408‏السنة 123-العدد2005يناير15‏4 ذى الحجة 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نقطة حبر
تتعشي ولا تنام خفيف؟‏!‏

عاطف حزين


لو سئلت عن أحب المدن إلي قلبي لقلت دون تردد‏:‏ دمياط‏.‏
ولو سئلت عن أجدع وأشطر ناس في بر مصر لقلت بالفم المليان‏:‏ الدمايطة‏.‏
ولو كان الزعيم مصطفي كامل علي قيد الحياة لقال لنا عبارته المأثورة مع بعض التحوير‏:‏ لو لم أكن قاهريا لوددت أن أكون دمياطيا‏.‏
ولأن الزعيم الوطني انتقل إلي رحمة الله قبل أن يكتشف مآثر ومناقب إخواننا الدمايطة سأسمح لنفسي بالإنابة عنه وأقول‏:‏ لو لم أكن بورسعيديا لتمنيت أن أكون دمياطيا‏.‏
وعندما تناقلت وكالات الأنباء تعليق الرئيس مبارك‏:‏ ياريت كلنا دمايطة‏,‏ كنت أعلم أن الرئيس يقصد من داخله بأن كل مشاكلنا كانت ستنتهي لو أن الشعب المصري يحمل خصال وجينات الدمايطة الشطار‏.‏
وللعلم هذه هي المرة الثانية التي يكرر فيها الرئيس نفس العبارة‏,‏ فلقد سبق وقالها في زيارة سابقة لدمياط عمرها خمسة عشر عاما‏,‏ وهذا يعني أن الدمياطي لم يتغير خلال هذه الفترة وظل علي شأنه العظيم رغم أن كل شيء تغير في بر مصر‏.‏
أما أنا فقد أضعت فرصة عمري لنيل رضاء الرئيس مبارك‏,‏ كان من السهل علي أن أصبح دمياطيا قلبا وقالبا بل إنني بدأت مشوار الدميطه في سن مبكرة عندما تم تهجيرنا إلي محافظة دمياط‏,‏ ولأنه لا يوجد شيء اسمه إجازة آخر السنة أو لعب في الشوارع كان زملاء الفصل ـ وأغلبهم دمايطه ـ يعملون في حرف مختلفة‏,‏ فهذا نجار وهذا استورجي‏,‏ وهذا منجد وهذا قشرجي‏,‏ وهذا أويمجي‏,‏ ويظل الفتي يسير علي خطين متوازيين طوال عمره إلا إذا رسب في سنة سادسة‏,‏ فينتقل فورا إلي الورشة ولا يعود إلي المدرسة أبدا‏,‏ وكلها أربع خمس سنين بالكتير حتي يصبح ذلك التلميذ الساقط أسطي صاحب ورشة يشار إليه بالبنان‏,‏ دون أن يشعر بالدونية أمام زميله الذي أكمل تعليمه حتي البكالوريوس لأن دمياط ـ بمنتهي البساطة ـ بلد موش بتاعة شهادات‏.‏ وبحمد الله وتوفيقه سرت علي هذا الخط ولكنني ارتكبت خطأين مازلت أندم عليهما حتي كتابة هذه السطور‏,‏ الأول أنني لم أستقر في مهنة واحدة حتي أجيدها تمام الإجادة‏,‏ ففي إجازة الصف الخامس اشتغلت صبي منجد صالونات‏,‏ وبدلا من الاستمرار فيها في إجازة الصف السادس‏,‏ اشتغلت قشرجي‏,‏ وبدافع الفضول اشتغلت نجارا في الإجازة التي تليها‏,‏ وهكذا مررت علي جميع حرف صناعة الأثاث دون أن آخذ من كل حرفة إلا قشرتها‏,‏ حتي وجدت نفسي أميل إلي حرفة الأويمجي حفر الخشب لأنها تنطوي علي فن رفيع وما كدت انتقل من صف الصبية إلي صف الصنايعية‏,‏ نادي مناد علي جميع المهجرين لكي يعودوا إلي بلادهم وهكذا عدت إلي بورسعيد‏,‏ فكان ذلك هو الخطأ الثاني الذي ندمت عليه‏,‏ وكلما زرت دمياط أمر علي ورشة الأسطي هدية الذي علمني مباديء الأويمة وأجلس معه بالساعات ويقول لي كان زمان عندك معرض موبيليا بدلا من شحططة الصحافة‏,‏ فأقول له‏:‏ تفتكر كان ممكن يا اسطي؟ فيرد كان ممكن لو كنت دمياطيا‏,‏ ولكن خبرتي تؤكد أن البورسعيدية أخيب خلق الله بدليل أنكم لم تتعلموا منا أي شيء‏.‏
ذكرتني كلمات الأسطي هدية بقصة العميد طيار رفعت الجميل‏,‏ أهم رجل أعمال في ميناء دمياط‏,‏ هذا الرجل فصله الفريق فوزي وزير الحربية لأنه كشف عيوب طائرة روسية تم التعاقد عليها‏,‏ عاد رفعت إلي دمياط ولم يبك علي مستقبله في الطيران‏,‏ اشتري سيارة ملاكي نصف عمر‏,‏ وحولها إلي سوق متنقل للجبنة الرومي‏,‏ وطاف رفعت الجميل محافظات مصر بسيارته المتواضعة وأصبح له زبائن في كل مدن المحروسة‏,‏ وأصبحت السيارة سيارتين وثلاثا‏,‏ وعندما طلب منه العودة إلي عمله في الكلية الجوية‏,‏ لم يقو علي الاستمرار أكثر من شهرين قدم بعدهما استقالته بعد أن شعر بأن السوق التي اكتسبها ستضيع منه‏,‏ وفي ظرف خمس سنوات كبر اسم الطيار رفعت الجميل‏,‏ وبدأت تتفرع أعماله حتي أصبح مؤسسة كبيرة جعلت الدمايطة يختاورنه ليمثلهم في مجلس الشعب‏.‏
فإذا كان الرئيس حسني مبارك معجبا ـ وعنده حق ـ بالدمايطة فلماذا لا يختار حكومة مصر بداية من رئيس الوزراء وانتهاء بوزير البيئة من هذه المدينة؟ التي لم تعرف غير الكرم ومع ذلك الصقوا بها شعارا غبيا بخيلا يقول‏:‏ تتعشي ولا تنام خفيف‏.‏