط ـ بمنتهي البساطة ـ بلد موش بتاعة شهادات. وبحمد الله وتوفيقه سرت علي هذا الخط ولكنني ارتكبت خطأين مازلت أندم عليهما حتي كتابة هذه السطور, الأول أنني لم أستقر في مهنة واحدة حتي أجيدها تمام الإجادة, ففي إجازة الصف الخامس اشتغلت صبي منجد صالونات, وبدلا من الاستمرار فيها في إجازة الصف السادس, اشتغلت قشرجي, وبدافع الفضول اشتغلت نجارا في الإجازة التي تليها, وهكذا مررت علي جميع حرف صناعة الأثاث دون أن آخذ من كل حرفة إلا قشرتها, حتي وجدت نفسي أميل إلي حرفة الأويمجي حفر الخشب لأنها تنطوي علي فن رفيع وما كدت انتقل من صف الصبية إلي صف الصنايعية, نادي مناد علي جميع المهجرين لكي يعودوا إلي بلادهم وهكذا عدت إلي بورسعيد, فكان ذلك هو الخطأ الثاني الذي ندمت عليه, وكلما زرت دمياط أمر علي ورشة الأسطي هدية الذي علمني مباديء الأويمة وأجلس معه بالساعات ويقول لي كان زمان عندك معرض موبيليا بدلا من شحططة الصحافة, فأقول له: تفتكر كان ممكن يا اسطي؟ فيرد كان ممكن لو كنت دمياطيا, ولكن خبرتي تؤكد أن البورسعيدية أخيب خلق الله بدليل أنكم لم تتعلموا منا أي شيء. ذكرتني كلمات الأسطي هدية بقصة العميد طيار رفعت الجميل, أهم رجل أعمال في ميناء دمياط, هذا الرجل فصله الفريق فوزي وزير الحربية لأنه كشف عيوب طائرة روسية تم التعاقد عليها, عاد رفعت إلي دمياط ولم يبك علي مستقبله في الطيران, اشتري سيارة ملاكي نصف عمر, وحولها إلي سوق متنقل للجبنة الرومي, وطاف رفعت الجميل محافظات مصر بسيارته المتواضعة وأصبح له زبائن في كل مدن المحروسة, وأصبحت السيارة سيارتين وثلاثا, وعندما طلب منه العودة إلي عمله في الكلية الجوية, لم يقو علي الاستمرار أكثر من شهرين قدم بعدهما استقالته بعد أن شعر بأن السوق التي اكتسبها ستضيع منه, وفي ظرف خمس سنوات كبر اسم الطيار رفعت الجميل, وبدأت تتفرع أعماله حتي أصبح مؤسسة كبيرة جعلت الدمايطة يختاورنه ليمثلهم في مجلس الشعب. فإذا كان الرئيس حسني مبارك معجبا ـ وعنده حق ـ بالدمايطة فلماذا لا يختار حكومة مصر بداية من رئيس الوزراء وانتهاء بوزير البيئة من هذه المدينة؟ التي لم تعرف غير الكرم ومع ذلك الصقوا بها شعارا غبيا بخيلا يقول: تتعشي ولا تنام خفيف.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|